العملات المشفرة والاستقرار المالى الدولى

عضو الهيئة الاستشارية

للمرة الأولى فى مصر يتم القبض على مجموعة تقوم بعمليات التعدين للعملات المشفرة والاتجار فيها، فيما يعد مخالفة قانونية، وهو ما يطرح التساؤل عن مستقبل هذه العملات وهل ستصبح العملات هى البديل عن النقود بأشكالها المختلفة الورقية والمعدنية والأرصدة البنكية؟ وذلك بعد الانتشار الواسع والسريع فى استخدامها، وبعد ان اعترفت بها دولة السلفادور، لتصبح اول دولة فى العالم تشرع عملة البيتكوين كعملة رسمية حكومية، وذلك بعد 12 عاما من وجودها بالاسواق الدولية. كما تستعد البرازيل للتصويت على قانون لتنظيم التعامل بها، وكذلك أعلنت نيجيريا انها ستطلق عملة مشفرة رسمية بالبلاد خلال الفترة القادمة. وهذه العملات هي عملات الكترونية افتراضية ليس…

عبد الفتاح الجبالي on Email
عبد الفتاح الجبالي
عضو الهيئة الاستشارية

للمرة الأولى فى مصر يتم القبض على مجموعة تقوم بعمليات التعدين للعملات المشفرة والاتجار فيها، فيما يعد مخالفة قانونية، وهو ما يطرح التساؤل عن مستقبل هذه العملات وهل ستصبح العملات هى البديل عن النقود بأشكالها المختلفة الورقية والمعدنية والأرصدة البنكية؟ وذلك بعد الانتشار الواسع والسريع فى استخدامها، وبعد ان اعترفت بها دولة السلفادور، لتصبح اول دولة فى العالم تشرع عملة البيتكوين كعملة رسمية حكومية، وذلك بعد 12 عاما من وجودها بالاسواق الدولية. كما تستعد البرازيل للتصويت على قانون لتنظيم التعامل بها، وكذلك أعلنت نيجيريا انها ستطلق عملة مشفرة رسمية بالبلاد خلال الفترة القادمة.

وهذه العملات هي عملات الكترونية افتراضية ليس لها وجود ملموس ولايمكن رصد حركتها بالأسواق الدولية لكونها تتداول عبر الأشخاص والمؤسسات عن طريق الانترنت وتستخدم التشفير وقاعدة بيانات تسمح بتحويل الأموال بسرعة وسرية خارج نظام الدفع المركزي التقليدي. وتتميز بأنها عملة لا مركزية، أي لا يتحكم بها غير مستخدميها، ولا تخضع لسيطرة الحكومات والبنوك المركزية كالعملات التقليدية، بل يتم التعامل بها فقط عبر شبكة الإنترنت دون وجود فيزيائي لها. وكما هو معروف فان عملية إصدار النقد تعد واحدة من اهم الوظائف للسلطات النقدية وتتم بناء علي دراسة وتحليل اتجاهات النمو الاقتصادي ومعدل التضخم وغيرهما من العناصر المهمة، ويجب ان يقابلها رصيد من الذهب والعملات الأجنبية والصكوك الأجنبية واي أوراق مالية تضمنها الحكومة فيما يسمي غطاء العملة. كما ان أي عملة ترغب في أداء دور على الصعيد العالمي ينبغي لها ان تؤدي ثلاث وظائف أساسية وسيطة للمعاملات ووحدة للحساب ومخزن للقيم وهو ما يتطلب توافر مجموعة من العوامل التي تتيح لها تأدية هذه الوظائف بصورة معقولة واهمها مدي الثقة في الاستقرار الاقتصادي والسياسي للبلد المصدر لها، وهي أمور غير متحققة في العملات الافتراضية. وبالتالي تم تجاوز نظام التداول النقدي التقليدي بعملة غير ملموسة بعيدة عن أعين السلطات الرسمية ودون تغطية من الذهب أو عملات أجنبية تدعمها وإعادة الناس إلى عالم بلا قيود. وبالتالى فإنها، كعملة ونظام ستؤدى إلى استخدام التعامل المباشر بين الأفراد دون أى وسطاء من أى نوع،بمعنى أن الإنتاج والنقود يكونان خارج سلطة الدولة التقليدية، وباستخدام تقنيات تشفير عالية الحماية والحفظ المستقل، كما أن توثيق العمليات بين المحافظ يتم إلكترونياً بعيدا عن أي مراكز رسمية تابعة لجهات حكومية.لذلك ستكسب مزيداً من الزخم.خاصة ان هذه العملات ستساعد الافراد على الحصول على احتياجاتهم المالية دون التعقيدات البيروقراطية البنكية لانها تسمح بإجراء المعاملات دون غرف مقاصة او بنوك مركزية وبالتالى فهى جزء من التطور الطبيعى الذى يعيشه العالم وهو مادفع كريستين لاجارد المدير التنفيذى السابق لصندوق النقد للقول انه ليس من الحكمة ان نستبعدها من المعاملات. لذلك توسعت الأسواق فى التعامل عليها وواصلت تحقيق أرقام قياسية الواحد تلو الآخر، وتضاعفت قيمتها بحو 20 مرة منذ نشأتهاوحتى منتصف عام 2021، وقفزت القيمة السوقية لها الى مستوى قياسى بلغ تريليونى دولار فى ابريل 2021.مع العلم بان عدد هذه العملات فى تزايد مستمر حيث ارتفع عددها من 4986 عملة فى نهاية عام 2019 الى 12878 عملة فى منتصف اكتوبر 2021.منها 46 عملة فقط لديها قيمة سوقية تتجاوز المليار دولار. وقد سعى البعض الى جذب مراكز التمويل الاسلامية والمنتشرة فى البلدان الخليجية وجنوب شرق آسيا للاستثمار فى هذه العملات عن طريق اقناعهم بانها أداة لاتتعارض مع الشريعة الاسلامية لانها من منتجات الهندسة المالية وموضع مضاربة شرعية، وانها لاتختلف كثيرا عن الذهب الذى كان من اوائل اشكال النقود فى المجتمعات الاسلامية. وهو ما أثار جدلا واسعا بين العلماء حيث أفتى البعض بتحريمها مثل دار الافتاء المصرية، بينما تحفظ البعض عليها لحين متابعة مستجداتها ودراستها بعمق ويرون ان الافضل هو المنع وليس التحريم لحين الانتهاء من وضع الاطر والضوابط الشرعية والاقتصادية حال تم اعتمادها. وقد اختلفت الآراء بشدة حول هذه العملات وآثارها على الاقتصاد العالمي اذ تري «لاجارد» ان المشكلات التي تعانيها حاليا تتعلق بتحديات تكنولوجية يمكن التغلب عليها مستقبلا، ومن ثم تلافي الآثار السلبية، وتري انه ليس من الحكمة استبعادها لأنها ستصبح في يوم من الأيام أسهل في التعامل، واكثر أمنا من العملات الورقية. وعلى الجانب الآخر يشكك كثيرون باستدامتها ويرون انها محفوفة بالمخاطر ومفتقرة للاستقرار نظرا لأنها لا تحظى بثقة وقبول الناس، ولأنها تفتقد للأطر القانونية والتنظيمية.وان ما يحدث بالأسواق حاليا ما هو الا فقاعة مضاربة ستنفجر قريبًا. وهو ما دفع المفكر الاقتصادى روبرت شيلر والحائز على نوبل للقول بانها ستنهار دون رجعة، وان مصيرها الى زوال وستصبح قى طى النسيان. وتشكل هذه العملات عدة تحديات أساسية امام النظم النقدية الحالية والبنوك المركزية، لأنها تتسم بدرجة عالية من التقلب والمخاطر، كما انها تؤثر على تحركات أسعار الصرف مما قد يؤدى الى حروب عملات وعرقلة اي جهود لادارة الأزمات فهذه العملات توفر طرقا بديلة للحصول على العملات الدولية والتحايل على ضوابط حركات رؤوس الاموال، الامر الذى يقوض سلطات البنوك المركزية فى ادارة اسعار الصرف وفقا للطرق التقليدية.فضلا عن العديد من التخوفات بشأن إمكانية استغلالها للقيام بعمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب،اوكوسيلة لتسوية أعمال إجرامية أو للتلاعب والقرصنة. وهكذا يبرز العديد من المخاطر الجديدة التي تهدد الاستقرار المالي والنقدي الدوليين مع زيادة عدم اليقين في المؤسسات الاقتصادية والأجهزة المصرفية والقواعد التنظيمية بشكل عام، وكلها أمور تقوض الاستقرار المالي العالمي.

عبد الفتاح الجبالي on Email
عبد الفتاح الجبالي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب