وحدة الدراسات الأفريقية

سياق متأزّم: تغيير الحكومة الموريتانية

جاء التعديل الوزاري الموريتاني في الأول من أبريل 2022 على خلفية تقدم رئيس الحكومة الموريتاني “محمد ولد بلال” استقالته في التاسع والعشرين من مارس 2022، نتيجة للانتقادات الشديدة التي أطلقها الرئيس الموريتاني بحق تلك الحكومة وبسبب تعاملها مع القضايا المجتمعية والاقتصادية المختلفة، ليُمثل نقطة حرجة في إدارة الرئيس “ولد الغزواني”، خاصة في ضوء الضغوطات الاقتصادية المتباينة، وللفشل في تحقيق الأهداف والتطلعات التنموية المختلفة التي تجسدت في حملته الانتخابية. ولعل هذا التعديل الوزاري لم يكن الأول من نوعه منذ تولي “ولد الغزواني” السلطة، بل سبقه تعديلان آخران تضمنا تغييرات لعدد من الحقائب الوزارية بما يهدف ويخدم الأجندة الرئاسية، ويأتي هذا التغيير…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

جاء التعديل الوزاري الموريتاني في الأول من أبريل 2022 على خلفية تقدم رئيس الحكومة الموريتاني “محمد ولد بلال” استقالته في التاسع والعشرين من مارس 2022، نتيجة للانتقادات الشديدة التي أطلقها الرئيس الموريتاني بحق تلك الحكومة وبسبب تعاملها مع القضايا المجتمعية والاقتصادية المختلفة، ليُمثل نقطة حرجة في إدارة الرئيس “ولد الغزواني”، خاصة في ضوء الضغوطات الاقتصادية المتباينة، وللفشل في تحقيق الأهداف والتطلعات التنموية المختلفة التي تجسدت في حملته الانتخابية.

ولعل هذا التعديل الوزاري لم يكن الأول من نوعه منذ تولي “ولد الغزواني” السلطة، بل سبقه تعديلان آخران تضمنا تغييرات لعدد من الحقائب الوزارية بما يهدف ويخدم الأجندة الرئاسية، ويأتي هذا التغيير في ظرف استثنائي يمر به العالم، الأمر الذي يتطلب معه رفع فاعلية الأداء الحكومي لمواجهة الأبعاد والانعكاسات الاقتصادية الناجمة عن الأزمة العالمية الروسية-الأوكرانية.

سياق متأزم

تشهد موريتانيا مثلها مثل باقي دول المنطقة حالة من الاضطراب الاقتصادي، وارتفاع أسعار السلع الاستراتيجية داخلها، في ضوء الأزمة الروسية الأوكرانية، وما سبقها من جائحة كورونا التي عصفت بالاقتصاد الوطني الموريتاني. ولعل تلك الأزمات أدت بطبيعة الحال إلى تقلبات جذرية في أسعار الطاقة، وكذلك تأثيرها على الأمن الغذائي للكثير من الدول. ولعل موريتانيا واحدة من بين الدول التي تستورد القمح ضمن احتياجاتها الرئيسية من أوكرانيا، خاصة وأن الاقتصاد الموريتاني لا يزال مختزلًا في صورة الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على تصدير المواد الأولية الخام مما يقلل من القيمة الداخلية المضافة، كما أن الأزمة الروسية الأوكرانية ألقت بظلالها سلبًا على مشروع إنتاج الغاز في موريتانيا من حقل مشترك مع السنغال والذي كان مزمعًا تشغيله مطلع عام 2023، إلا أن التحديات الأمنية والأبعاد المتصلة بالطاقة المرتبطة بالأزمة العالمية الراهنة تؤثر سلبًا على أي أنشطة مستقبلية للطاقة في ضوء الموارد المحدودة لموريتانيا والسنغال لإنتاج الكميات المأمولة من هذا الحقل.

واتصالًا بذلك السياق، نجد أن رهان ولد الغزواني خلال الجزء الثاني من ولايته (المقرر انتهاؤها في يوليو 2024) يسير في مسارين؛ الأول عاجل يتجلى في وضع خطة للتعامل مع قضية تعزيز الأمن الغذائي واحتواء ارتفاع الأسعار. والثاني يتجلى في التعامل قصير الأجل في مسارات دعم البنية التحتية، وتحقيق طفرة تنموية مختلفة في القطاعات المختلفة الكهربائية، وتأمين إمدادات بالمياه، والقطاعات الصحية.

إلى جانب ذلك، فإن البعد الأمني بات عاملًا مؤثرًا بصورة كبيرة في المشهد الموريتاني، خاصة في ظل جغرافيا موريتانيا التي تقع في محيط إقليمي مضطرب أمنيًا، ومما زاد الأمر تعقيدًا هو تفاقم الأوضاع في دولة مالي والسيولة الأمنية التي تُمثل ضغطًا مضاعفًا على الأمن القومي الموريتاني بأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية.

دوافع متعددة

إن التغيير الوزاري الذي أجراه “ولد الغزواني”، مطلع أبريل 2022، الذي شمل خمسة عشر وزيرًا على رأسهم وزير الخارجية “إسماعيل ولد الشيخ أحمد”، وكذلك وزير المالية “محمد الأمين الذهبي” الذي تم تعيينه محافظًا للبنك المركزي الموريتاني، إلى جانب وزير الداخلية؛ يأتي في إطار عدد من الأسباب والأهداف كالتالي:

  • التقدّم المحدود في مسار الإصلاح الاقتصادي: أحد مسببات إجراء تعديل وزاري يعود إلى حالة التعثر التي شابت تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أطلقته الحكومة الموريتانية في سبتمبر 2020، بتمويل نحو 24.2 مليار أوقية، أي ما يعادل نحو 666 مليون دولار، وهو ما يقارب نسبة 8.5% من الناتج الداخلي للدولة، وتعثر الكثير من مشاريع هذا البرنامج، ويُعزَى ذلك إلى حالة الاختلالات البنيوية في الإدارة الموريتانية، وهو الأمر الذي أوضحه الرئيس “ولد الغزواني” في الرابع والعشرين من مارس 2022 على هامش حفل تخرج دفعة طلاب المدرسة الوطنية للإدارة، حيث شن هجومًا كبيرًا على أداء الحكومة، واصفًا الجهاز الإداري بأنه يعاني من الاختلالات الكبيرة التي دفعت المواطنين لافتقاد الثقة في السلطة التنفيذية.
  • تكرار جرائم استهداف الموريتانيين على طول الحدود المالية: أحد عوامل الضغط على الإدارة الموريتانية في الوقت الحالي، يتجلى في تكرار حوادث استهداف المواطنين الموريتانيين داخل دولة مالي أو على طول خط الحدود، وآخرها استهداف 15 موريتانيًا داخل مالي في السابع من مارس 2022، مما دفع الرئيس الموريتاني لعقد اجتماع لولاة الولايات وذلك للتحذير من تكرار تلك الحوادث، وأهمية التركيز على الوعي بخطورة الأوضاع، والاهتمام بالبعد الدبلوماسي للعمل على الحدود، وهو ما دفع ولد الغزواني لتعيين وزير داخلية جديد هو “محمد أحمد ولد محمد الأمين” الذي كان يشغل سابقًا مدير الديوان الرئاسي.  
  • الرغبة في تدوير النخبة والدفع بخبرات جديدة: أحد دوافع التغيير هو العمل على ضخ وجوه جديدة في الجهاز الحكومي من أجل تحقيق ديناميكية أكبر للتعاطي مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية المختلفة في وقت أقل وبجودة أعلى، وتعظيم الاستفادة مما هو متاح من موارد لتحسين الخدمات المختلفة وتوسيع نطاق تقديمها في الداخل الموريتاني، مع معالجة ضعف الخدمات الأساسية خاصة في قطاع مياه الشرب والكهرباء والقطاع الصحي والزراعي. والغرض من تدوير النخبة والضخ بخبرات جديدة هو إعمال قواعد الشفافية ومبادئ الحكم الرشيد وتحسين دوائر التواصل مع المواطنين، وهو ما جاء في تأكيدات الرئيس “ولد الغزواني” خلال اجتماعه بأعضاء الحكومة الجديدة في الثاني من أبريل 2022. كما أن تعيين “محمد سالم ولد مرزوق” في منصب وزير الخارجية يأتي في إطار مساعي الرئيس ولد الغزواني لإعطاء دفعة للعلاقات الموريتانية مع دول إفريقيا جنوب الصحراء والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس”.
  • مواجهة تصعيد المعارضة الحزبية: إن التغيير المستمر الذي تسبقه حالة من التصعيد في الخطاب الرسمي الرئاسي بحق الأوضاع العامة الموريتانية، وإلقاء اللوم في ذلك على فشل الوزارات المختلفة في أداء مهامها؛ هو أحد الأهداف التكتيكية الخاصة بالرئيس “ولد الغزواني” في ضوء انتهاء نصف المدة الرئاسية له، ويسعى للتمهيد لإلقاء الفشل على الحكومات المتعاقبة دون أن يتحمل هو ذاته فشل إدارة الملفات المختلفة بحكم كونه رئيسًا للسلطة التنفيذية، ومن ثم إحداث حالة داعمة ومتعاطفة داخل الرأي العام الموريتاني حول الرئيس “ولد الغزواني”، خاصة وأن الفترة الأخيرة من عام 2021 شهدت تصاعدًا لوتيرة المعارضة للرئيس الغزواني تجلت في قيام كل من (حزب المستقبل – التحالف الشعبي التقدمي – تحالف التعايش المشترك – الحزب الموريتاني للدفاع عن البيئة – حزب الركك – التجمع الوطن للإصلاح والتنمية “تواصل”) والتي أطلقت دعوات في أغسطس 2021 نحو اتخاذ إجراءات عاجلة وفورية للقضايا المجتمعية المختلفة، وكذلك القضاء على أشكال الإقصاء والتهميش في السياسات الحكومية، ورفع سقف المطالب إلى تخيير “ولد الغزواني” بين الحوار أو الاستقالة.

ختامًا؛ إن موريتانيا تشهد وضعًا اقتصاديًا استثنائيًا يمثل ضغطًا على شرعية الرئيس “ولد الغزواني”، ويخدم بصورة كبيرة أجندة الأحزاب المعارضة التي تسعى مجتمعة لتحريك الشارع السياسي، مستغلة وضعية الارتباك التي تسود الإدارة الحالية والتغيرات المستمرة للحكومة، وفشلها في تحقيق توازن اقتصادي، ومعالجة للقضايا والتحديات الاقتصادية والأمنية المختلفة.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at