وحدة الدراسات الأفريقية

آفاق الانتصار: فرص عودة التيجراي لحكم إثيوبيا

بعد عام من الحرب الداخلية الطاحنة التي قادها رئيس الوزراء الإثيوبي ضد إقليم تيجراي، وبعد سقوط آلاف القتلى، ونزوح 2 مليون من منازلهم، وتعرض البلاد لمجاعة وأكبر كارثة إنسانية؛ تحول مسار الحرب لصالح قوات تحرير تيجراي، حيث يتجه مقاتلو تيجراي وحلفاؤهم باتجاه العاصمة أديس أبابا، بعد طرد القوات الحكومية من تيجراي في يونيو. وبالتوازي مع هذه التطورات غادر الأجانب البلاد بناء على نصيحة السفارات التي حذرت من إمكانية إلغاء الرحلات الجوية من المدينة، كما تقدم المتمردون شرقًا على أمل السيطرة على الطريق الذي يربط العاصمة بميناء جيبوتي المجاورة، مما يمنحهم السيطرة الكاملة على طريق الإمداد الرئيسي. وقد دفعت هذه التطورات…

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

بعد عام من الحرب الداخلية الطاحنة التي قادها رئيس الوزراء الإثيوبي ضد إقليم تيجراي، وبعد سقوط آلاف القتلى، ونزوح 2 مليون من منازلهم، وتعرض البلاد لمجاعة وأكبر كارثة إنسانية؛ تحول مسار الحرب لصالح قوات تحرير تيجراي، حيث يتجه مقاتلو تيجراي وحلفاؤهم باتجاه العاصمة أديس أبابا، بعد طرد القوات الحكومية من تيجراي في يونيو.

وبالتوازي مع هذه التطورات غادر الأجانب البلاد بناء على نصيحة السفارات التي حذرت من إمكانية إلغاء الرحلات الجوية من المدينة، كما تقدم المتمردون شرقًا على أمل السيطرة على الطريق الذي يربط العاصمة بميناء جيبوتي المجاورة، مما يمنحهم السيطرة الكاملة على طريق الإمداد الرئيسي. وقد دفعت هذه التطورات آبي أحمد إلى إعلان حالة الطوارئ، وناشد المواطنين حمل السلاح من أجل عرقلة تقدم مقاتلي تيجراي، كما انتقل آبي أحمد بنفسه إلى منطقة عفر الشرقية، بالقرب من الحدود مع جيبوتي لقيادة المعركة بنفسه، وكلف نائبه ديميكي ميكونين بإدارة شئون البلاد.

أولًا- التطورات الميدانية للصراع:

اتسعت رقعة المعارك العسكرية في جبهات مختلفة بالعديد من المناطق داخل ثلاثة أقاليم: تيجراي، وأمهرة، والعفر. ففي غضون أيام معدودة شنت قوات دفاع تيجراي أكثر من 12 هجومًا، على مدينة ميللي العفرية، لقطع طريق أديس أبابا-جيبوتي الاستراتيجي، ولكن استماتت قوات التحالف المكونة من الجيش الإثيوبي والقوات الخاصة العفرية والجيش الإريتري في الصمود حتى الآن. وفي المقابل، نفذ سلاح الجوي الإثيوبي طلعات جوية متعددة، مما أدى إلى تراجع قوات تيجراي، حيث تحاول الحكومة الإثيوبية القصف المستمر للوصول إلى عمق مدينة ميكيلي واحتلالها مجددًا بهدف عزل قوات دفاع تيجراي المتقدمة نحو العاصمة أديس أبابا. وبالتالي، إذا تمكنت الحكومة الإثيوبية من إلحاق الهزيمة بقوات دفاع تيجراي، والقضاء عليهم، فيمكنهم بسهولة القضاء على باقي القوميات المتحالفة. وتدور المعارك العسكرية في العديد من المدن (دسي، دبري برهانو، أغمران، سيكوتا، لاليبيلا باتي، كومبوشا، جيفرا، جيفتو وكاساقيتا)، ولا تزال المعارك العسكرية مستمرة في مختلف الجبهات في الأقاليم الثلاثة.

ونتيجة لهذه الحرب تأزم الوضع السياسي والاقتصادي والإنساني في إثيوبيا، وأصبحت الأقاليم الثلاثة (تيجراي، أمهرة، العفر) تعاني من نقص كبير في المواد الغذائية، ومهددة بكارثة إنسانية جديدة غير مسبوقة، وهو الأمر الذي جعل خلافات كبيرة وعميقة بين آبي أحمد وقومية الأمهرة التي تُعد حليفه الرئيسي، خاصة بعد سقوط بعض مدن إقليم أمهرة بيد قوات دفاع تيجراي، كمدينتي (دسي – كومبليشا). كما بدأ يظهر في الأفق بوادر خلاف بين آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي حول مبدأ قبوله بالمفاوضات مع قومية تيجراي، وهو الأمر الذي يرفضه الرئيس الإريتري، معتبرًا أن مجرد الجلوس للمفاوضات مع قادة دفاع تيجراي تعني لهم أنهم تفوقوا عليهم. 

وتبرر قومية التيجراي تمددها داخل إقليم أمهرة، بأن إعادة مثلث بادمي إلى إريتريا، وإلغاء الحكم الفيدرالي، وإشعال الحرب؛ هي أجندات خاصة بقومية الأمهرة من أجل إحكام سيطرتهم على إثيوبيا، وإقصاء القوميات الأخرى كرغبة حقيقية من جانب القوميين الأمهرة. وأن حزب الازدهار، هو أداة تعمل على إقامة نظام أمهري تسلطي يقوم على الوحدة القسرية في الدين والثقافة واللغة. فضلًا عن طموحات الأمهرة التوسعية في أراضي الشعوب لصالح النخبة السياسية الجديدة، وهو الأمر الذي يدفع إلى استمرار الحرب الدائرة في شمال إثيوبيا.

ثانيًا- فرص سيطرة التيجراي على السلطة:

بدلًا من مشروع بناء الدولة وتنميتها التي رفعها آبي أحمد فإنه اليوم على جبهة القتال يقود حربًا لإنقاذ البلاد من شبح الانهيار، ويلوح شبح تغيير النظام في ثاني أكبر دولة في إفريقيا من حيث عدد السكان. فقد تغيرت اتجاهات الصراع العسكري بين رئيس الوزراء آبي أحمد وحلفائه ضد قوات دفاع تيجراي وحلفائها. لكن يمكن إبداء عدد من الملاحظات الرئيسية بشأن فرص عودة سيطرة التيجراي على السلطة، وهي:

1. على الرغم من الانتقادات الواسعة، لكن ما تزال الحكومة الإثيوبية بقيادة آبي أحمد تمتلك قدرًا من الدعم الداخلي، في حين أن تجربة التيجراي في السلطة ما تزال قريبة من ذاكرة الإثيوبيين، وربما لا يجدون دعمًا شعبيًا كما سبق ووجدوه في عام 1991 عندما استولوا على السلطة، خصوصًا أن الانقسامات باتت أكثر حدة، وكان أثر مشروع الفيدرالية الإثنية كارثيًا على العديد من القوميات والإثنيات خلال فترة حكم تحالف التيجراي، وهذا يعني أن الصراع قد يمتد ويكون أكثر حدة، لا سيما في الطابع الإثني والعرقي الذي يغلفه ويوظفه القادة بصورة رئيسية في الصراع.

2. إن عسكرة المجتمع الإثيوبي باتت هي الاتجاه السائد، حيث بدأ الصراع يأخذ طابعًا إثنيًا، فقادة الجيش السابقون من التيجراي يحاربون إلى جانب عرقيتهم، في حين أن “القوات الخاصة” من أمهرة وأوروميا وعفر ومناطق أخرى -وليس الجيش الفيدرالي- تحملت الكثير من أعباء القتال ضد مقاتلي تيجراي وأورومو. وبينما يضعف الجيش الإثيوبي بصورة متزايدة فإن المقاتلين المنتمين للإثنيات المختلفة يزدادون قوة، وهذا مؤشر على حالة الانهيار الداخلي والحرب الأهلية التي قد تقود إثيوبيا نحو التفكك، لا سيما في ظل الاتهامات لأطراف خارجية بتغذية الصراع وتأجيجه.

3. لا توجد تحالفات قوية بين الأطراف المتصارعة، فتحالف آبي أحمد هش، وما يجمع الأمهرة والأورومو المنضوين تحت حزب الازدهار الحاكم هو العداء المشترك تجاه تيجراي، والتعاون بين قوات تيجراي وبعض فصائل الأورومو المسلحة قائم على حسابات انتهازية، فالأورومو استُبعدوا عن السلطة السياسية عندما كانت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي في الحكم، وليست هناك ثقة بين الجانبين، وهذا يعني أن صراعات داخل التحالفات نفسها قد تندلع في المستقبل. ولا يختلف القوميون الأمهرة، وقومية تيجراي، عن بعض، فهم وجهان لعملة واحدة. صحيح أن التيجراي أسسوا نظامًا فيدراليًا إثنيًا، لكن أفرغوه من محتواه، وسيطروا على ملامح السياسة في جميع الأقاليم العشرة. أما القوميون الأمهرة فلديهم طموح كبير في إعادة أمجاد الأباطرة، التي تكرست على مصادرة الحقوق والتهميش والتنكيل بالآخر، بالإضافة إلى التوسع في الأراضي الزراعية لباقي القوميات الأخرى.

4. خارجيًا، يبدو أن حكومة آبي أحمد بدأت تفقد الدعم الخارجي، حيث كشفت وسائل إعلام غربية عن اجتماع سري جرى برعاية بعض دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مع قيادات سياسية لقومية التيجراي، بغرض الإطاحة بالحكومة الحالية، ومن ضمن الذين شاركوا في هذا الاجتماع السفير الأمريكي السابق في الصومال دونالد ياماموتو، وبرهان جبركريستوس وزير الخارجية الإثيوبي في الفترة 2010-2012، والسفير بالعديد من الدول مثل الولايات المتحدة والصين وبعض دول الاتحاد الأوروبي. كما ضم الاجتماع سفراء سابقين من الدول الأوروبية بإثيوبيا، وضم الاجتماع أيضًا السيدة أليني جبرمدهن مسئولة الابتكار في المكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في إفريقيا. وأوصى الاجتماع بضرورة إحداث تغيير جذري في بنية السياسة الإثيوبية بعد فشل محاولات المبعوث الإفريقي الرئيس النيجيري أوباسانجو، كما لم تأتِ بأي جديد في الأزمة، ولذلك يجب العمل على الإطاحة بالحكومة الحالية، وتشكيل حكومة انتقالية.

في ظل كل هذه الأوضاع، بات من الصعب التنبؤ بما ستئول إليه الأوضاع، وستكون الأسابيع المقبلة شاهدة على حدود التغيير الذي يمكن أن تشهده الساحة الإثيوبية، لكن الشاهد أن البلاد تعيش حربًا أهلية يتسع نطاقها، وأن مكانة آبي أحمد تتزعزع على وقع الهزائم التي تُمنى بها حكومته، وبسبب انهيار الجيش، وتقسيمه البلاد وتهديد مستقبلها وتماسكها.

وعلى الرغم من تقدم تحالف تيجراي، والدعم الذي يتلقونه؛ فإنهم يواجهون تحديات كبيرة في طريقهم لاستعادة مكانتهم في إثيوبيا، لا سيما في ظل الرؤية المتضاربة بين استعادة تماسك الدولة وبين حق تقرير المصير الذي بات مطلبًا لكافة المكونات الإثيوبية، بمن فيهم التيجراي أنفسهم، خصوصًا في ظل الأزمة والمواجهة التي تعرضوا لها، والأوضاع الإنسانية المتدهورة، والخلافات الداخلية، وانتشار السلاح، والانقسامات الحادة.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية