وحدة الدراسات العربية والإقليمية

حصاد2021: هل من واقع جديد فى الشرق الأوسط؟

شهد العام 2021 تغيرات على المستوى الإقليمي والدولي كانت لها انعكاسات محورية على المشهد داخل منطقة الشرق الأوسط، حيث وجدت دول المنطقة أن عليها التعامل مع واقع ما بعد الانسحاب الأمريكي، وهو ما أدى في النهاية بتلك الدول إلى صياغة أطر جديدة للسياسة من شأنها أن تساعد في ضمان أمن واستقرار المنطقة، بعد فترة من التوترات تقاسم تكلفتها الجميع. وبناءً عليه، تبحث الورقة في طبيعة التغير الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، والمحفزات الدافعة نحو هذا التغير، وموقف القوى الكبرى من هذا المشهد. مؤشرات التحولات الإقليمية تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات هامة، حيث بروز مؤشرات تنذر بوجود واقع إقليمي مختلف، في…

رحاب الزيادي - ماري ماهر - نوران عوضين on Email
رحاب الزيادي - ماري ماهر - نوران عوضين

شهد العام 2021 تغيرات على المستوى الإقليمي والدولي كانت لها انعكاسات محورية على المشهد داخل منطقة الشرق الأوسط، حيث وجدت دول المنطقة أن عليها التعامل مع واقع ما بعد الانسحاب الأمريكي، وهو ما أدى في النهاية بتلك الدول إلى صياغة أطر جديدة للسياسة من شأنها أن تساعد في ضمان أمن واستقرار المنطقة، بعد فترة من التوترات تقاسم تكلفتها الجميع. وبناءً عليه، تبحث الورقة في طبيعة التغير الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، والمحفزات الدافعة نحو هذا التغير، وموقف القوى الكبرى من هذا المشهد.

مؤشرات التحولات الإقليمية

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات هامة، حيث بروز مؤشرات تنذر بوجود واقع إقليمي مختلف، في ظل إدراك من جانب دول المنطقة لضرورة التوجه نحو الحوار والتهدئة، وخفض التصعيد والتوتر بين الدول المتصارعة وتسوية الأزمات في عدد من دول المنطقة، بالإضافة إلى رغبتها في استمرار عمليات الإصلاح الداخلي والذي يجب أن يقترن بالتهدئة في الصراعات القائمة. فيما يلي سوف يتم الإشارة إلى بعض من هذه المؤشرات:

1. الحوار الإقليمي: بدأ التفكير في خفض التوتر وإعادة ترتيب الأوراق وعودة العلاقات العربية- العربية إلى مسارها التعاوني في قمة العلا يناير 2021 حيث التصالح بين قطر وكل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين، وثمة دوافع للأطراف المختلفة في دمج قطر في محيطها العربي السني وخفض تقاربها مع تركيا. كما أن دول الخليج تحاول تخفيف عبء الاشتباك والصراع في ظل قضايا عديدة، بالإضافة إلى معاناة قطر خلال سنوات المقاطعة من ضغوط اقتصادية كبيرة، ولا شك أن عودة العلاقات العربية يرتب تنشيط قطاعات التجارة والاستثمار بين هذه الدول وفتح خطوط الطيران، في ضوء التزام قطر بوقف دعمها لجماعة الإخوان ولبرامجهم التلفزيونية المعادية لمصر ولدول الخليج، وربما تؤدى عودة العلاقات مع قطر إلى قيامها بدور الوساطة في التقارب الإيراني- السعودي، وكذلك الإيراني- التركي بما يمثل سياقا إقليميا أكثر تناغماً وأقل توتراً. 

في السياق ذاته، تتجه الأطراف المتصارعة إلى التهدئة والحوار فيما بينها نظراً لأن تكلفة السلام أقل من تكلفة الصراع، واتضح ذلك في بوادر للحوار المصري- التركي بعد القطيعة بينهما على إثر السياسة الهجومية التي اتبعتها تركيا تجاه مصر واستضافتها لرموز جماعة الإخوان، ورغبة تركيا في التهدئة معلنة في 12 مارس 2021 استئناف اتصالاتها مع مصر بهدف إعادة التمثيل الدبلوماسي إلى طبيعته، وإظهار مساعيها نحو التهدئة من خلال إلزام القنوات المعارضة بميثاق الشرف الإعلامي، وتغيير خطابها الذي يشكل تدخلاً في شؤون الدولة المصرية. ويأتي ذلك في ظل أزمة اقتصادية تعاني منها تركيا أفقدتها 55% من احتياطاتها الدولية وتدهور في قمة الليرة التركية، وتخوف من استبعادها من الترتيبات الإقليمية بشأن غاز شرق المتوسط. على النحو الآخر ترغب مصر في خفض التوتر وخلق مناخ أكثر جذبا لاستثمارات شركات النفط في البحر المتوسط، وهو ما قد يتحقق في حال تهدئة تركيا مع مصر واليونان وقبرص، بالإضافة إلى تجنب قيام مصر بخوض صراع على جبهات متعددة، وأن المصالحة قد تفضي إلى انسحاب القوات التركية من ليبيا.

كذلك تشهد المنطقة إطارا جديدا للتعاون من خلال تدشين منتدى غاز شرق المتوسط في يناير 2019 بين كل من مصر وإيطاليا واليونان وقبرص والأردن وإسرائيل وفلسطين كآلية للتعاون بين الدول للاستفادة من اكتشافات الغاز الطبيعي وتصديره للدول الأوروبية.

واتجاها نحو التطبيع مع إسرائيل في 2020 والذي يؤشر إلى الاستعداد لمرحلة ما بعد تقليص الوجود الأمريكي في المنطقة، حيث بدأت عدة دول عربية بالتطبيع من خلال توقيع الاتفاقيات الابراهيمية وعلى رأسها الإمارات والمغرب والبحرين والسودان. وتم التوصل خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالى بينيت إلى الإمارات في 13 ديسمبر 2021 إلى اتفاقيات تعاونية في مجالات عديدة؛ مثل التجارة والأبحاث والتطوير والأمن السيبرانى والصحة والتربية والتعليم والطيران.

بالإضافة إلى الحوار الإماراتي- التركي حيث زار ولى عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة محمد بن زايد تركيا والتقى بالرئيس رجب طيب أردوغان في 24 نوفمبر 2021، في سبيل تهدئة التوتر مع تركيا وفتح الباب للتعاون معها ودعم الاستثمارات في مجال الكهرباء والطاقة والنقل والمشاريع الزراعية. وأعلنت الإمارات عن تقديم 10 مليون دولار لتركيا، وذلك للمساهمة في إعادة التأهيل لبعض المناطق تحديدا في جنوب غرب تركيا التي تضررت في أغسطس 2021 من حرائق الغابات والفيضانات التي اجتاحت المناطق شمال البلاد. وتعهدت الإمارات بتقديم 5 مليارات دولار لخط المبادلة لتعزيز احتياطيات البنك المركزي التركي.

يأتي أيضاً الحوار الإماراتي –الإيراني حيث قام مستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد بزيارة إيران في 6 ديسمبر 2021 والتقى بالرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، وأمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي على شمخانى. وقام مساعد وزير الخارجية الإيراني على باقري كنى بزيارة دبي في 24 نوفمبر 2021، فهناك مصالح متبادلة في إطار الحوار الإيراني- الخليجي، حيث تجد إيران في الحوار مع الخليج فرصة للتخفيف من الأعباء الاقتصادية التي تواجهها نتيجة العقوبات المفروضة عليها، وكذلك التحديات التي فرضتها جائحة كورونا، فالإمارات الشريك التجاري الأول لإيران، وعلى الرغم من انخفاض حجم التجارة إلى 3,5 مليار دولار في عام 2019، فقد اشتمل ثلثا حجم التجارة على إعادة تصدير المنتجات الإيرانية عن طريق دبي امتثالاً للإعفاءات من العقوبات الصادرة من الولايات المتحدة، كما أن الإمارات وإيران عضوان في رابطة حافة المحيط الهندي التي تشجع على التجارة والتعاون، وشريكتان في التجارة إلى دول أوراسيا وتعملان مع اتحاد أوراسيا الاقتصادي، وهما دولتان رئيسيتان في نجاح مبادرة الحزام والطريق الصينية. إضافة لذلك، تهتم الدولتان بتوسيع التجارة والاستثمارات في أفريقيا من خلال طرق التجارة في المحيط الهندي، وتقدم الموانئ الإماراتية العرض الأقل تكلفة لإيران للوصول إلى الأسواق العالمية، وهكذا فإن إيران تعطي الأولوية للتجارة مع جارتها الخليجية وأفريقيا في خطة السنوات الخمس الاقتصادية الكلية الأخيرة. كما أن علاقات الإمارات الاقتصادية تمكنها من لعب دور محوري في تواصل الخليج مع إيران.

كما تجد دول الخليج في الحوار مع إيران فرصة لتخفيف التوترات في الصراعات البينية في كل من اليمن، العراق، سوريا، ليبيا في ظل تقليص الوجود الأمريكي في المنطقة والاتجاه نحو منطقة الاندوباسيفك، كما أن الصراع الإقليمي المستمر معها منذ عقود والعقوبات المفروضة الاقتصادية على إيران لم تثبت فاعليتها في إضعاف يد إيران أو إجبارها على تغيير سلوكها في المنطقة، لذا قد يكون الحوار والتهدئة هو الحل الأفضل.

ومن ثم يأتي الحوار الإيراني- السعودي والذي بدأ بوساطة عراقية منذ أبريل 2021، واستمرت جولات الحوار إلى سبتمبر 2021 حيث عقدت 4 لقاءات بحضور عادل الجبير وزير الخارجية الأسبق وعلى شمخانى أمين مجلس الأمن القومي الإيراني. وربما ما دفع الطرفين إلى التفاوض هو التكلفة المادية التي استنزفت الميزانية العسكرية للسعودية في حرب اليمن، وكذلك العناء الذي تكبد إيران جراء دعم حلفائها في شمال اليمن، والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها والضغوط التي فرضتها جائحة كورونا، بالإضافة إلى المتغيرات الإقليمية الجديدة من حيث تسارع وتيرة التطبيع مع إسرائيل، واتجاه مختلف الأطراف المتضادة إلى التهدئة. لكن تظل هناك قيوداً على التطبيع الشامل للعلاقات الإيرانية السعودية، في ظل المطالب التي تبديها إيران من حيث توقيع اتفاق بين الحكومة والحوثيين لتقاسم السلطة وإجراء تسوية سياسية تحت رعاية الدولتين، وهل بالفعل سترحل إيران وميليشياتها من سوريا واليمن ولبنان والعراق.

مثل مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة المنعقد في 28 أغسطس 2021 أيضاً نموذجا للحوار الإقليمي وبادرة لاعتماد الحوار كوسيلة بين الأطراف المتصارعة، حث شهد حضورا كل هذه الأطراف وعلى رأسها تركيا ومصر وإيران والسعودية والكويت وقطر، وانعقدت في سياقه من محادثات إيرانية- سعودية وكذلك مصرية –تركية وكذلك بين الإمارات وقطر وتركيا. وكان من أهم مخرجاته دعم الإمارات والسعودية اقتصاديا للعراق، وكذلك دعم مصر للعراق والتأكيد على أهمية استقراره والحفاظ على دولته الوطنية.

وأخر هذه المؤشرات هو التوجه العربي من قبل الجزائر ومصر والعراق ولبنان وتونس نحو الاعتراف بشرعية النظام السوري وعودة سوريا إلى الجامعة العربية، واحتمالية حضورها القمة العربية في الجزائر في مارس 2022، رغبة في الحد من النفوذ الإيراني في سوريا، وخفض الأضرار التي تعرضت لها كل من الأردن ولبنان جراء الحرب في سوريا، وعودة اللاجئين السورين، وإعادة إعمار سوريا، لكن مازالت هناك عوائق تقف في طريق إعادة سوريا، نتيجة فرض العقوبات الأمريكية على النظام السوري وعلى الدول التي تتعاون معها.

2.التعاون العربي– العربي: تتجه الدول العربية نحو التعاون والتكامل فيما بينها، ويعد خط الغاز العربي خير نموذجا على ذلك، يبلغ طول هذا الخط 1200 كيلو متر، وينقل أكثر من 10 مليار متر مكعب غاز سنوياً، من خلال أربعة أقسام الأول؛ يمتد من العريش المصرية إلى العقبة الأردنية بطول 265 كيلومترا، والثاني؛ من العقبة إلى الرحاب الأردنية الواقعة على بعد 30 كيلو مترا من الحدود الأردنية السورية، والثالث؛ من الرحاب إلى مدينة جابر السورية، والرابع؛ يقطع مدن حمص وحلب السوريتين وطرابلس اللبنانية، ومن المتوقع ربطه بخط أنابيب نابكو التركي .

وفى هذا السياق؛ تم التوصل إلى اتفاق بين لبنان ومصر في 8 سبتمبر 2020 ويتوقع أن تقوم مصر بتصدير 65 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي إلى لبنان خلال عام 2022، وقد أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في سياق زيارة رئيس الوزراء اللبناني إلى مصر في 9 ديسمبر 2021 على الاهتمام بتلبية كل مطالب لبنان من جانب كل الوزرات المعنية.

في السياق ذاته؛ يعد مشروع المشرق الجديد خطوة نحو تعزيز التعاون العربي ويشمل الدول الثلاث “مصر والأردن والعراق” وتعود فكرته إلى عهد رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، وقد تم استكماله من قبل رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدى وفقا لما تم إطلاقه من “آلية للتعاون الثلاثي” في إطار قمة القاهرة مارس2019، والقمة المنعقدة على هامش اجتماعات الأمم المتحدة بنيويورك سبتمبر 2019، ثم جاء الكاظمي لتطوير الفكرة لترتقي إلى تحالف تكاملي بين الدول الثلاث. ويرتكز المشروع في جوهره على التعاون الاقتصادي في مجالات الطاقة والكهرباء حيث يتم في مجال الطاقة مد خط أنبوب نفطي من ميناء البصرة جنوب العراق إلى ميناء العقبة في الأردن ثم إلى مصر، ويقوم العراق باستيراد الكهرباء من مصر والأردن، بالإضافة إلى تطوير المناطق الصناعية المشتركة، والتعاون في مجال المشروعات الصغيرة والمتوسطة ودعم الابتكار وريادة الأعمال والتعاون في قطاعات الصحة والبنية التحتية بالإضافة إلى زيادة التبادل التجاري.

كما أن هناك توجه نحو تعزيز التنسيق بين مصر والدول الخليجية حيث تم التأكيد خلال اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي بحضور سامح شكري في 13 ديسمبر 2021 على أهمية التشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية وترجمة العلاقات الاستراتيجية الوثيقة بين الطرفين في إطار مؤسسي وإيجاد حلول سياسية للأزمات والصراعات القائمة بما يدعم الأمن والاستقرار في المنطقة.

وكذلك التنسيق بين دول الخليج وبعضها البعض وهو ما جسدته القمة الخليجية الأخيرة في 14 ديسمبر 2021 حيث عبر الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي نايف الحجرف في البيان الختامي على “اتفاق قادة المجلس على أهمية تضافر الجهود لتنسيق وتكامل السياسات الخارجية للدول الأعضاء، للوصول إلى سياسة خارجية موحدة تخدم تطلعات وطموحات شعوب دول الخليج وتحفظ مصالحها.

وخلال لقاء وزير الخارجية المصري سامح شكري بنظيره السعودي فيصل بن فرحان في 16 ديسمبر2021 في القاهرة، تم الاتفاق خلال الاجتماع على التنسيق بشأن الملفات الإقليمية ومنها الملف النووي الإيراني ودور إيران المزعزع للاستقرار عبر دعم المليشيات المسلحة داخل عدد من الدول العربية، وتسوية الأزمة اليمنية من خلال التوصل لحل سياسي، وضرورة عقد الانتخابات الليبية وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية، وكذلك مساندة السعودية لمصر في ملف أمنها المائي.

مآلات التهدئة: بالرغم من المؤشرات السابق ذكرها من حيث التحولات الإقليمية والرغبة في خفض التصعيد، لكن مازالت هناك توترات داخل الإقليم، لعل من أبرزها التوتر القائم بين إيران وإسرائيل والذي يأخذ أشكال عدة ما بين استهداف إسرائيلي للوجود الإيراني في سوريا أو استهداف أحدهما لناقلات نفطية تابعة للطرف الآخر، وكذلك الدور الذي تلعبه المليشيات الإيرانية المزعزع للاستقرار الإقليمي مثل جماعة الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان وسوريا والحشد الشعبي في العراق ومن ثم تمثل هذه المليشيات عنصر لعدم الاستقرار في المنطقة مالم يتم التوصل إلى اتفاق بشأنها. 

وترتبط مآلات التهدئة بالمنطقة بمدى القدرة على تفكيك العقبات التي تواجهها، وفى مقدمتها الدور الإيراني المزعزع للاستقرار، وتخلى إيران عن أذرعها في سوريا والعراق واليمن ولبنان، فاستمرار دور هذه المليشيات سواء حزب الله في لبنان، وجماعة الحوثين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق يمثل مؤشراً على أن آفاق التغيير في الإقليم لن تتحقق بشكل جذري. إضافة إلى أن التزام تركيا وتخليها عن دعم جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإرهابية في سوريا سيكون محددا كذلك في مستقبل التهدئة في الإقليم. ويوضح ما إذا كانت تركيا تناور لتحقيق بعض مصالحها، في ضوء المتغيرات الإقليمية، وقد تعود مرة أخرى إلى سلوكها العدائي مع دول المنطقة، أم أنها تلتزم حقا بالتهدئة وتتخلى عن سلوكها السابق، وكذلك يرتبط مستقبل التهدئة في المنطقة بشكل عام بمدى الحفاظ على المصالح الإسرائيلية، وما يتم التوصل إليه في المباحثات النووية الإيرانية، وكذلك مستقبل التوتر التركي- الإيراني نتيجة احتلال تركيا لشمال شرق سوريا ودعمها لأذربيجان في صراع ناجورنو كاراباخ، وتدريبتها العسكرية مع باكستان وأذربيجان بالقرب من الحدود الإيرانية في 12 سبتمبر، وتدخلها العسكري في شمال العراق، ومن ثم كلها عوامل تؤشر لاستمرار الصراع في المنطقة لاسيما في سوريا والعراق مالم يتم التهدئة بين إيران وتركيا وإسرائيل.

وأخيرا؛ فإن فشل الحوار الإقليمي أو نجاحه نسبياً لن ينعكس على كل الأطراف، فربما ينجح الحوار فيما بين تركيا ومصر والإمارات والسعودية، لكن ليس بالضرورة أن ينجح الحوار الإيراني- الخليجي، لأنه مرتبط بالبيئة الداخلية الإيرانية، وصراع إيران مع الولايات المتحدة ومع الدول الأوروبية.

محفزات عديدة

تشهد المنطقة اتجاهًا جديدًا عنوانه خفض التصعيد وتبريد حدة الصراعات وتبني نهج تصالحي وفق أسس براجماتية نابعة من حقائق إقليمية ودولية فرضت نفسها على المستويين الداخلي والخارجي ودفعت الفواعل الإقليميون إلى تعظيم منافعهم ومكاسبهم من خلال الشراكات والتحالفات القائمة على المصالح والتهديدات المشتركة عوضًا عن الصراعات والمشاحنات ذات الطابع الأيديولوجي، يُمكن استعراضها على النحو التالي: 

1- تقليص البصمة الأمريكية في المنطقة: كان لصعود الديمقراطيين خلال الانتخابات الأمريكية الأخيرة ودخول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض بداية 2021، لحظة مفصلية حملت إشارات مبكرة لحقيقة التحولات الحتمية في خريطة الشرق الأوسط سرعان ما التقطها القادة الإقليميون، وأكدتها مجريات الأحداث التي سارت بوتيرة متسارعة مُظهرة الاختلاف الكلي لأولويات إدارة بايدن تجاه المنطقة مقارنة بسلفه دونالد ترامب الذي بزرت تجلياته في مشاهدة عدة: أولها؛ الكشف عن نهج استراتيجي جديد يتضمن تقليص التزاماتها تجاه الشرق الأوسط استنادًا إلى ضرورة إنهاء “الحروب الأزلية” وتقليل الوجود العسكري بمناطق هيمنتها العسكرية لتقليص تكاليف حماية الأمن العالمي وإعادة تخصيص مواردها لتحديث بنيتها الأساسية للحفاظ على بقائها كقوة عظمي، مع إعادة توجيه قدراتها باتجاه منطقة الإندوباسيفيك لاحتواء تنامي المخاطر الصينية الروسية ذات الأولوية الآنية. ولعل مشهد السقوط السريع لأفغانستان في قبضة حركة طالبان عقب الانسحاب الأمريكي العشوائي والمتعجل قبل إقرار تسوية سياسية ما، وقرارات إعادة التموضع الاستراتيجي في المنطقة كإعادة تعريف مهمة القوات الأمريكية بالعراق لتقوم بأدوار استشارية تدريبية وليس قتالية وسحب بطاريات الدفاع الجوي من السعودية كاشفًا لتراجع الانخراط الأمريكي المباشر في المنطقة.

ثانيها، اتخاذ خطوات دون الاكتراث لمصالح ومخاوف حلفائها الإقليميين أهمها استئناف المحادثات الدبلوماسية غير المباشرة لأحياء الاتفاق النووي الإيراني وهو نهج يُشكل امتدادًا للسياسة الخارجية لإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما الساعي لتحقيق توازن القوى في المنطقة بين الدول الخليجية وإيران، وأدراك دول المنطقة لحقيقة أن إدارة بادين لن تُبادر بأي رد عسكري أمريكي لصالحها في مواجهة التهديدات الإقليمية كان الأولى أن تُبادر به إدارة ترامب المتشددة ضد إيران عندما وقعت هجمات بطائرات دون طيار على منشآت معالجة النفط السعودية في بقيق وخريص خلال سبتمبر 2019 ولم تفعل. وهو ما بعث برسالة مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بالشرق الأوسط ودفع الأطراف الإقليمية إلى إدراك ضرورة عدم الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية وتولي زمام المبادرة لتهدئة الأجواء مع خصومها التقليديين وخلق مناخات تصالحية يُمكن من خلالها إدارة الملفات الخلافية بما يجنبها الصدام المباشر وفق قاعدة الحلول الإقليمية للمشكلات الإقليمية.

2- ارتفاع تكلفة الصراعات: خلقت السياسات التدخلية العنيفة خصومات ومنافسات باهظة التكاليف عصفت بالمنظومة الأمنية العربية، وأدت لزعزعة استقرار النظام الإقليمي، وتنامي مظاهر التفكك والتوتر وتأجيج الحروب الأهلية في سوريا وليبيا واليمن، وإعاقة فرص التنمية والإصلاح، واستنزاف القدرات الاقتصادية والعسكرية للدول العربية؛ إذ تراجع تأثير القوى العربية التقليدية، وانتهزت إيران الاستقطاب العربي وعدم صياغة موقف موحد لتوسيع هيمنتها الإقليمية على حساب المصالح العربية، فيما أدت عسكرة السياسة الخارجية لتركيا لتزايد عزلتها الإقليمية وتوتير علاقاتها مع حلفائها التقليديين في الولايات المتحدة وأوروبا واستبعادها من التحالفات الإقليمية الناشئة  التي ترسخ وقائع جديدة على الأرض كمنظمة غاز شرق المتوسط، وانهكها تعدد ساحات الصراع من ليبيا إلى شرق المتوسط إلى سوريا والعراق وأذربيجان والصومال وغيرهم، علاوة على التأثيرات الداخلية السلبية المتعلقة بإضعاف شعبية الحزب الحاكم. الأمر الذي اضطر القوى الفاعلة في الشرق الأوسط لاتخاذ خطوات متسارعة نحو تبريد الأجواء الإقليمية وتجنب السياسات العدوانية وترحيل مسببات الخلاف الجيوستراتيجية على أساس قاعدة تقبل التباينات المصلحية بشأن بعض القضايا وتجاوزها للتركيز على المصالح والمخاوف المشتركة لبناء مناخات تصالحية تحقق التنمية الاقتصادية بديلًا من التنافس والصراع.

3- فشل السياسات التدخلية أيديولوجية الطابع في تحقيق أهدافها: وضع التقارب بين بعض الدول العربية والقوى الإقليمية الثلاث؛ إيران وتركيا وإسرائيل، الخلافات الأيديولوجية التي هيمنت على التفاعلات الحادثة على جميع المسارح الإقليمية طوال العقد الماضي جانيًا، بعدما أثبتت فشلها في تحقيق طموحات محركيها الاستراتيجية؛ فعلى سبيل المثال، فشل الرهان التركي على تيارات الإسلام السياسي في تغيير الأنظمة القائمة بمعظم الدول العربية كمصر وسوريا والسعودية، بينما أظهرت الأحزاب الإسلامية عجزًا عن إدارة العملية السياسية وتلقت أنظمتهم هزائم متتالية قاصمة بداية بسقوط جماعة الإخوان في مصر عام 2013، ونظام الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير عام 2019، مرورًا بإطاحة الرئيس التونسي قيس سعيد بالبرلمان الذي سيطر عليه حزب النهضة بعد احتجاجات عارمة مناهضة لأداء الحكومة، انتهاءً بتلقي حزب العدالة والتنمية المغربي هزيمة انتخابية ساحقة أفقدته السلطة للمرة الأولى منذ 2011 بعد حصوله على 13 مقعدًا نزولًا من 125 مقعدًا، الأمر الذي دفع أنقرة في نهاية المطاف لإيقاف البرامج التلفزيونية المهاجمة لمصر كمظهر من مظاهر إبداء حسن النية لحلحلة العلاقات مع القاهرة.

4- تغير موازين القوى: اقترنت عملية إعادة الانتشار الأمريكي بالشرق الأوسط باستئناف العمل الدبلوماسي لإنقاذ الاتفاق النووي مما أثار مخاوف لكونه سيمهد الطريق لإعادة إدماج إيران في المجتمع الدولي ويكسبها مكانة سياسية أكبر ويطلق لها أصول الأصول الاقتصادية المحتجزة دون معالجة سياستها العدوانية في مناطق الصراعات الإقليمية. ومن ناحية أخرى، شعرت أنقرة وطهران بأن الترتيبات الإقليمية الجديدة التي انخرطت فيها دولًا عربية وبالأخص اتفاقيات تطبيع العلاقات بين إسرائيل وأربع دول عربية (الإمارات – البحرين – المغرب – السودان) تقوض مكانتها بشكل غير مباشر في الإقليم نظرًا للضعف الذي اعترى علاقاتها مع البلدان الموقعة واعتبار إسرائيل والإمارات والسعودية تركيا تهديد يمكن مقارنته بإيران.

5- ترحيل الخلافات السياسية لصالح بناء شراكات اقتصادية: كانت المصالح الاقتصادية المحفز الأكبر للتحولات الإقليمية لا سيمَّا أن تأثيرات جائحة كورونا طالت اقتصاديات دول المنطقة كافة في وقت تعاني تركيا – على سبيل المثال – من أزمة اقتصادية ضاغطة تعدد مظاهرها بين انخفاض قيمة العملة “الليرة” وارتفاع معدلات التضخم والبطالة والفقر وانكماش العديد من القطاعات بما فاقم الأزمة السياسية الداخلية بشكل يهدد المصير السياسي للنخبة الحاكمة. ومن ناحية أخرى، تهتم السعودية والإمارات بتنويع اقتصادهما بعيدًا عن النفط والعمل كمراكز جذب للاستثمارات الأجنبية، وقد كانت تركيا على أجندة الاستثمار الخليجية منذ عام 2002 لكن الأزمات الأخيرة بين تركيا والسعودية والإمارات جعلت قطر لاعبًا أكثر أهمية في الاقتصاد التركي، فعلى سبيل المثال، تسبب النزاع الإقليمي بين أبو ظبي وأنقرة في انخفاض معدل التجارة بينهما من 9.2 مليار دولار عام 2017 إلى 2.1 مليار دولار عام 2018. وبدورها، ترزح إيران تحت وطأة أزمة اقتصادية حادة على خلفية العقوبات الأمريكية التي فرضها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب منذ عام 2018. وعليه، أدرك القادة الإقليميون ضرورة فصل العلاقات الاقتصادية عن التوترات الجيوسياسية لا سيمَّا أن النجاح الاقتصادي يقوم على بناء تكتلات اقتصادية كبيرة تضمن تبادلًا تجاريًا واسعًا.

6- دعم الإصلاحات الداخلية: انخرطت دول عربية وخليجية في عمليات إصلاحية اجتماعية واقتصادية شاملة ذات وتيرة متسارعة تعلقت أساسًا بتحرير بعض نواحي الحياة الاجتماعية والابتعاد خطوات كبيرة عن التشدد الديني وأدلجة الحياة العامة لخلق مجتمعات أكثر حداثة وليبرالية، أما على الصعيد الاقتصادي فشملت إطلاق برامج إصلاحية تستهدف خلق بيئات قادرة على جذب الاستثمارات الأجنبية والأعمال التجارية، بما يتطلب صياغة واقع إقليمي مواتي قائم على أسس المصالح المشتركة وبعيدًا كل البُعد عن الاستقطاب الطائفي، وهو ما حفز الرغبات العربية للعمل مع القوى الإقليمية على تسكين وتصفية الملفات العالقة وإعطاء دفعة للإصلاحات لتؤتي ثمارها. 

استجابة القوى الكبرى لمشهد الشرق الأوسط الراهن

كما تم التوضيح سلفًا، فما تشهده المنطقة من تحولات إنما هو أمر نابع في جزء رئيسي منه عن تغيُّر الاستراتيجية الأمريكية وتحولها عن الشرق الأوسط لصالح منطقة المحيط الهندي الهادئ، الأمر الذي نتج عنه بحث دول المنطقة لأطر جديدة تتناسب مع اهتماماتها ومصالحها السياسية والاقتصادية، وهو ما أدى بالقوى الكبرى إلى الانتباه إزاء ضرورة الانخراط –كل بطريقته- داخل تلك التحولات.

1- ثبات الحضور الروسي: يتمحور الحضور الروسي في منطقة الشرق الأوسط عبر مسارين رئيسيين أولهما تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول المنطقة، بالإضافة إلى تأكيد موقعها كفاعل رئيسي لا غنى عنه في الأزمة السورية. وتعد تلك الأزمة بوابة روسيا للعودة مجددًا نحو التأثير في أزمات المنطقة. ليس هذا فحسب، تمكنت روسيا عبر انخراطها المتزايد في سوريا من ضمان الوصول إلى منفذ على البحر المتوسط، كما منحتها الأزمة الفرصة لمساومة الولايات المتحدة. كذلك، فقد استطاعت روسيا توطيد علاقتها مع فواعل إقليميين آخرين كتركيا وإسرائيل وإيران، فضلًا عن تنامي علاقاتها الثنائية مؤخرًا مع دول الخليج العربي، لاسيما الإمارات في ظل تحركات الأخيرة نحو إعادة سوريا إلى الحاضنة العربية. وأخيرًا، سمح هذا الحضور لدور روسي في ملفات إقليمية أخرى وتحديدًا في الأزمة الليبية. 

بجانب الملف السوري، يقع ملف الطاقة ضمن أولويات المشاركة الروسية بمنطقة الشرق الأوسط، حيث تولي روسيا اهتمامًا كبيرًا لهذا الملف ولتطورات الأوضاع في سوق الطاقة العالمي، وذلك نظرًا لما يحمله أي تقلب في سوق الطاقة من تأثير مباشر على الاقتصاد الروسي. وفي هذا الصدد، تسعى روسيا عبر حضورها بالمنطقة من ضمان استقرار أسواق الطاقة بما يتفق مع سياستها وأهدافها الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الاستراتيجية الروسية في منطقة الشرق الأوسط خلال عام 2021 لم تختلف كثيرًا عن استراتيجيتها المتبعة خلال الأعوام السابقة، حيث استمرت في تأكيد حضورها وسيطرتها على زمام الأزمة السورية، بجانب الاستثمار في علاقاتها الثنائية مع جميع دول المنطقة، حتى أولئك المختلفين معها -لاسيما فيما يتعلق بالموقف من القضية السورية- كتركيا وإسرائيل. فعلى سبيل المثال، خلال زيارته إلى روسيا في أكتوبر 2021، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي “نفتالي بينيت” عن توصله إلى تفاهمات مع الرئيس الروسي بشأن عودة تنسيقهما البيني حول الاستهداف الإسرائيلي لمواقع إيرانية في سوريا، وذلك نتيجة التفهم الروسي لاحتياجات إسرائيل الأمنية.

2- تنامي الحضور الصيني: لتلبية متطلبات ريادتها العالمية، تستهدف الصين من حضورها بالمنطقة تحقيق جملة من الأهداف، أولًا: تأمين الاحتياجات الصينية من الطاقة، حيث تغطي منطقة الشرق الأوسط نحو 40% من الواردات الصينية من النفط والغاز الطبيعي. ثانيًا، خدمة طريق الحرير البحري عبر إقامة شراكات مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لبناء شبكة استراتيجية من الموانئ والمجمعات الصناعية التي تتيح للصين الوصول إلى الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر وأيضًا البحر المتوسط. ثالثًا، تمثل منطقة الشرق الأوسط سوقًا واعدًا للمنتجات الصينية وذلك بالنظر إلى النمو المتسارع في عدد سكان المنطقة. يمكن القول إن الصين خلال مراحل تطور مشاركتها بالمنطقة قد آثرت اتباع سياسة مغايرة للسياسة الأمريكية تقوم على المشاركة والكسب المشترك، واحترام السيادة وفصل السياسة عن الاقتصاد.

تدرك الصين أن استمرار الحضور العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط يضمن لها استقرار حساباتها الاقتصادية والأمنية الخادمة لمشاريعها وأهدافها التنموية، لكن مع تأكيد الإدارة الأمريكية الجديدة على الانسحاب من الشرق الأوسط لصالح إعادة التموضع في منطقة الهندي – الهادئ، يبدو أن الصين خلال العام 2021 قد اتجهت نحو تنمية حضور فاعل داخل منطقة الشرق الأوسط بهدف إعادة الولايات المتحدة مجددًا إلى الشرق الأوسط، ومن ثم جذبها بعيدًا عن مسرح النفوذ الصيني.

في أواخر مارس 2021، توصلت الصين وإيران إلى اتفاقية شراكة استراتيجية لمدة 25 عامًا تنص على أن الصين سوف تستثمر قرابة 400 مليار دولار في صناعات النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية، كما يمنح الاتفاق أولوية لصالح الصين في المزايدات في أي مشروع جديد داخل إيران مرتبط بهذه الصناعات. 

وبحسب تقارير صحفية، فقد منح الاتفاق أدوارٍ جديدة محتملة للصين داخل منطقة الشرق الأوسط. فالاتفاق ليس اقتصادي فقط، وإنما تشير تقارير إلى وجود بند سري بالاتفاق مفاده إمكانية نشر الصين 5 آلاف من قواتها الأمنية على الأرض في إيران. لم يتوقف توطد العلاقات الصينية الإيرانية عند هذا الحد، بل امتد إلى قبول منظمة شنغهاي للتعاون، التي تتولى الصين –بجانب روسيا- قيادتها، في سبتمبر 2021 عضوية إيران الكاملة بالمنظمة.

يمكن الإشارة إلى تحرك صيني لافت آخر خلال عام 2021، في يوليو 2021، قام وزير الخارجية الصيني بزيارة سوريا، ولتكون زيارته هي أول زيارة لمسؤول صيني رفيع المستوى إلى سوريا منذ بداية الصراع. وفي نوفمبر 2021، حدث الاتصال الهاتفي الأول بين الرئيس الصيني ونظيره السوري. وما بين التحرك إزاء إيران أو إزاء سوريا، يبدو أن الصين خلال عام 2021 قد قررت رفع مستوى تحدي الولايات المتحدة في مجال نفوذ الأخيرة التقليدي عبر إرساء شراكات وعلاقات تعاونية مع أنظمة سياسية على غير الهوى الأمريكي.

ولكن في الوقت نفسه، والتزامًا منها بمبدأ إقامة علاقات صداقة مع الجميع، لم تكن زيارة وزير الخارجية الصيني إلى إيران هي الزيارة الوحيدة لوانغ يي بالمنطقة، تضمنت جولته زيارة إلى المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان والبحرين، وذلك للتأكيد على رغبة الصين في تطوير شراكتها القائمة معهم، وأن الاتفاق مع إيران لا يتعارض مع مسار هذه الشراكة.

3-بريطانيا وفرنسا والبحث عن دور داخل المنطقة: ففي إطار السعي نحو تأكيد وضعها العالمي الجديد بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، عمدت بريطانيا إلى المشاركة في أزمات الشرق الأوسط لاسيما بعد إعلان الانسحاب الأمريكي من المنطقة، وذلك بغرض حماية مصالح المملكة بشكل أفضل، فضلًا عن الاستفادة من الفرص الاستثمارية الضخمة بالمنطقة، وإثبات قدرة بريطانيا على العمل المشترك مع الحلفاء والشركاء، لاسيما الولايات المتحدة، الأمر الذي يتبادر معه التفكير في مدى إمكانية أن تحل المملكة المتحدة محل الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة. في 24 نوفمبر 2021، أشارت صحيفة التليجراف البريطانية إلى اتجاه وزير الدفاع البريطاني “بين والاس” نحو الإعلان عن نقل الجيش البريطاني أكبر قاعدة تدريبية له في كندا إلى الدقم بشرق سلطنة عمان، ومن المتوقع ان تكون القاعدة الجديدة أكبر ميدان تدريبي للدبابات.

على الصعيد المقابل، تمارس فرنسا دورًا أكثر نشاطًا داخل المنطقة، تنوع ما بين تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية مع دول المنطقة، علاوة على الانخراط السياسي والدبلوماسي المؤثر في بعض أزمات المنطقة مثل الأزمة الليبية واللبنانية، بجانب الملف النووي الإيراني، فضلًا عن المشاركة العسكرية في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” داخل سوريا. كما تسعى فرنسا إلى تقديم نفسها كوسيط في ملفات الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال كان الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” هو الرئيس الغربي الوحيد الذي حضر قمة “دول جوار العراق”، فضلاً عن إنه حاول تهدئة التوتر بين المملكة العربية السعودية ولبنان. فخلال زيارته إلى السعودية في الرابع من ديسمبر، تم إجراء اتصال هاتفي مشترك ضم كلاً من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، والذي في إطاره تم الاتفاق على العمل المشترك لدعم الإصلاحات الشاملة الضرورية في لبنان، بجانب التأكيد على حرص المملكة وفرنسا على أمن لبنان واستقراره.

4- إعادة انتشار أمريكي بالمنطقة: في ضوء التحولات السياسية للفاعلين بالمنطقة، وسعي القوى الكبرى نحو تعزيز أدوارها لتكون بديل عن الولايات المتحدة، يبدو أن الأخيرة قد آثرت تحديث سياستها في المقابل بما يتلاءم مع هذه التطورات، وليصبح مفهوم “إعادة الانتشار” هو الأنسب في توصيف الحضور الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط.

خلال حديثه في حوار المنامة نوفمبر 2021، أكد وزير الدفاع الأمريكي “لويد أوستن” على التزام الولايات المتحدة بأمن منطقة الشرق الأوسط، وشدد على امتلاك بلاده قوات عسكرية كبيرة في المنطقة، وقد تأتي بالمزيد في حال اقتضت الضرورة ذلك، وأن مهمة الجيش الأميركي في الشرق الأوسط هي دعم الدبلوماسية وردع الاعتداءات والدفاع عن مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

تدرك الولايات المتحدة ما سينتج عن انسحابها من الشرق الأوسط من احتمال تغير أولويات وشراكات حلفاءها بالمنطقة، الأمر الذي ينعكس بالسلب على مصالحها الأمريكية بالمنطقة. فالولايات المتحدة وفقًا لمنظورها مازالت في حاجة إلى الاستمرار في الشرق الأوسط بغرض مواجهة التهديدات الأمنية الصادرة عن خصوم الولايات المتحدة بالمنطقة سواء من الدول أو من الفاعلين من غير الدول، وضمان تأمين مسارات الملاحة البحرية بالمنطقة، وكذا الحيلولة دون حدوث اضطرابات لأسعار النفط. وأخيرًا، الاستمرار في توطيد علاقاتها مع الحلفاء بالمنطقة لمنع كلًا من الصين وروسيا من تعزيز علاقاتهما مع أي من دول المنطقة بشكل يتعارض أو يهدد المصالح الأمريكية بالمنطقة.

وبناءً عليه، فمن المتوقع أن تستمر الولايات المتحدة في مواجهة نفس أولوياتها التي شكلت منذ فترة طويلة نهجها تجاه تلك المنطقة، وذلك في ظل استمرار المصالح والتهديدات، لكنها ستميل إلى إعادة تقييم مشاركتها بسبب المخاطر والتكاليف التي تسببها المشاركة الأمريكية.

يبرز في سياق إعادة التقييم إطلاق الأسطول الخامس الأمريكي ل “القوة 59″ في أوائل سبتمبر 2021، والتي بمقتضاها سيتم الاعتماد على الطائرات المسيرة، وغيرها من الوسائل التي لا تحتاج إلى عنصر بشري، بهدف تعزيز “الردع” في منطقة عمليات الأسطول الخامس. وبحسب مارك كيميت مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، ستمنح مبادرة “قوة المهام الـ 59” القيادة المركزية الأمريكية وشركائها القدرة على شن معركة بحرية وقوة ردع مع خطر أقل يهدد سلامة العناصر. وبالتالي، يتضح أن الولايات المتحدة قد تكون قد لجأت إلى أسلوب عمل جديد بمنطقة الشرق الأوسط يستند إلى استمرار الحضور مع تخفيف التهديد والمخاطر التي تتعرض لها القوات الأمريكية بالمنطقة. 

ختاما، من غير المتوقع أن يمثل العام 2022 انحرافًا عن واقع عام 2021 بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، حيث من المتوقع استمرار مسار المصالحات الإقليمية، فضلًا عن اتجاه القوى الكبرى نحو الانخراط المتزايد سياسيًا واقتصاديًا بالمنطقة، علاوة على بحث الولايات المتحدة لأطر عمل جديدة تضمن بها استمرار الحضور بأقل تكلفة سواءً مادية أو لوجستية أو بشرية. 

رحاب الزيادي - ماري ماهر - نوران عوضين on Email
رحاب الزيادي - ماري ماهر - نوران عوضين