وحدة الدراسات العربية والإقليمية

أبعاد ودلالات زيارة مجلس القيادة الرئاسي اليمني لمصر

 تُعتبر زيارة رئيس مجلس القيادة الرئاسي “رشاد العليمي” لمصر (10 يونيو2022) برفقة خمسة من أعضاء المجلس، مدخلًا مهمًا لفهم طبيعة التطورات الراهنة في الأزمة اليمنية والتحديات التي تفرض نفسها على المشهد، خاصة في أعقاب عملية انتقال السلطة (7 أبريل)، وتخلي الرئيس اليمني السابق “عبدربه منصور هادي” عن صلاحياته مقابل إفساح المجال للسلطة الجديدة المخول لها إدارة المرحلة، كأحد مخرجات المشاورات اليمنية التي تمت تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي. وقد تطرق الرئيس “عبد الفتاح السيسي” وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي لعدد من القضايا، من بينها سبل دعم وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، بجانب مناقشة التحولات التي تشهدها الأزمة اليمنية، وبحث جهود إحلال…

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

 تُعتبر زيارة رئيس مجلس القيادة الرئاسي “رشاد العليمي” لمصر (10 يونيو2022) برفقة خمسة من أعضاء المجلس، مدخلًا مهمًا لفهم طبيعة التطورات الراهنة في الأزمة اليمنية والتحديات التي تفرض نفسها على المشهد، خاصة في أعقاب عملية انتقال السلطة (7 أبريل)، وتخلي الرئيس اليمني السابق “عبدربه منصور هادي” عن صلاحياته مقابل إفساح المجال للسلطة الجديدة المخول لها إدارة المرحلة، كأحد مخرجات المشاورات اليمنية التي تمت تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي.

وقد تطرق الرئيس “عبد الفتاح السيسي” وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي لعدد من القضايا، من بينها سبل دعم وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، بجانب مناقشة التحولات التي تشهدها الأزمة اليمنية، وبحث جهود إحلال السلام، ومنع تجدد دورة الصراع.

أبعاد مؤثرة

تتزامن زيارة مجلس القيادة الرئاسي مع عدد من التطورات التي يشهدها العالم وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية، بجانب التحولات التي طرأت على الداخل اليمني، سواء ما يرتبط بالترتيبات السياسية والأجسام الشرعية الوليدة، أو تلك المتعلقة باختبار مدى صلابة الهدنة التي تم تمديدها بداية الشهر الجاري. وفي ضوء تلك التحولات يمكننا الوقوف على أبعاد الزيارة ودلالاتها على النحو التالي: 

  •  موازنة الأدوار المقوضة للاستقرار: تنبع أهمية تلك الزيارة كونها تأتي ضمن سلسلة من الجولات الخارجية للمجلس، والذي عكف على القيام بها منذ توليه مقاليد الأمور في اليمن، حيث انطلقت الجولة الأولى بزيارة كل من الإمارات والسعودية نهاية أبريل الماضي، كما جاءت الجولة الثانية لتشمل الكويت والبحرين ومصر على أن تختتم بزيارة إلى قطر، ويبدو من خلال تلك التحركات أنها تستهدف خلق نوع من الاصطفاف العربي في مواجهة الأدوار المقوضة لاستقرار اليمن، والتي تسببت في إطالة أمد الصراع، مما يؤثر على الأمن العربي والإقليمي بشكل كبير. 

يضاف لذلك، العمل على تشكيل جبهة عربية مؤيدة لتطلعات السلطة اليمينة الجديدة في إنهاء الصراع والانتقال لمربع الاستقرار. من ناحية أخرى، تُشير تلك الجولات لانفتاح القيادة اليمنية الجديدة على محيطها العربي كإحدى الأولويات التي من شأنها حصد مزيد من الدعم لمواجهة مختلف التحديات التي تفرض نفسها على الساحة اليمنية، والتي تحول دون استعادة الدولة.

  •  التأكيد على المصالح الاستراتيجية: وضعت مخرجات الزيارة أمن البحر الأحمر كأولوية لدى كل من مصر واليمن، إذ إن سلامة الملاحة البحرية تضمن للطرفين مصالحهما الاستراتيجية، حيث تستهدف اليمن فرض قدر كبير من الاستقرار، وتعزيز الأمن في باب المندب، كما أن رؤية مصر للبحر الأحمر وتأمين قناة السويس تظل ضمن أولويات الأمن القومي المصري، من هنا يشترك الطرفان في مساعيهما لتحييد التهديدات التي يمكن أن تنال من الأمن البحري بكافة أشكالها، سواء الناجمة عن انتشار الفواعل من غير الدول، أو الجماعات الإرهابية وعناصر الجريمة المنظمة والقرصنة. ولعل مشاركة مصر القوات البحرية المشتركة 153 التي تشكلت في أبريل الماضي تمثل قوة دفع نحو تعزيز الأمن البحري، خاصة أن مهام تلك القوة ونطاق عملها يرتكز على منطقة البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، مما يعني فرض مزيد من القيود على عمليات تهريب الأسلحة التي تصل للحوثيين عبر تلك النوافذ البحرية.

من ناحية أخرى، تطرقت الزيارة لأزمة ناقلة النفط “صافر” كواحدة من أكثر الأزمات المحتملة التي يمكن أن تؤدي إلى كارثة بيئية كبيرة تؤثر على مجمل الدول المطلة على البحر الأحمر، خاصة في ظل التحديات التي تواجه التعاطي مع تلك القضية، وفي مقدمتها: توظيف الحوثيين لأزمة الناقلة في المشهد اليمني، ورفضهم المستمر لوصول الفريق الأممي لتفريغ السفينة والقيام بأعمال الصيانة، علاوة على التحديات المرتبطة بتوفير التمويل اللازم والذي يقدر بنحو 144 مليون دولار، وفي حال استمرار تلك المعادلة يمكن أن يتسرب أكثر من مليون برميل من النفط، وهو ما يمثل خطورة كبيرة يجب التعاطي معها بشكل جاد.

  •  استثمار فاعلية الدور المصري في قضايا الإقليم: نشطت السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الماضية بشكل كبير، بحيث أصبحت رقمًا فاعلًا ومحورًا لتسكين الصراعات الإقليمية، ما بدا واضحًا خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة (مايو 2021)، حيث تمكنت جهود الوساطة والتحركات الدبلوماسية المصرية من وقف إطلاق النار، وفض خطوط الاشتباك بين الطرفين، وهو ما انتهى إلى وقف التصعيد والهجمات الإسرائيلية وعودة الهدوء لقطاع غزة.

من ناحية أخرى، تبرز جهود مصر المكثفة لحلحة الأزمة الليبية من خلال إعلان القاهرة (يونيو 2020)، وما نجم عنه من تراجع توظيف الأداة العسكرية في الصراع، علاوة على مساعيها لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء وتجاوز أزمة الثقة، بهدف استكمال خارطة الطريق ودعم المسار السياسي، ولعل اجتماعات أعضاء لجنة المسار الدستوري الليبي في القاهرة والتي بدأت جولتها الثالثة بعد يومين من وصول “رشاد العليمي” للقاهرة تُشير بصورة واضحة لمحورية الدور المصري وخبرتها في التعاطي مع الصراعات الإقليمية. 

من هنا، تعول السلطة الجديدة على إمكانية قيام مصر بدور مماثل في الأزمة اليمنية، خاصة أن مصر يُنظر إليها وفقًا لتلك التقديرات كونها فاعلًا مقبولًا لدى كافة الأطراف، ويدعم ذلك موقف مصر الثابت والمعلن منذ بداية الأزمة والذي انحاز بشكل صريح للدولة اليمنية ومؤسساتها، وهو ما أكد عليه الرئيس “عبد الفتاح السيسي” خلال لقاء أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، حيث عبر عن حرص مصر على دعم وحدة الدولة اليمنية، واستقلالها وسلامة أراضيها، ودعم مؤسساتها الوطنية الشرعية، بجانب حرص مصر على دعم جهود تعزيز السلام والأمن. ولعل إعادة فتح الأجواء بين صنعاء والقاهرة، واستقبال مصر لأول الرحلات القادمة من اليمن منذ ست سنوات، يأتي ضمن مساعي مصر الحميدة لتخفيف حدة المعاناة الإنسانية، والعمل على دفع عجلة التسوية للأمام.

  •  الاستفادة من خبرة مصر التنموية: ترتبط مصر واليمن بروابط تاريخية وجغرافية، وتعتبر مصر وجهة رئيسية لليمنيين، إذ تستضيف أكثر من مليون مواطن يمني حسبما أفاد “رشاد العليمي”، كما أن نجاح مصر خلال السنوات الماضية في بلورة نموذج تنموي شامل في مختلف المجالات، قد دفع القيادة اليمنية الجديدة للاستفادة من التجربة المصرية، بهدف التعاطي مع التحديات سواء فيما يتعلق بالخدمات أو قطاعات التعليم والصحة، علاوة على الدور المصري المنتظر في عملية إعادة الإعمار في أعقاب تسوية الصراع. وفي هذا الإطار، أكّد المتحدث باسم رئاسة الجمهورية المصرية أن اللقاء “شهد مناقشة سبل تعزيز التعاون بين البلدين، علاوة على استعداد مصر لتعزيز التأهيل والدعم المقدم لإعداد الكوادر اليمنية في مختلف المجالات، فضلًا عن استمرار الدعم المصري للجهود الدولية للتغلب على الأزمة الإنسانية والمعيشية في اليمن، وكذلك تطوير البنية التحتية بها”.

آمال معلقة

تدخل الأزمة اليمنية مرحلة جديدة من التهدئة في ظل تمديد هدنة وقف إطلاق النار، وقد لاقى هذا القرار ترحيبًا من كافة القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في الأزمة اليمنية. وعلى الرغم من دخول الهدنة حيز النفاذ، فإن استمرار عملية وقف إطلاق النار لا تزال محفوفة بالمخاطر، ويظل استقرار الوضع في اليمن معلقًا بمجموعة من الترتيبات والتحولات المستقبلية التي تتحدد ملامحها على النحو التالي:

أولًا- حدود التغيير والثبات في المشهد العسكري: يُنظر للاتفاق على تمديد هدنة وقف إطلاق النار باعتباره ملمحًا إيجابيًا في عمر الأزمة، وذلك لعدد من الاعتبارات؛ أولها: أنه في حال استمرار الهدنة ستكون اليمن أمام واحدة من أطول عمليات وقف إطلاق النار ثباتًا خلال السنوات الماضية. ثانيًا: يمكن أن يؤدي تمديد الهدنة ووقف إطلاق النار لبحث سبل التسوية وحلحلة الأزمة اليمنية، وبالرغم مما تحمله عملية القبول بوقف إطلاق النار من دلالات إيجابية، فإن هناك شكوكًا مثارة حول استمرارها، خاصة في ظل المراوغات الدائمة من قبل الحوثيين وانقلابهم على كافة الترتيبات التي تستهدف تهدئة الأوضاع وإنهاء الصراع في اليمن، الأمر الذي يضع قيودًا على تلك الهدنة، في ظل الخروقات التي تتم في عدد من المحاور، علاوة على تعثر المفاوضات بشأن إقناع الحوثيين برفع الحصار عن تعز كأحد البنود التي اشتملت عليها الهدنة. رغم ذلك يظل تجميد الصراع وعدم الانقلاب التام على الهدنة مظهرًا من المظاهر الإيجابية التي يمكن أن تؤثر في مجمل المعادلة حال بقاء الوضع على ما هو عليه.

ثانيًا- الترتيبات الإقليمية والدولية: تظل الأزمة اليمنية مرهونة بالتفاعلات بين القوى الدولية والإقليمية، إذ إن أصداء التقارب بين السعودية وإيران خلال الجولات السابقة من المباحثات يمكن أن يؤدي إلى انفراجة في الأزمة. ورغم أن تلك المحادثات لا تزال في مرحلة بناء الثقة واختبار النوايا، فإن الحرص على استمرار انعقاد تلك الجولات (5 جولات حتى الآن) يشير لرغبة الطرفين في تسوية الخلافات العالقة بينهما وفي مقدمتها الصراع في اليمن.

من ناحية أخرى، تظل المفاوضات المرتبطة بالملف النووي الإيراني ضمن المحددات الرئيسية التي يمكن أن تنعكس على مسار الأزمة اليمنية، خاصة أن طهران تحرص على توظيف ميليشيا الحوثي كورقة ضغط ومساومة في تلك المباحثات، ويُرجح أن تكون التهدئة الراهنة وعدم التصعيد، يأتي مدفوعًا برغبة إيرانية في الأساس كمحاولة من طهران لتحييد ملف أذرع إيران وأنشطتها في الإقليم من على طاولة المفاوضات.

ثالثًا- صلابة وتماسك الجبهة الداخلية: تظل الترتيبات التي يشهدها الداخل اليمني أحد القيود التي قد تحول دون عودة التصعيد مرة أخرى، وفي حال عودتها ستكون فرص تطويق الحوثيين حاضرة بقوة، خاصة أن الترتيبات السياسية الجديدة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي والإعلان عن تشكيل اللجنة العسكرية والأمنية قد أضفى مزيدًا من الوحدة والصلابة للجبهة الداخلية في اليمن، مما يعني أن الحوثي بات يقف وحيدًا وليس لديه أية حظوظ أو فرص مستقبلية لاستغلال الفراغات السياسية وتوظيف حالة الهشاشة والضعف الذي كانت تعانيه الحكومة الشرعية لأوقات طويلة في الماضي.

وعلى الرغم من ذلك تظل الشكوك حول جدية الحوثيين في تهدئة الصراع قائمة، وقد يكون هذا الهدوء جزءًا من تكتيك تتبعه الميليشيا للخروج من حالة الخناق المفروض عليها، مع العمل على إعادة ترتيب صفوفها لانتهاز الفرصة المناسبة لمواصلة عسكرتها للتفاعلات في الداخل اليمني. 
في الأخير، سلطت زيارة رئيس مجلس القيادة اليمني “رشاد العليمي” لمصر وعدد من الأعضاء والوفد المرافق الضوء على أولويات القيادة الجديدة، ومساعيها لتعزيز التعاون مع الدول المؤثرة في الإقليم وعلى رأسها مصر لتجاوز العثرات السابقة التي حالت دون تحقيق اختراق كبير في الأزمة اليمنية طيلة السنوات الماضية، كما أوضحت حدود التعويل الذي تضعه اليمن على مصر، الأمر الذي يعود لموقف مصر الثابت تاريخيًا في دعم اليمن، كما يتماشى مع موقفها الراهن الذي ينطلق بالأساس من وحدة اليمن والحفاظ على سيادتها ودعم مؤسساتها.

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة