مقال تحليلي

نحو مزيد من الدعم: دلالات زيارة الرئيس بايدن لقلعة السلاح الأمريكي

للمرة الأولى منذ تولى «جو بايدن» منصبه؛ وربما حتى في فترة توليه منصب نائب الرئيس مع الرئيس الأسبق باراك أوباما، زار الرئيس الأمريكي هذا الأسبوع أحد أهم قلاع التصنيع العسكري الأمريكي في ولاية ألاباما، وهو مركز التصنيع الرئيسي لشركة «لوكهيد مارتن» التي تنتج بعض الأسلحة التي تزود بها واشنطن أوكرانيا في حربها ضد روسيا. الزيارة جرت الثلاثاء ووصفت بـ«غير المسبوقة» وهي هكذا بالفعل، خاصة وهي تحمل في طياتها تقديرًا خاصًا للمؤسسة العسكرية الأمريكية التي تمكنت حتى الآن على الأقل، من إصابة الخطة العسكرية الروسية في أوكرانيا بـ«التعثر» حسب التقديرات الأمريكية. دلالات الزيارة موقع هذا التقدير بالنسبة لـ«لوكهيد مارتن» الذي جعلها…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

للمرة الأولى منذ تولى «جو بايدن» منصبه؛ وربما حتى في فترة توليه منصب نائب الرئيس مع الرئيس الأسبق باراك أوباما، زار الرئيس الأمريكي هذا الأسبوع أحد أهم قلاع التصنيع العسكري الأمريكي في ولاية ألاباما، وهو مركز التصنيع الرئيسي لشركة «لوكهيد مارتن» التي تنتج بعض الأسلحة التي تزود بها واشنطن أوكرانيا في حربها ضد روسيا. الزيارة جرت الثلاثاء ووصفت بـ«غير المسبوقة» وهي هكذا بالفعل، خاصة وهي تحمل في طياتها تقديرًا خاصًا للمؤسسة العسكرية الأمريكية التي تمكنت حتى الآن على الأقل، من إصابة الخطة العسكرية الروسية في أوكرانيا بـ«التعثر» حسب التقديرات الأمريكية.

دلالات الزيارة

موقع هذا التقدير بالنسبة لـ«لوكهيد مارتن» الذي جعلها تحظى بتلك الزيارة الرئاسية، أنها القائمة على مشروع إنتاج الصاروخ «جافلين» Javelin أحد نجوم الحرب الروسية الأوكرانية، فهو الصاروخ المحمول على الكتف زنة ١٥.٩ كجم الذى تمكن من إصابة آلة الحرب الروسية المدرعة من دبابات حديثة وغيرها بصداع كبير، فهذه المنظومة التي كانت كييف تمتلك البعض القليل منها قبل اندلاع المواجهات العسكرية، فرضت تطورات القتال على محاور عدة ازدياد الطلب عليها، وعلى مقذوفاتها على نحو واسع، بعد أن تمكنت الوحدات الأوكرانية من استخدامها بكفاءة أوقعت بواسطتها خسائر كبيرة في أرتال الدبابات التي بدأت شرارة اقتحام الأراضي والمدن الأوكرانية. لعل أشهر نماذج هذا الاستخدام الفعال؛ ما جرى مع «الرتل» الروسي الكبير من المدرعات الذي تقدم في الأسابيع الأولى للحرب تجاه العاصمة «كييف»، وبقي هناك متقدمًا من المحور الشمالي والشمالي الغربي بامتداد لمسافة قدرت بنحو ٣٥ كم، ووصل لتخوم أقل من ١٠ كم بمحيط ضواحي العاصمة الأوكرانية. وإذا به بعد أسابيع من هذا التموضع الذي نقلته وسائل الإعلام الروسية والبيانات الرسمية باعتباره حصارًا للعاصمة بغرض دخولها أو إسقاط النظام السياسي الأوكراني الذي يدير المعركة من داخلها، يعلن عن سحب هذه الأرتال وتوجيهها لإعادة انتشار مغايرة لما بدأت خطتها به. حينئذ خرجت بعض التقارير المبتسرة لم تكشف حقيقة ما جرى على وجه التحديد، لكنها أرجعت أسباب التراجع وإعادة الانتشار إلى تكبد القوات الروسية خسائر فادحة بالخصوص في أعداد «الدبابات»، ومنذ هذا التاريخ من عمر الحرب بدأت تتكشف أهمية صواريخ «جافلين» وتنامى الحديث عنها بصورة واسعة.

نحو مزيد من الدعم

حث الرئيس الأمريكي في كلمته التي ألقاها خلال زيارته مركز التصنيع العسكري الكونجرس للإسراع بالموافقة على تمويل إضافي يتيح لـ«لوكهيد مارتن»، التوسع في إنتاج إضافي لصواريخ «جافلين» وذخائرها يمكنه تلبية احتياجات الجانب الأوكراني، الذى وفق التقارير الميدانية الأمريكية يستهلك منها حوالى «٥٠٠ قذيفة» يوميًا، ولا يتصور وفق ما تم تقديمه من دعم أمريكي سخى لأوكرانيا خلال شهرين من عمر الحرب «٣.٤ مليار» دولار، أن يواجه الرئيس عقبات داخل أروقة الكونجرس المتحمس بحزبيه الديمقراطي والجمهوري؛ لخوض هذا النزال ضد النظام الروسي، وفى حالة توافق مؤكدة تبدو حتى الآن مراوحة ما بين التشدد والأكثر تشددًا. 

ويبقى المشروع الذي تتشارك فيه «لوكهيد مارتن» مع شركة أخرى «رايثيون» Raytheon، هو الأكثر بريقًا في الوقت الراهن وبمثابة الملبي لتطورات الحروب غير المتماثلة، فالجيش الأمريكي مجهز بإحدى النسخ القديمة نسبيًا Javelin JV منذ عام ١٩٩٦، التي اقتصرت على مواجهة فعالة للدروع وبدقة تصويب متميزة. 

اليوم مع الحرب الأوكرانية تعتزم المؤسسة العسكرية الأمريكية ضخ مزيد من الاستثمارات، في أبحاث التطوير حيث تمكنت مؤخرًا من إنتاج نسخة متقدمة لمنظومة جديدة تحمل اسم «Javelin ـ FGM ـ ١٤٨ ـ F model»، أثبتت كفاءة لافتة على مسرح العمليات الأوكراني، فهي تعد تطورًا كبيرًا باعتبار الرأس الحربي متعدد الأغراض ما زال محافظًا على قدرة الفتك ذاتها ضد الدبابات والعربات المدرعة، إضافة إلى ذلك تم تعزيزه بقدرة الفتك المضادة للأفراد وللعربات وناقلات الجنود.

أبحاث التطوير داخل الشركتين انصبت بالطبع على إنتاج اشتقاق جديد، يحظى بخفض للتكلفة ووزن أقل تعطى له ميزات نسبية في الاستخدام، فضلًا عن التحسين المطرد لمعدلات ودقة الإصابة، هذا ما أثبتته الاستخدامات الواسعة للجافلين في أوكرانيا داخل بيئات قتال متنوعة غالبيتها آهلة بالسكان، وهي تمثل معضلة حقيقية لحروب المدن والضواحي، على الأرجح شكلت التحدي الأكبر أمام التقدم والحسم الروسي المفقود. لذلك تمحور الحديث الروسي منذ الأسابيع الأولى حول ما سمى بـ«الممرات الإنسانية الآمنة»، من أجل الإصرار على إخلاء المدن والمناطق التي يدور فيها هذا النوع من القتال المراوغ، واحتل مساحة كبيرة من جولات التفاوض مع كييف التي لم تبد نفس الحماسة من أجل تنفيذها وتشغيلها على الأرض. تبادلت الاتهامات من الجانبين حول استخدام السكان والمدنيين دروعًا بشرية تعيق «الحسم» العسكري، فيما بدا خلالها أن تلك الأسلحة الجديدة مثل «جافلين» وغيرها، تحقق فاعلية على محاور القتال تجعل مستخدميها من المقاتلين الأوكرانيين أحرص على القيام بمناورات تكبد الخصم خسائر مؤثرة. على جانب مقابل يرد الجانب الروسي بحجم نيران أكثر كثافة وقوة تدمير واسعة، من أجل أن يضع الوحدات العسكرية الأوكرانية المستخدمة لهذا النمط القتالي أمام فاتورة خسائر باهظة، يدفعها لإعادة حسابات التمترس بداخل المدن خاصة مع ما يسببه أيضًا من ضرب هائل لمعنوياتها، بالنظر إلى تقييم قدرة وفاعلية الاستمرار في القتال على هذا النحو.

لم يقف الرد الروسي على هذا الأمر عند حد تكبيد الخسائر المباشرة للقوات الأوكرانية التي تواجهها في محاور عدة، بل أصر مرات عدة على التأكيد أن قوافل إمداد السلاح الغربي عامة إلى أوكرانيا، أهداف مشروعة للجيش الروسي بمختلف وحداته. الثابت أن الاستخبارات العسكرية الروسية تخوض صراعًا شرسًا مع نظرائها، من أجل الحصول على معلومات تتعلق بخطوط الإمداد التي تأتى من خارج الحدود الأوكرانية، ربما لم تتمكن طوال الفترة الماضية من تحقيق انتصار يتمثل في قطع كامل لهذه الشرايين المتدفقة، لكنها نجحت في العديد من المرات في توجيه ضربات مؤثرة وعطلت في بعض المناطق وتيرة الوصول وقدرات الإدخال الغربي. أشهر تلك الضربات الناجحة كانت بالقصف الصاروخي الروسي بعيد المدى الذي وقع ١٣ مارس الماضي، لقاعدة «يافوروفسكى» العسكرية الواقعة على بعد ٣٠ كم من أقصى الغرب الأوكراني بالقرب من الحدود البولندية.

لكن الأحدث والأخطر هو ما جرى هذا الأسبوع، وربما يمثل ملاحقة روسية متطورة لخطوط إمداد السلاح عبر الجو، ففي خبر غير اعتيادي، صرحت غرفة عمليات «ناتو» بأن الحلف اضطر لإرسال طائرات مقاتلة على نحو عاجل لملاحقة طائرات تابعة لسلاح الجو الروسي، تقوم بالتحليق وتنفيذ طلعات غامضة في مناطق تماس غير تقليدية مع فضاء دول الحلف. 

هذه الاستجابة الجوية الطارئة للحلف وقعت أكثر من مرة، بعض منها فوق بحر البلطيق وآخر في منطقة البحر الأسود، على خلفية رصد تحليق لطائرات روسية في هذه المناطق دون بث أي إشارات مع أجهزة إرسال أو استقبال، وأيضًا من دون خطة طيران، مما فسرته الاستخبارات الجوية لـ«ناتو» بأنها طلعات مفاجئة وصامتة بغرض اصطياد هدف محدد. طائرات الحلف التي حلقت لمطاردة ومراقبة أي انتهاك جوى روسي، خرجت من بولندا والدنمارك وفرنسا وإسبانيا ورومانيا والمملكة المتحدة، أمام مسارات طيران روسي لم يلحظه الحلف من قبل، وهو ما يشي باستشعار خطر داهم إما وشيك أو يلوح في الأفق، لو جرى تفسير ما قامت به روسيا لاحقًا باعتباره اختبارًا لـ«توقيتات استجابة» ناتو الجوية.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية