وحدة الدراسات الأفريقية

المحاولة الانقلابية في السودان: تداعيات الخلاف بين شركاء الحكم الانتقالي

تزايدت حدة التوتر بين المكونين العسكري والمدني في السودان من جديد، ففي أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قام بها بعض ضباط سلاح المدرعات، جدد الشريك المدني محاولاته لإقصاء المكون العسكري، مما أظهر ارتباكًا في المشهد السياسي السوداني الهش بالأساس، وكلما ظهرت حالة عداء بين المكون العسكري والمدني بالسودان سعت بعض التيارات السياسية وناشطوها إلى تأجيج الصراع بينهما والهجوم على المكون العسكري، وذلك بهدف شيطنة الجيش السوداني وإضعافه وتفكيكه من خلال اتهامه بمحاولة الانقلاب بغرض الهيمنة على السلطة السياسية في البلاد. تلك المحاولات من بعض القوى السياسية ترتبط بحسابات سياسية ضيقة وليس المصالح الوطنية، في حين أن الجيش السوداني ومنذ سقوط…

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

تزايدت حدة التوتر بين المكونين العسكري والمدني في السودان من جديد، ففي أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قام بها بعض ضباط سلاح المدرعات، جدد الشريك المدني محاولاته لإقصاء المكون العسكري، مما أظهر ارتباكًا في المشهد السياسي السوداني الهش بالأساس، وكلما ظهرت حالة عداء بين المكون العسكري والمدني بالسودان سعت بعض التيارات السياسية وناشطوها إلى تأجيج الصراع بينهما والهجوم على المكون العسكري، وذلك بهدف شيطنة الجيش السوداني وإضعافه وتفكيكه من خلال اتهامه بمحاولة الانقلاب بغرض الهيمنة على السلطة السياسية في البلاد. تلك المحاولات من بعض القوى السياسية ترتبط بحسابات سياسية ضيقة وليس المصالح الوطنية، في حين أن الجيش السوداني ومنذ سقوط نظام الإخوان المسلمين في السودان يبدو ملتزمًا بمسار الانتقال المتفق عليه.

أولًا- أبعاد المحاولة الانقلابية الفاشلة:

أحبطت السلطات الأمنية والعسكرية في السودان يوم الثلاثاء 21 من سبتمبر 2021، محاولة انقلابية قام بها مجموعة ضباط من سلاح المدرعات، ومنطقتي وادي سيدنا وأم درمان العسكريتين، بالإضافة إلى نخبة سياسية مدنية. وعلى الرغم من التعتيم الإعلامي حول هذه المحاولة الفاشلة، إلا أن هناك مؤشرات سبقت تلك المحاولة، منها التخطيط لخلق فوضى في مدن شرق السودان، ثم أعقبها إغلاق تام للمركز التجاري الرئيسي في البلاد، بما يعطي انطباعًا بأن الوضع غير مستقر في البلاد، وبالتالي يمهد لعملية الانقلاب.

1. ارتباك وأزمات داخلية:

شهدت البلاد خلال الشهور الماضية احتجاجات ومظاهرات على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية في عدد من المدن والمناطق بعد رفع الدعم عن المحروقات وارتفاع أسعار المواد الغذائية، ومحاولة البعض السيطرة على أنابيب خط البترول. وتبدو هناك علاقة بين محاولة الانقلاب والانفلات الأمني في بعض مناطق البلاد، والاحتجاجات ذات الطابع القبلي في شرق البلاد. وعلى الرغم من استقرار الترتيبات الانتقالية في إدارة ملفات السياسة الخارجية والاقتصاد، إلا أنها فشلت في تشكيل مجلس تشريعي والذي سيكون بمثابة مراقب لما تقوم به القوى السياسية التي تتربص بالمؤسسة العسكرية، وتخشى تلك القوى أن تفقد صلاحياتها، لذلك تعمل على عرقلة أي عملية سلام مع الحركات المسلحة والقوى السياسية الأخرى. 

2. انتشار الجيش وإحباط الانقلاب:

قام رئيس المجلس العسكري الفريق البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو بتفقد مقر سلاح المدرعات بضاحية الشجرة جنوب الخرطوم بعد دحر الانقلاب والقبض على قياداته، وأثنوا على القوات في سلاح المدرعات وشكروهم على حكمتهم في التعامل مع الأحداث. وفي ظل تلك الأحداث تم انتشار القوات المسلحة والدعم السريع وإحكام السيطرة على كافة مداخل الخرطوم وتأمين المرافق الحيوية وسير الأنشطة الحكومية والاقتصادية بشكل طبيعي، وتم إغلاق بعد الجسور الرابطة بين مدن الخرطوم الثلاثة. ولكن سرعان ما تم نشر تعزيزات عسكرية إضافية في المواقع الاستراتيجية، كالشوارع الرئيسية والجسور. ومن اللافت للنظر الزيارة التي قام بها الفريق البرهان باعتباره القائد العام للجيش لسلاح المدرعات، وحديثه خلال الزيارة التي اتسمت بالود ولم تُظهر امتعاضًا شديد اللهجة مع ضباط وجنود سلاح المدرعات، في محاولة لاحتواء أي محاولة جديدة للانشقاق والتمرد.

3. التمسك بمسار الانتقال الديمقراطي:

أعلن رئيس الحكومة السودانية الانتقالية عبدالله حمدوك، أن المحاولة الانقلابية الفاشلة كانت من تخطيط فلول النظام السابق، واعتبره درسًا يستدعي ضمان الانتقال الديمقراطي. وطالب حمدوك بعد المحاولة الانقلابية الأخيرة بهيكلة مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية. وناشد أيضًا بخطوات فورية لتأمين الانتقال الديمقراطي بالتعاون مع لجنة تفكيك السابق. تلك الواقعة دفعت الحكومة الانتقالية لعقد اجتماع طارئ مشترك بين مجلس الوزراء وتحالف قوى الحرية والتغيير، والحركات المسلحة للقوى السياسية بشأن المحاولة الانقلابية.

4. رفض حزبي وشعبي للانقلاب:

أعربت أحزاب سودانية رفضها لمحاولة انقلاب ودعا تحالف قوى الإجماع الوطني إلى إعادة هيكلة الجيش وبقية القوات النظامية، وحث الحزب الشيوعي -في بيان- السلطات على الكشف عن الحقائق المرتبطة بالمحاولة الانقلابية ونشرها للرأي العام، وتقديم الجناة إلى محاكم عادلة علنية، والتحلي باليقظة والحذر والانتباه والاستعداد للتصدي للمؤامرات التي تحاك من قبل أعداء التغيير في الداخل والخارج بكل الوسائل المتاحة، وأكد كل من حزبي الأمة والتجمع الاتحادي، في بيان، رفضهما للانقلابات العسكرية، مع التشديد على ضرورة إنجاح عملية الانتقال الديمقراطي، كما أعلن الحزب الاتحادي الديمقراطي رفضه تقويض النظام الديمقراطي، وعبرت العديد من الأحزاب والتيارات والقوى السياسية عن رفضها للانقلاب، وقد خرجت مظاهرات واحتجاجات رافضة للانقلاب في عدد من المدن.

ثانيًا- واقع العلاقة بين الشريكين العسكري والمدني في السودان:

لعبت المؤسسة العسكرية في السودان دورًا مهمًا منذ سقوط حكومة الإخوان في السودان، من خلال الإدارة الاستباقية للانتقال إلى الحكم المدني، هذه الفترة كانت بمثابة فرصة للعسكريين في السودان للظهور كقوة جديدة بوجه جديد يتمتع بالاحترافية في التعامل مع المواقف الحرجة التي يمر بها السودان شعبًا وحكومة. وأي تحول في الوقت الراهن للمشهد السياسي السوداني لن يكتمل إلا بمساهمة وتدخل المؤسسة العسكرية، من أجل تأسيس دولة مدنية ديمقراطية في نهاية الفترة الانتقالية. 

فمنذ سقوط نظام التيار السياسي بالسودان في أبريل 2019، تحملت المؤسسة العسكرية عبئًا كبيرًا على المستويين: داخليًا، وتمثل في حفظ الأمن والاستقرار، والمساهمة في سد الفراغ الأمني الكبير بجميع ولايات السودان. وخارجيًا، حيث قدم الجيش نموذجًا فريدًا في كيفية حماية حدود الدولة السودانية، واستعادة منطقتي الفشقة الكبرى والصغرى التي ظلت محتلة على مدار قرابة العقود الثلاثة الماضية. ويعمل الجيش أيضًا في مجابهة أي تهدید والقضاء علیه، سواء كان تهدیدًا خارجیًا أو داخليًا، ويتخذ من مقدراته الاقتصادية ترسانة حماية في رفع مستوى الكفاءة بين قواته، لتكون جاهزة للردع والتصدي في جميع القضايا التي تخص الأمن القومي، من أجل تكون دولة السودان قوة إقليمية مؤثرة.

وفي المقابل، وبدلًا من تكوين حكومة تكنوقراط مستقلة في “مرحلة الانتقال” تمهد للانتخابات ديمقراطية بعد نهاية فترتها، لجأت “قوى التغيير المنبثقة عن الثورة إلى اختيار حكومة محاصصة حزبية من غير الكفاءات، ونتج عن ذلك التوقيع على الوثيقة الدستورية، وانتهت المرحلة بتشكيل حكومة انتقالية قائمة تضم عددًا محدودًا من التنظيمات السياسية، وبالتأكيد لا تمثل كل القوى السياسية السودانية، وعملت هذه الحكومة على خطة تجعلها تتصدر المشهد السياسي، وقامت بتمكين منتسبيها في مؤسسات الدولة السودانية، وهو الأمر الذي ظهر بوضوح في الانشقاقات التي طالت إعلان الحرية والتغيير منذ اتفاق جوبا في أكتوبر 2020.

وقد كشف أداء الحكومة عن توجه لتهميش وإقصاء بقية المكون المدني، بل والتربص بجميع القوى السياسية الأخرى التي تنتقدها، وأصبحت حكومة المحاصصة تستخدم مصطلح “الفلول” كنوع من الممارسة والإقصاء ضد القوى السياسية المعارضة لها حتى تنفرد بالمرحلة الانتقالية، وقد استغلت هذه الأحزاب التصعيد الدائر قبل المحاولة الانقلابية الأخيرة ضد المكون العسكري، وانتقلت مرحلة التصعيد إلى شبكة التواصل الاجتماعي، فاتسعت الفجوة بينهما، وأصبحت تمثل عقبة حقيقية بين طرفي السلطة في السودان، وقامت عناصر من النخبة السودانية بعملية تشويه متعمد للمؤسسة العسكرية السودانية.

وتأتي الانتقادات التي وجهها كل من الفريق عبدالفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي ونائبه الفريق محمد حمدان دقلو، في إطار احتجاج المؤسسة العسكرية ضد ما يحاك لهما من قبل حليفهم من المكون المدني، وعملية إقصائهما من المشهد من خلال التعبئة للشارع للخروج ضد إحدى أهم مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية. حيث تتعرض المؤسسة العسكرية السودانية لحملات تشويه والتحريض بغرض إضعاف موقفها فيما تبقى من عمر المرحلة الانتقالية.

ثالثًا- انعكاسات سلبية على المرحلة الانتقالية:

لا شك أن التصعيد الراهن يسهم في تهديد عملية الانتقال التي تمر بها السودان، حيث تتزايد الفجوة بين الشركاء خلال هذه المرحلة، وقد تسهم هذه التوترات في انهيار المكتسبات التي تحققت، لا سيما أن هناك بعض المشكلات بدأت تظهر على الأطراف كمشكلة إقليم شرق السودان، وهو ما قد يهدد اتفاق جوبا برمته وتنهار العملية السياسية. ولا يتحمل السودان الدخول في صراع داخلي على السلطة، سواء داخل المكونات المدنية أو بين المكون المدني والمكون العسكري، ولا سيما في ظل التحديات الإقليمية الراهنة، لأن من شأن ذلك أن يضعف مكتسبات السودان على الصعيد الإقليمي، ولا سيما موقفها تجاه إثيوبيا، خاصة مسألة التعاطي مع أزمة سد النهضة، وكذلك السيطرة على منطقة الفشقة في الشرق.

وعلى الصعيد الدولي، فإن هذا الصراع يفتح الباب على مصراعيه لتدخل القوى الدولية في الشأن السوداني، وربما يتعطل مسار دمج السودان دوليًا وإعادته إلى المربع الأول، الأمر الذي قد يدفع الدولة نحو الانهيار وإلى التفكك. ولا شك أن اتجاه قطاع من النخبة السياسية السودانية لتشويه المؤسسة العسكرية وشيطنتها ليس من مصلحة السودان، بل قد يكون عائقًا كبيرًا في مسار المرحلة الانتقالية. وتظهر نتائجه الكارثية في المرحلة المقبلة إذا لم تتراجع تلك القوى السياسية وكتابها عما يُحاك ضد المؤسسة العسكرية السودانية. 

وفي النهاية، يمكن القول إن الالتزام بالوثيقة الدستورية هو الخيار الأنسب والصحيح لإنجاح الفترة الانتقالية بين المكونين العسكري والمدني، الوثيقة تعمل على تقريب وجهات النظر بين طرفي السلطة في السودان، ومن خلالها يجب طرح رؤية وطنية تعالج حالة الانقسامات داخل المجتمع السوداني، وتعيد النظر في السياسات المتبعة لشيطنة المؤسسات ذات الصلة بالأمن القومي السوداني بمفهومه الشامل وعلى رأسها الجيش السوداني.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية