وحدة الدراسات الأفريقية

مخاوف متصاعدة: تحولات خريطة الانتشار العسكري في الساحل الإفريقي

أثار الاتفاق المحتمل بين المجلس العسكري في مالي ومجموعة فاجنر Wagner Group (الشركة الأمنية الخاصة شبه العسكرية الروسية) بشأن إرسال مرتزقة لتدريب القوات المالية، مجموعة من الانتقادات والضغوطات لدولة مالي، سواء من قبل فرنسا وألمانيا وإستونيا والاتحاد الأوروبي، أو دول الجوار مثل تشاد والنيجر. وفي خضم هذا المشهد وصلت وزيرة الجيوش الفرنسية “فلورنس بارلي” إلى مالي والنيجر في التاسع عشر من سبتمبر 2021 لمدة يومين للتباحث مع السلطات بشأن التحول في الانتشار العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، ودور النيجر في هذا الانتشار مستقبلًا بالتنسيق السياسي مع السلطات المحلية. وفي هذا السياق، تُواجه فرنسا المُعضلة الكبرى نفسها، حيث تسعى لتجنب تداعيات…

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

أثار الاتفاق المحتمل بين المجلس العسكري في مالي ومجموعة فاجنر Wagner Group (الشركة الأمنية الخاصة شبه العسكرية الروسية) بشأن إرسال مرتزقة لتدريب القوات المالية، مجموعة من الانتقادات والضغوطات لدولة مالي، سواء من قبل فرنسا وألمانيا وإستونيا والاتحاد الأوروبي، أو دول الجوار مثل تشاد والنيجر. وفي خضم هذا المشهد وصلت وزيرة الجيوش الفرنسية “فلورنس بارلي” إلى مالي والنيجر في التاسع عشر من سبتمبر 2021 لمدة يومين للتباحث مع السلطات بشأن التحول في الانتشار العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، ودور النيجر في هذا الانتشار مستقبلًا بالتنسيق السياسي مع السلطات المحلية.

وفي هذا السياق، تُواجه فرنسا المُعضلة الكبرى نفسها، حيث تسعى لتجنب تداعيات التجربة الأمريكية في أفغانستان وذلك بمحاولة إخراج قواتها من الساحل الإفريقي دون الانهيار السريع للحكومات، وهي استراتيجية محفوفة بالمخاطر، سواء بالنسبة لمنطقة الساحل أو باريس، حيث حاولت فرنسا كسب الحرب بالقوة وقامت بإرسال 600 جندي إضافي عام 2020 إلى منطقة الساحل لتعزيز قدرات القوات المحلية، ولكن كان عام 2020 الأسوأ من حيث الخسائر في الأرواح منذ دخول فرنسا في مالي عام 2013، فضلًا عن التكلفة المادية، حيث يتم إنفاق ما يقرب من مليار يورو سنويًا.

تحوّلات متعددة

علّقت فرنسا التعاون العسكري مع القوات المسلحة في مالي، بما في ذلك العمليات المشتركة والتدريب نتيجة الانقلاب في مالي في مايو 2021، وغياب التقدم السياسي والأمني ​​في البلاد، وكان قرار التخفيض النهائي للقوات الفرنسية في المنطقة متوقعًا منذ قمة باو الفرنسية في يناير 2020، وقد استغلت فرنسا مقتل “أبو الوليد الصحراوي” لإثبات نجاح جيشها في محاربة الإرهاب لتبرير التغيرات العملياتية في قوة برخان قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2022، وإقناع الحلفاء الأوروبيين بضرورة الانخراط العسكري في قوة تاكوبا لمنع حلفاء الساحل من البحث عن شركاء آخرين. وترى فرنسا ضرورة استمرار نظام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الأمريكي في منطقة الساحل من القاعدة الجوية “201” في النيجر، التي تساعد القوات الفرنسية في الحصول على معلومات دقيقة عن الجماعات الإرهابية. وظهرت مجموعة من المتغيرات في منطقة الساحل، على النحو التالي:

إعادة تنظيم الوجود العسكري الفرنسي: منذ إعلان الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” في يونيو 2021، عن الانسحاب التدريجي للقوات الفرنسية، وانتهاء مهمة برخان؛ بدأت فرنسا منذ سبتمبر 2021 في إعادة انتشار قواتها من قواعد كيدال وتيساليت وتمبكتو بشمال مالي، وسيتولى تحالف دولي جديد بمساهمات أوروبية وقيادة فرنسية مسئولية عمليات مكافحة الإرهاب وتدريب قوات الأمن في منطقة الساحل فيما يُعرف بقوة تاكوبا، وسيتم تخفيض عدد الجنود الفرنسيين في منطقة الساحل على ثلاث مراحل: الموعد النهائي الأول في أوائل عام 2022، قد يؤدي إلى إغلاق بعض القواعد الفرنسية. بعد ذلك، من المقرر حدوث انخفاض بنسبة 30٪ في عدد القوات بحلول صيف عام 2022. وستشهد المرحلة الأخيرة في أوائل عام 2023، انخفاضًا إلى النصف من 5000 إلى 2500-3000 جندي في عملية برخان، ونقل مزيد من الأصول الفرنسية إلى دولة النيجر المجاورة لأهمية قاعدة نيامي الجوية الفرنسية بها، وتضم 700 جندي فرنسي وست طائرات مقاتلة وأخرى طائرات بدون طيار من طراز إم كيو-9 ريبر، وسيكون وجود مجموعة فاجنر خطًا أحمر لسياسة “ماكرون”، مما قد يدفع باريس إلى إرسال قوات متمركزة في مالي إلى النيجر المجاورة كمركز قيادة متقدم للعمليات الرئيسية بالتنسيق مع القوات المحلية لمكافحة الجماعات الإرهابية في المنطقة الحدودية (ليبتاكو غورما) بين الدول الثلاث (مالي، والنيجر، وبوركينافاسو). 

اتباع دول الإقليم نهج تنويع الحلفاء العسكريين: ترغب الحكومة المالية في وضع خطة بديلة واستراتيجية أمنية جديدة نتيجة إعادة انتشار الجيش الفرنسي، وتوسيع إمكانيات التعاون في مجالات الشراكة العسكرية لتجنب سيناريو المتلازمة الأفغانية، واستعادة سلطة وسيادة الدولة على كامل أراضيها في ظل فشل نهج التدريب والمرافقة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، فضلًا عن أن وجود القوات الفرنسية كان عاملًا محفزًا لتصاعد العنف في بعض الحالات، بجانب معارضتها للتفاوض مع الجماعات الإرهابية، الخيار الذي يفضله بعض الماليين. وفي المقابل، أخذ مسار التعاون مع حلفاء جدد مسارًا تصاعديًا، خاصة بالنسبة للتعاون مع روسيا، ففي الثلاثين من سبتمبر ٢٠٢١ أرسلت روسيا أربع طائرات هليكوبتر وأسلحة وذخيرة كجزء من تنفيذ اتفاقية التعاون العسكري الموقعة بينهما في ديسمبر 2020 والتي دخلت حيز التنفيذ في يونيو 2021. وفي حين لم تكن هناك احتجاجات عامة ضد روسيا لكن يظل الرأي العام في مالي منقسمًا تجاه التعاون المحتمل مع مجموعة فاجنر.

الاتهامات المُتبادلة: رفضت فرنسا اتهامات التخلي الكامل عن مالي والإعلان أحادي الجانب عن انسحاب القوات الفرنسية الذي طرحه رئيس الوزراء المالي “شوجل كوكالا مايجا” في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة للدورة رقم 76 في نيويورك، مبررًا ذلك بضرورة بحث بلاده عن شركاء آخرين، فيما أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية إلى أن تحوّل النظام الفرنسي في منطقة الساحل لا يشكل خروجًا عن مالي أو قرارًا من جانب واحد، وكان هذا الموضوع محل تشاور مع حكومات دول الساحل منذ قمة باو الفرنسية. وفي التاسع عشر من سبتمبر 2021، أدانت الحكومة المالية تصريحات وزير خارجية النيجر في ختام مؤتمر رؤساء دول وحكومات الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس”، الذي انعقد في السادس عشر من سبتمبر 2021 في أكرا بدولة غانا بشأن عدم سماح النيجر بوجود مرتزقة روس في المنطقة، وضرورة تنظيم الانتخابات في مالي بحلول فبراير 2022 كأولوية بالنسبة لجماعة “إيكواس”. بالإضافة إلى ذلك، اتهمت دولة تشاد مجموعة فاجنر في ليبيا بتدريب العناصر التي تسببت في مقتل الرئيس التشادي “إدريس ديبي”.

مخاوف متصاعدة

في الخامس عشر من سبتمبر 2021 قال وزير الخارجية الفرنسي “جان إيف لودريان”، إن وجود مجموعة فاجنر الروسية في مالي غير متوافق مع وجود القوات الفرنسية. وفي العشرين من سبتمبر 2021 أكدت “فلورنس بارلي” عزم باريس مواصلة مشاركتها في مالي، دون الحصول على تأكيدات من الحكومة المالية بشأن التعاون المحتمل مع مجموعة فاجنر، ولكن توجد مجموعة من المخاوف لتواجد هذه القوات يمكن توضحيها على النحو التالي: 

انتهاكات حقوق الإنسان: تشعر فرنسا بالقلق من أن وصول المرتزقة الروس من شأنه أن يقوض عملية مكافحة الإرهاب المستمرة منذ عقد ضد تنظيمي القاعدة وداعش في منطقة الساحل الإفريقي، والانتهاكات المتوقعة ضد المدنيين من تزايد الفظائع وانتهاكات حقوق الإنسان، وتفاقم الإفلات من العقاب، وزيادة هائلة في النزوح والاحتياجات الإنسانية، مما يُثير إشكالية كبيرة من دور هذه الشركات الخاصة في العمليات الخارجية، لا سيما في مناطق النزاع ووضعها في القانون الإنساني الدولي التي لا تفرق بين المدنيين والمقاتلين كأساس لقانون الحرب. 

التحفظات الغربية على دور فاجنر: حذرت ألمانيا وإستونيا من اللجوء إلى فاجنر لتدريب القوات المسلحة المالية مع تساؤلات حول مشاركتهم العسكرية في مالي؛ إذ قالت وزيرة الدفاع الألمانية “أنجريت كرامب كارينباور” في تغريدة، إن اتفاقًا بين مالي ومجموعة فاجنر من شأنه أن يشكك في تفويض الجيش الألماني، وشددت الأمم المتحدة التي لديها نحو 15 ألف جندي من قوات حفظ السلام في مالي، على أن أي شراكة بين حكومة مالي مع القوات العسكرية الأجنبية يجب أن تحترم حقوق الإنسان. وقد يُهدد وصول فاجنر إلى مالي دعم الولايات المتحدة للعمليات الفرنسية والأوروبية، وفي حالة استمرار بقاء القوات الفرنسية في مالي مع وصول مرتزقة فاجنر، فستعمل الولايات المتحدة على إيقاف كافة الدعم الاستخباراتي للقوات الفرنسية ويمكن أن تنسحب دول أوروبية أخرى.

البعد الاقتصادي: تبيع الحكومة في جمهورية إفريقيا الوسطى جزءًا من قيمة تعدين الذهب والماس لسداد نفقات توظيف مدربين وشراء أسلحة من موسكو، وتعتبر مجموعة فاجنر طرفًا رئيسيًا في الصراع؛ إذ تستغل عدم الاستقرار لتحقيق مصالحها الخاصة، كما يتضح من وجودها في البلدان الأخرى المتأثرة بالصراعات. وبالمثل سيكلف دولة مالي من أجل جلب فاجنر امتيازات لاستغلال ثلاثة مناجم؛ اثنان من الذهب وواحد من المغنيسيوم من قبل شركات مرتبطة بمجموعة فاجنر بقيمة ستة مليارات فرنك إفريقي (حوالي 10.8 ملايين دولار) شهريًا.

تداعيات خطرة

سيؤثر الانسحاب الفرنسي وإعادة تنظيم القوات الدولية بشكل مباشر على مشاريع التنمية المختلفة والوضع الأمني والاستقرار ومسائل الحكم، مما سيزيد من تعثر هذه الأوضاع في منطقة الساحل، وتخلق هذه الظروف فرصًا لتنامي نشاط الجماعات الإرهابية، وزيادة مناطق نفوذها وسيطرتها بالتزامن مع خروج الولايات المتحدة من أفغانستان والانسحاب الفرنسي في غرب إفريقيا لإنشاء ملاذ آمن لهم، وسيعتبر هذا الانسحاب انتصارًا لهذه الجماعات الإرهابية، مما يؤدي إلى أزمة جديدة في مالي ودول الساحل الأخرى، وتصبح المنطقة بؤرة عالمية للنشاط الإرهابي.

قد يفرض وصول مجموعة فاجنر إلى مالي لتعزيز الوجود الروسي في المنطقة، ضغوطًا إضافية على فرنسا، حيث تحاول روسيا وقوى أخرى مثل الصين ملء فراغ الذي ستتركه فرنسا في المنطقة، ونشر مجموعة فاجنر سيعمل على فتح الطريق أمام رأس المال الروسي في مختلف القطاعات وفي الوقت نفسه إعاقة خطط فرنسا الاستراتيجية في إفريقيا. من جانبها، تدرك حكومة مالي هذه التناقضات وتحاول الاستفادة من هذه المنافسة في ظل عدم معارضة بعض المنظمات والكيانات السياسية للتدخل الروسي في مالي. 

واتصالًا بالسابق، فإن تدخل مجموعة فاجنر في مالي ليس حلًا، كما تظهر جميع تدخلاتها التي أثبتت فشلها في القارة الإفريقية، حيث فضلت موزمبيق استخدام الشركات الأمنية الخاصة للمُساعدة في مُكافحة الإرهاب، بالرغم من التكلفة الباهظة لهذه الشركات، واعتمادها نهج السرية العامة في عملياتها، وعدم مُشاركتها المعلومات مع القوات الوطنية، وافتقارها المعرفة بالتضاريس المحلية للبلاد، ومن غير الواضح ما إذا كانت روسيا ستحل محل فرنسا كلاعب رئيسي في مالي، حيث تحرص فرنسا على بناء معارضة دولية لاستخدام مجموعة فاجنر في منطقة الساحل.

من كلّ ما سبق، سيؤثر الانسحاب الفرنسي واحتمالية تواجد مرتزقة فاجنر على المعادلة الاستراتيجية في منطقة الساحل وتكوين تحالفات جديدة في ظل تراجع نفوذ فرنسا، وتداعيات ذلك على أمن واستقرار المنطقة، مع صعوبة ضمان السيطرة على قواعد الاشتباك المحتملة لمجموعة فاجنر، وهناك احتمال وجود عسكري جديد للقوى الكبرى وظهور جماعات معينة للقيام بمهام محددة دون وجود للجيوش الوطنية لتجنب الخسائر، ومن المرجح أن تتزايد الهجمات الإرهابية خلال الأشهر المقبلة في المنطقة.

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية