تنمية ومجتمع

في مواجهة الموجة الرابعة: التطعيم كلمة السر

الأوبئة هي الكلمة الأصعب في المعادلات الصحية عالميا. من الطاعون القبرصي والموت الأسود وحتى كورونا لم يتغير المشهد كثيرا، يقف العالم أجمع حابسا أنفاسه في انتظار نهاية الجائحة، التي قد تؤدي إلى تغييرات جذرية في نمط الحياة، وتمثل تهديدا جوهريا لمحاولات البقاء، وعلى الرغم من أن الأوبئة تمثل تحديا وجوديا للعالم الآن كما كانت في الماضي، يثار تساؤل هام، وهو:  هل علينا أن نعاني مثلما عانى أجدادنا من قبل ونمر بكل الخطوات الصعبة التي قد تمتد الي الأجيال القادمة؟ الحقيقة هي إن الكثير من المشاهدات تؤكد أن العالم قد تعلم من المحن السابقة، ولكن يتعين علينا الوقوف أمام بعض الإشارات…

هبة عصام

الأوبئة هي الكلمة الأصعب في المعادلات الصحية عالميا. من الطاعون القبرصي والموت الأسود وحتى كورونا لم يتغير المشهد كثيرا، يقف العالم أجمع حابسا أنفاسه في انتظار نهاية الجائحة، التي قد تؤدي إلى تغييرات جذرية في نمط الحياة، وتمثل تهديدا جوهريا لمحاولات البقاء، وعلى الرغم من أن الأوبئة تمثل تحديا وجوديا للعالم الآن كما كانت في الماضي، يثار تساؤل هام، وهو:  هل علينا أن نعاني مثلما عانى أجدادنا من قبل ونمر بكل الخطوات الصعبة التي قد تمتد الي الأجيال القادمة؟ الحقيقة هي إن الكثير من المشاهدات تؤكد أن العالم قد تعلم من المحن السابقة، ولكن يتعين علينا الوقوف أمام بعض الإشارات المقلقة التي قد تتسبب في استمرار هذا الارتباك العالمي لمدد أطول. ففي الوقت الذي يتزايد القلق عالميا يوما بعد يوم من احتمالية مواجهة شرسة مع فيروس كورونا ومع اعلان أكثر من دولة في العالم مؤخرا عن دخولها في الموجة الرابعة يصبح هذا القلق مشروعا إلى حد ما.

من المعروف أن فيروس كورونا من الفيروسات كثيرة الطفرات ويرجح العلماء أن تلك الطفرات تحدث نتيجة بعض التعديلات في بروتين (سبايك) الرئيسي، وهو البروتين الذي يقع على سطح الفيروس ويعطيه الشكل التاجي المميز له، فهذا البروتين هو المسؤول عن التصاق الفيروس بالخلية وتسهيل عملية الإصابة بالمرض، وفيما يلي جدول يوضح الطفرات الأشهر لفيروس كورونا:

هل نحن أمام تحد مختلف الان؟

يأتي مصدر التهديد الرئيسي الآن من متحور دلتا والذي اكتشف في الهند ووصفه العلماء بانه الأكثر شراسة وتكمن خطورته في قدرته على الانتشار بصورة أسرع، وهو المتحور الأكثر انتشارا في العالم الان، وتزيد معدلات العدوي بهذا الفيروس بنسبه ٥٠ ٪ او أكثر عن معدل العدوي بسلالة الفا السائدة، بالإضافة الي زيادة معدلات العدوي بين الأطفال.

يري العلماء انه من الخطير الان الاطمئنان الي محاولات السيطرة على الفيروس وتحويراته حيث ان الفيروسات عامة لا تكون في حالة مثالية عند الانتقال الي البشر أول مرة، ولكنها تستمر في تطوير أدائها حتى تتمكن من الاستمرار، وخير دليل ان سلالة الفا اقل انتشارا وشراسة بكثير من سلالة دلتا المستحدثة. حيث افاد العلماء في جامعة امبريال كوليدج ان المعدل R (وهو معدل انتقال العدوي من شخص مصاب الي اشخاص اخزي ليست محصنة من المرض) قد ازداد من ضعفين ونصف الصعف في سلالة الفا الي ثمان اضعاف في سلالة دلتا وهو معدل خطير بلا شك.

بين مناعة القطيع والمناعة المكتسبة

عند بدء انتشار وباء كوفيد 19 اعتمدت بعض الدول على استراتيجية مناعة القطيع، أو بالأحرى مناعة السكان، والتي تعتمد على تحصين السكان غير المباشر ضد الفيروسات عن طريق الإصابة المباشرة بالفيروس. لم تنجح هذه الاستراتيجية أمام فيروس كورونا والذي أدى انتشاره إلى حدوث طفرات زادت من خطورة الفيروس، وهو ما أدى إلى اعتماد الاستراتيجية الثانية المتمثلة في المناعة المكتسبة عن طريق اللقاح، والتي تعتمد على تقوية مناعة الأفراد ضد الفيروس، وقد بينت الدراسات أن المضاعفات الخطيرة للفيروس وتحوراته تم رصدها بين غير المطعمين أكثر ممن تلقي التطعيم، مما يعتبر شهادة عملية على مدي فعالية استراتيجية اللقاح في محاربة هذا العدو الشرس،  وبالتالي وعلى الرغم من ازياد الإصابات عالميا واعلان أكثر من دولة ان الوضع خطير وغير مستقر الا ان الحل الأمثل أصبح في متناول يد الجميع.

بالإضافة إلى إن هناك دلائل كافية تؤكد أن الحمل الفيروسي للأشخاص متلقي لقاحات كورونا المختلفة أقل بكثير من قرنائهم غير المحصنين. وبالرغم من عدم صفرية الاحتمالات، الا أن احتمالات الإصابة، بالإضافة إلى احتمال ظهور الاعراض الخطيرة، تقل بكثير عند تلقي الجرعات الكاملة للقاح، والخبر الأهم هو أنه على الرغم من أن هذه اللقاحات تمنح بالأساس التحصين ضد سلالة الفا الا أن نتائج المناعة الممنوحة من نفس اللقاحات ضد سلالة دلتا تبدو مبشرة عالميا.

التطعيم في مصر

مع الإعلان عن بداية الموجة الرابعة في مصر تظل أعداد ونسب المواطنين الذين تم تلقيحهم بشكل كامل غير مرضية، خاصة وان الهدف المعلن كما أعلنت الوزارة هو تطعيم حوالي 40 بالمئة من المواطنين بنهاية العام. في الوقت نفسه، فقد شهدت الفترة القصيرة الماضية تنشيط كبير في خطط التلقيح، فتم استهداف الفئات الأكثر تعرضا للإصابة، من بين الفئات التي يمكن الوصول لها بسهولة نسبية، بسبب ارتباطها بالقطاعات الرسمية في الدولة. فخطط التلقيح الحالية تستهدف تطعيم جميع طلاب الجامعات، وهيئات التدريس والإدرايين والفئات المعاونة في التعليم العالي والتعليم قبل الجامعي، كما تتجه الحكومة لجعل التطعيم إلزاميا لجميع موظفي الجهاز الإداري للدولة. لقد تمت زيادة مراكز التطعيم الي ٦٥٧ مركزا، ولكن مع تزايد الإقبال على التطعيم، ظهر التكدس وساعات الانتظار الطويل في بعض مراكز التطعيم، وهو ما يستوجب العمل على زيادة مراكز التطعيم، والتدقيق في توزيع المواطنين على مراكز التطعيم، وتوقيتات التطعيم المخصصة للمواطنين. مع التوسع في عمل بروتكولات تعاون بين وزارة الصحة والوزارات التي تتعامل مع عدد كبير من المواطنين، كوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي ووزارة الداخلية، بالإضافة الي بروتكولات تعاون مع مؤسسة حياة كريمة حتى يتم تطعيم المواطنين في القري الأكثر فقرا، ودراسة توفير عربات للتطعيم متنقلة مع امكانية التسجيل الفوري لتلقي اللقاح.

أي كان مستوى التقدم المتحقق في استخدام اللقاح، فإن إجرءات التباعد الاجتماعي تظل شديدة الأهمية في التغلب على الموجة الرابعة، فيما تبدو هناك حالة نكران جماعية تتحد فيها جميع الأطراف، فالأصل الان هو عدم اتخاذ التدابير الاحترازية المختلفة من قبل المواطنين وخاصة في أماكن التكدس الكبيرة والتي يسمح بها، مثل الحفلات وحفلات الزفاف او حتى الأماكن المزدحمة مثل المواصلات والدوائر الحكومية المختلفة، والارتباك والتردد الممتد الي باقي الجهات المنوط بها التأكد من تطبيق الإجراءات الاحترازية، فلا يخفي علي احد حالة التراخي الحالية في تطبيق تلك الاجراءات، بشكل يدعو للقلق، وخاصة مع حلول العام الدراسي الجديد. وقد يتطلب هذا الوضع من الحكومة البدء في اتخاذ خطوات جدية لتنفيذ الإجراءات الاحترازية بطريقة أكثر صرامة والحرص على تكثيف الحملات التي تدعو المواطنين الي ارتداء اغطية الوجه بالإضافة الي تشديد الرقابة وفرض الغرامات مع إمكانية فرض شرط توفر شهادات التطعيم او ما يسمي جوازات التطعيم عند الدخول الي الأماكن المزدحمة كالحفلات والمطاعم وصالات الرياضة.

هبة عصام