وحدة الدراسات العربية والإقليمية

تباين المواقف: خطوات وتحديات بناء تونس الجديدة 

يبدو أن المشهد العام في تونس في تغير منذ المسار الذي اتخذه الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو 2021 من خلال الأمر الرئاسي رقم 117 لسنة 2021، وتتضح ملامح هذا المشهد في السير نحو بناء جمهورية جديدة تختلف عن الوضع في تونس ما قبل 25 يوليو. تتفق بعض الأطراف مع هذا المسار، بينما يرفضه البعض الآخر. لذلك تثار بعض التساؤلات في هذا السياق حول مؤشرات الجمهورية الجديدة في تونس، وموقف القوى الداخلية والسناريوهات المحتملة بشأن وضع الدولة في ظل تباين المواقف واختلاف الرؤى. مؤشرات الجمهورية الجديدة اتخذ الرئيس قيس سعيد خطوات نحو تصحيح مسار الدولة في تونس في 25 يوليو…

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

يبدو أن المشهد العام في تونس في تغير منذ المسار الذي اتخذه الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو 2021 من خلال الأمر الرئاسي رقم 117 لسنة 2021، وتتضح ملامح هذا المشهد في السير نحو بناء جمهورية جديدة تختلف عن الوضع في تونس ما قبل 25 يوليو. تتفق بعض الأطراف مع هذا المسار، بينما يرفضه البعض الآخر. لذلك تثار بعض التساؤلات في هذا السياق حول مؤشرات الجمهورية الجديدة في تونس، وموقف القوى الداخلية والسناريوهات المحتملة بشأن وضع الدولة في ظل تباين المواقف واختلاف الرؤى.

مؤشرات الجمهورية الجديدة

اتخذ الرئيس قيس سعيد خطوات نحو تصحيح مسار الدولة في تونس في 25 يوليو 2021، من خلال الأمر الرئاسي رقم 117 لسنة 2021 والذي تضمن في نصه “ممارسة رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية بمساعدة رئيس الحكومة”، كما يتم إصدار النصوص ذات الصبغة التشريعية، في شكل مراسيم يختمها رئيس الجمهورية ويأذن بنشرها بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، وذلك بعد مداولة مجلس الوزراء”. وهو ما اعتبره البعض تفردًا بالسلطة وترسيخًا للحكم الاستبدادي من قبل قيس سعيد، لكنها في حقيقة الأمر جاءت نتيجة الأزمة السياسية التي كادت أن تقود تونس إلى مسار مظلم، وأن تلقي بكل ما قام به الشعب في ثورة الياسمين 17 ديسمبر 2010. فقد تتفاقم التوترات السياسية بين النظام من ناحية، وحركة النهضة من ناحية أخرى لا سيما منذ تجميد أعمال البرلمان، ثم تصاعدت عقب الإعلان عن قرار حل البرلمان في 30 مارس من خلال الأمر الرئاسي رقم 309 لسنة 2022، ردًا على محاولة انقلابية من قبل رئيس البرلمان المنحل راشد الغنوشي، ودعوته لعقد جلسة افتراضية حضرها 121 نائبًا من أصل 217، وكان يرأسها نائب من حزب قلب تونس، هو طارق الفتيتي في محاولة لإلغاء التدابير الاستثنائية التي اتخذها سعيد. الأمر الذي عدته النهضة والأطراف الموالية لها خرقًا جسيمًا ومخالفًا للمادة 80 من الدستور.

لذلك أثيرت حالة من الجدل في الداخل التونسي حول إدارة الرئيس قيس سعيد للدولة، وأن تونس تدار من خلال المراسيم الرئاسية بدءًا بالتدابير الاستثنائية التي اتخذت في يوليو 2021، ثم مدها مرة أخرى في 24 أغسطس، وتضمنّت هذه التدابير تجميد اختصاصات المجلس النيابي، ورفع الحصانة عن أعضائه، وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي من منصبه، ثم تم تعيين نجلاء بودن لرئاسة الحكومة في سبتمبر 2021. واستكمالًا لهذا المسار أعلنت خارطة طريق في 13 ديسمبر 2021 والتي تضمنت استمرار تعليق المجلس النيابي إلى تاريخ تنظيم انتخابات جديدة، بالإضافة إلى تنظيم استشارات إلكترونية انتهت في مارس 2022، ثم إجراء استفتاء على التعديلات الدستورية في 25 يوليو 2022، وعقد انتخابات تشريعية وفقًا لقانون انتخابي جديد في 17 ديسمبر 2022. فقد خلقت الفترة الماضية حالة من الصراع المستمر بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان، لذا اتخذ الرئيس قيس سعيد التدابير في 25 يوليو، لتصحيح المسار السياسي في تونس، من خلال إزالة المنظومة السابقة التي كرست للتشتت البرلماني، وتنامي الصراعات الحزبية وعدم الاستقرار الحكومي، فضلًا عن الأزمات السياسية والاقتصادية.

حيث لم تفرز انتخابات 2019 أغلبية واضحة، مما جعل تشكيل الحكومة أمرًا غاية في التعقيد، وطغت الحسابات السياسية على مسارات تشكيلها، وكان ذلك واضحًا في الحكومات السابقة (الحبيب الجملي، وإلياس الفخفاخ، وهشام المشيشي)، وفرض هذا الوضع ضرورة تصحيح المسار وإيجاد حلول حول الوضع السياسي المحتقن والوضع الاقتصادي المتردي نتيجة الأزمة المالية وتفشى جائحة كورونا، بالإضافة إلى ارتفاع البطالة إلى 17.8% في 2021، وارتفاع معدل الفقر إلى 3.7% في 2020 وفقًا لتقديرات البنك الدولي. لكن ربما تساهم حزمة المساعدات الثانية التي قدمها الاتحاد الأوروبي إلى تونس بنحو 300 مليون يورو في مايو الماضي في التخفيف من حدة الأزمة، بعد أن تم صرف حزمة أخرى سابقة في يونيو 2021.

واستكمالًا للخطوات التصحيحية للانتقال إلى بناء جمهورية جديدة؛ أعلن الرئيس سعيد عن تعيين العميد صادق بلعيد، وتكليفه بمهمة الرئيس المنسق للهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة، وتقوم اللجنة بتقديم تقريرها إلى الرئيس في 20 يونيو القادم، وجاء هذا القرار بعد التشاور في اجتماع مجلس الوزراء في 19 مايو الماضي وإصدار مرسومين؛ الأول يتعلق بإحداث الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة، ومشروع أمر رئاسي يتعلق بدعوة الناخبين إلى الاستفتاء في 25 يوليو القادم. وخلال اجتماع للرئيس مع رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في 18 مايو، تم التأكيد على تذليل جميع العقبات من أجل استكمال الاستحقاقات وإجرائها في ظروف مواتية. وقد صدر المرسوم الرئاسي رقم 32 لسنة 2022 الخاص بأحكام استثنائية للاستفتاء على الدستور، على أن ينشر مشروع الدستور الجديد بعد الاستفتاء في أجل أقصاه يوم 30 يونيو 2022.

ووفقًا للمرسوم رقم 30 لسنة 2022 الصادر في 19 مايو الماضي تم النص على استحداث الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة، وتتولى الهيئة تقديم اقتراح يتعلق بإعداد مشروع دستور لجمهورية جديدة، ويقدم هذا المشروع لرئيس الجمهورية، وتقوم هذه الهيئة بتقديم مقترحات في المجالين السياسي والقانوني إلى جانب المجالين الاقتصادي والاجتماعي. وتتكون الهيئة من عدة لجان هي:

اللجنة الاستشارية للشئون الاقتصادية والاجتماعية: وتتولى تقديم مقترحات حول تطلعات الشعب التونسي، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الدولة التونسية. وتضم هذه اللجنة: الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والاتحاد العام التونسي للفلاحة والصيد البحري، والاتحاد الوطني للمرأة التونسية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

اللجنة الاستشارية القانونية: وتضم هذه اللجنة عمداء كليات الحقوق والعلوم القانونية والسياسية، وتتولى إعداد مشروع دستور يستجيب لتطلعات الشعب التونسي ويضمن مبادئ العدل والحرية في ظل نظام ديمقراطي حقيقي. 

لجنة الحوار الوطني: وتضم أعضاء اللجنتين الاستشاريتين وتتولى التأليف بين المقترحات التي تتقدم بها كل لجنة بهدف تأسيس جمهورية جديدة.

تتسم ملامح هذه الجمهورية في أن تكون بأغلبية الشعب، قائمة على أسس متينة، لتحقيق وحدة الدولة واستمرارها، وضمان حقوق التونسيين في حياة كريمة، وتعتمد على الاستفتاء حول النظام السياسي والقانون الانتخابي، ومشروع الدستور الجديد الذى تقوم عليه الهيئة الاستشارية، كذلك تقوم هذه الجمهورية على الحوار وشراكة المواطن في عملية البناء، لا سيما مع خروج نتائج الاستشارات الإلكترونية الأخيرة، ومشاركة المواطنين بإيجابية في هذه الاستشارات، وتصويتهم على تغيير النظام السياسي في تونس إلى رئاسي بنسبة 86.4%، وقد تم التأكيد في كلمات الرئيس قيس سعيد على أن تكون إحدى آلياتها الحوار الوطني، بمشاركة المؤسسات الأربعة الاتحاد التونسي للشغل، الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان، والنقابة التونسية للمحامين، واستبعاد من ساهم في تدمير الدولة.

في السياق ذاته، واستكمالًا لخطوات تصحيح المسار ومواجهة الفساد في الدولة، استخدم الرئيس سعيد الصلاحيات المخولة له بموجب الحالة الاستثنائية التي تمر بها الدولة، بما يمكن من خروج الدولة من الأزمات التي تعانى منها، وكان آخر هذه الخطوات إصدار قرار في 1 يونيو 2022، بعزل 57 قاضيًا من مناصبهم من أبرزهم: يوسف بوزاخر رئيس المجلس الأعلى للقضاء المنحل، الطيب راشد الرئيس السابق لمحكمة التعقيب، بشير العكرمي وكيل الجمهورية السابق، بسبب تورطهم في قضايا فساد مالي وإداري، والتواطؤ مع جهات سياسية، وتعطيل تتبع المتورطين في قضايا الإرهاب، وعلى رأسها قضية اغتيال الناشطين محمد البراهمي وشكري بلعيد منذ عام 2013 والتي لم يتم حسمها حتى هذه اللحظة.

كما صدر قرار بمنع رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي و33 آخرين من السفر خارج البلاد. وكذلك أصدر الرئيس مرسوم رقم 22 لسنة 2022 والخاص بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتعيين أعضائها من قبل الرئيس بنحو سبعة أعضاء، في محاولة لإنهاء الوضع الذي كان سائدًا قبل 25 يوليو، من خلال اختيار شخصيات ذات ثقة تشرف على الاستحقاقات القادمة، لأن المؤسسات في السابق كانت قائمة على المصالح المشتركة للطبقة الحاكمة والمحاصصة الحزبية، ومن ثم كان هناك تخوفًا من إعادة هيئة الانتخابات السابقة إنتاج الوضع الذي كان سائدًا قبل 25 يوليو.

ومن المرجح أن يدور النقاش في الحوار الوطني الجاري حول تغيير النظام السياسي، وإدخال بعض التعديلات على القانون الانتخابي، في ضوء مخرجات الاستشارات الإلكترونية التي تمت في شهر مارس، حيث أيد حوالي 86.4% النظام الرئاسي وفضلوا نظام الاقتراع على الأفراد بنسبة 70.7%، ومثًل المواطنين الذين رغبوا في تعديل القانون الانتخابي حوالي 60.8%، ومن رغبوا في تعديل قانون الأحزاب مثلوا نحو 44.4%، وحوالي 38% رغبوا في تعديل الدستور، و26.5% مؤيدون لتعديل قانون الجمعيات.

مواقف متباينة 

تباينت موقف القوى السياسية في تونس من الخطوات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد، واندلعت بعض التظاهرات من قبل عشرات الأشخاص وممثلي المنظمات الحقوقية في العاصمة تونس في 9 أبريل وفى مدينة صفاقس في 17 أبريل على إثر الظروف المعيشية الصعبة، وارتفاع التضخم مطالبين بعودة المسار الدستوري، وأخري في 20 مارس الماضي رافضة لقرار حل البرلمان.

على مستوى النخبة السياسية؛ جاء موقف الاتحاد التونس للشغل مؤيدًا لبعض الخطوات ورافضًا لخطوات أخرى وهو ما عبر عنه بيان الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل في 23 مايو، مؤكدًا وداعمًا للحوار كسبيل للخروج من الأزمة التي تمر بها تونس، معتبرًا المرسوم رقم 30 الخاص بإنشاء الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة، بأنه لم ينبثق عن تشاور أو اتفاق مسبق ولا يستجيب لما تنتظره القوى الوطنية، لكن على النحو الآخر؛ أيد الاتحاد المسار الذي اتخذه الرئيس في 25 يوليو الماضي، ورفض العودة إلى ما قبل 25 يوليو الحقبة التي غلب عليها الفشل، مؤكدا على التصدي لدعاة الفوضى الذين تعدوا على الديمقراطية مستخدمين أجهزة الدولة.

ويبدو من خلال البيانات التي خرج بها الاتحاد والتي عبرت عن موقفه من الحوار الوطني، أنها محاولة لعدم الانحياز لطرف على حساب آخر، وأنه يرفض أي حوار شكلي متأخر متعجل تحدد فيه الأدوار من جانب واحد، أو يقصى القوى المدنية والسياسية الوطنية، واعتبر أن الحوار الذي دعي إليه الرئيس بعد عشرة أشهر لن يخرج الدولة بل سيعمقها، ويرفض المشاركة في الحوار بالصيغة المعلنة في المرسوم رقم 30، وكذلك رفض المشاركة في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية، وذلك وفقًا لبيان الهيئة الإدارية الوطنية في 27 مايو الماضي، الأمر الذى يتطلب ضرورة التنسيق والتشاور بين هذه المنظمة النقابية الأولى في تونس، وبين مؤسسة الرئاسة للوصول إلى صيغة توافقية ورؤية مشتركة، حتى لا تصل الأفق إلى حالة من الانسداد السياسي.

أما على مستوى الأحزاب المعارضة؛ قال الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي، أن مسار 25 يوليو هو مسار تدميري للانتقال الديمقراطي، ويعمل على تأسيسي جماهيرية جديدة على مقاس تصورات رئيس الجمهورية قيس سعيد بعيدا عن كل روح تشاركية، ورفض الحزب المشاركة في الحوار الوطني والاستفتاء، كما أنه يعقد العزم على تعبئة القوى للتصدي لهذا المسار. وتبين هذه المواقف المعارضة خطورة الانجراف إلى مسار تصعيدي وكارثي تعيد الدولة إلى الوراء وتفاقم أزماتها. وجاء موقف جبهة الخلاص الوطني ويرأسها أحمد نجيب الشابي، والتي تضم؛ حزب حركة النهضة، حزب أمل، حزب حراك تونس الإرادة، ائتلاف الكرامة، حزب قلب تونس، حراك مواطنون ضد الانقلاب، اللقاء الوطني للإنقاذ، توانسة من أجل الديمقراطي، اللقاء من أجل تونس، اللقاء الشبابي من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتنسيقية نواب المجلس.

وقد تشكلت هذه الجبهة بعد أيامٍ قليلةٍ من إعلان الرئيس سعيد عن تعديل قانون الهيئة الانتخابية، وتهدف إلى تشكيل حكومة انتقالية للإنقاذ، تتكفل بإدارة مرحلة انتقالية حتى الوصول إلى تنظيم انتخابات لاحقًا، معتبرة أن المرسوم رقم 30 لسنة 2022 هو مرسوم الأمر الواقع والخاص بإنشاء هيئة وطنية استشارية من أجل جمهورية جديدة، كما أيدت بيان عمداء كليات الحقوق والعلوم السياسية، الذي رفض المشاركة في اللجنة القانونية. وساندت الجبهة العريضة التي وقع عليها عشرات الجامعيين، والعمداء السابقين الرافضة لتوظيف الجامعة في خطط السلطة القائمة لتغيير دستور البلاد بطريقة انفرادية.

كما اعترض حزب التكتل، ويرأسه خليل الزاوية على إقامة جمهورية ثالثة دون إشراك الأطراف المختلفة، مما يرسخ لنظام استبدادي، والعودة إلى الحكم الديكتاتوري خلال الفترة من 1959-2010. كذلك اعتبر رئيس حزب التيار الديمقراطي غازي الشواشي، أن الرئيس يجرى تعديلات على قانون الانتخاب والاستفتاء ليضعها على المقاس قائلا في هذا السياق “سنعمل على إسقاط هذا الاستفتاء، رئيس الجمهورية يحتقر كلّ الاحزاب والمنظمات ولن يشركهم في الحوار، ويسعى إلى تركيز الجماهرية الجديدة على غرار معمر القذافي”.

وفيما يتعلق بموقف الحزب الدستوري الحر؛ فإنه جاء رافضًا للمسار الذي يتبعه الرئيس سعيد، والأمر الرئاسي رقم 506 لسنة 2022 والخاص بدعوة الناخبين إلى الاستفتاء في مشروع دستور جديد، وطالبه بالتراجع، مؤكدًا أن الحزب لن يصمت عن الانتهاكات الجسيمة التي يقوم بها الرئيس، وأنه يكرس لمشروع خاص يريد تمريره بالقوة. 

من ناحية أخرى؛ أيدت بعض القوى القرارات التي اتخذها الرئيس سعيد، وعبروا من خلال شعاراتهم عن رفض التظاهرات المضادة رافعين شعار “أنتم تتظاهرون من أجل حزب، ونحن نتظاهر من أجل وطن”، مطالبين بإجراء تحقيقات نتيجة الفساد السياسي في تونس. ودعت حركة الشعب إلى إطلاق حوار وطني للخروج من التدابير الاستثنائية، وبدء مرحلة البناء، على أن يقوم رئيس الجمهورية بالإسراع في الإعلان عن اللجنة القانونية، وبدء الحوار الوطني لتجاوز الضغوط الداخلية والخارجية، وأن تقوم الجمهورية الجديدة على إنهاء مرحلة ما قبل 25 يوليو. أيضًا أيد أغلب أعضاء الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، المشاركة في الحوار الوطني، لكنها أبدت تحفظًا حول ضيق الحيز الزمنى المخصص لعمل اللجان، وعدم وضوح المهام الموكولة لها، وطالبت بالمشاركة في اللجنة القانونية المكلفة بصياغة الدستور، وعدم التدخل في أشغال اللجان، وتوفير الإمكانيات المادية واللوجستية لها، وضرورة طرح الملفات المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمدنية والبيئية لإرساء نظام جمهوري ودولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان.

مسارات محتملة

في ضوء المواقف السابق توضيحها، سوف يتم الإشارة إلى بعض المسارات المحتملة على النحو الآتي:

الأول: اتجاه الدولة إلى مسار عدم الاستقرار أو الانسداد السياسي؛ في ضوء اتساع دائرة الكيانات الحزبية والجبهة المعارضة لسياسات الرئيس قيس سعيد، والتي ستحاول عرقلة المسار الذي ينتهجه من خلال أساليب عديدة سواء تزوير الاستحقاقات، أو تأجيج الشارع وانتهاج العنف كسلوك في المرحلة القادمة، والضغط على النظام من قبل قوى خارجية، أو مقاطعة الاستحقاقات ومحاولة إفشالها، لا سيما في ظل أزمة اقتصادية ومالية ضاغطة، واحتقان مجتمعي من الظروف المعيشية تستطيع القوى المناهضة توظيفه، بالإضافة إلى عدم انحياز بعض المؤسسات النقابية للسياسات المتخذة من قبل النظام.

الثاني: اتجاه الدولة إلى استكمال المسار المتبع منذ يوليو الماضي، والمضي في باقي الخطوات الأخرى من حيث إنجاح الحوار الوطني، والاستفتاء على الدستور في يوليو القادم، ثم المرور إلى الانتخابات التشريعية في ديسمبر القادم، وقد يشجع ذلك المسار امتلاك الرئيس قيس سعيد للسلطات التنفيذية والتشريعية، وتأييد بعض القوى للخطوات التصحيحية، ورفضها للعودة إلى مسار ما قبل 25 يوليو، ومنها الاتحاد العام التونس للشغل -بالرغم من موقفه غير المنحاز لطبيعة الحوار الجاري- إلا أن هناك فرصة لحلحلة الخلافات القائمة مع المنظمة النقابية الأولى في تونس، والتنسيق والتشاور مع الرئاسة للتوصل إلى رؤية توافقية تخدم مصالح الدولة.

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية