تقدير موقف

استقطاب شيعي: المواقف الحاكمة لتطورات الموقف في العراق

تصاعد التوتر في العراق خلال اليومين الأخيرين بصورة كبيرة، كان من أهم مظاهره إعلان السيد مقتدى الصدر اعتزاله العمل السياسي بكافة أنواعه، واقتصاره على العمل الدعوي فقط، وفي الوقت نفسه قام أنصاره برفض هذا القرار وأدركوا أن وراءه أسبابًا أخرى غير معلنة، فقاموا باقتحام المنطقة الخضراء وقصر الرئاسة، وكانوا قبل ذلك قد حاصروا مبنى المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى، ولكنهم انسحبوا. وفي الوقت نفسه دخلت بعض قوات سرايا السلام الجناح العسكري للتيار الصدري إلى بغداد بدعوى حماية المتظاهرين خوفًا من التحرشات التي تعرضوا لها من جانب عناصر ومجموعات من الحشد الشعبي. قامت مجموعات تابعة لكتائب حزب الله العراقية وعصائب…

د. محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي

تصاعد التوتر في العراق خلال اليومين الأخيرين بصورة كبيرة، كان من أهم مظاهره إعلان السيد مقتدى الصدر اعتزاله العمل السياسي بكافة أنواعه، واقتصاره على العمل الدعوي فقط، وفي الوقت نفسه قام أنصاره برفض هذا القرار وأدركوا أن وراءه أسبابًا أخرى غير معلنة، فقاموا باقتحام المنطقة الخضراء وقصر الرئاسة، وكانوا قبل ذلك قد حاصروا مبنى المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى، ولكنهم انسحبوا. وفي الوقت نفسه دخلت بعض قوات سرايا السلام الجناح العسكري للتيار الصدري إلى بغداد بدعوى حماية المتظاهرين خوفًا من التحرشات التي تعرضوا لها من جانب عناصر ومجموعات من الحشد الشعبي.

قامت مجموعات تابعة لكتائب حزب الله العراقية وعصائب أهل الحق، وهما الفصيلان الأشد تعصبًا وارتباطًا بإيران، فضلًا عن مجموعات من الحشد الشعبي، بإطلاق النيران على قوات سرايا السلام والمعتصمين من التيار الصدري، فقامت سرايا السلام بالرد عليهم، فحدثت اشتباكات بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة في المنطقة الخضراء ومحيطها، مساء يوم الاثنين 29 أغسطس وصباح الثلاثاء 30 أغسطس، مما خلف 33 قتيلًا على الأقل، ومئات الجرحى. كما قام أنصار الصدر في عدد من المحافظات، وخاصة محافظات ميسان والبصرة، بحرق مقرات تابعة لعصائب أهل الحق، وتبادل الطرفان المواجهات العسكرية فيما بينهما. فيما قامت إيران بإغلاق حدودها البرية مع العراق، وأوقفت رحلاتها الجوية إلى البلاد مع تصاعد أعمال العنف.

الموقف الإيراني كان حاكمًا

يلاحظ أن الموقف الإيراني كان عنصرًا أساسيًا في رفع درجة التوتر في العراق خلال الأيام الماضية بصورة ملحوظة، وقد ارتبط ذلك بتعدد زيارات الجنرال إسماعيل قاآني -قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني- إلى بغداد وصلت إلى أربع زيارات خلال الشهر الجاري، التقى خلالها بمعظم القيادات الشيعية في الإطار التنسيقي بالدرجة الأولى، وكذلك زار كردستان والتقى بقيادات الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، في محاولة لتوفيق الأوضاع وصياغة تكتل متماسك من هذه القوى، الإطار التنسيقي للقوى الشيعية أولًا مع الكتلتين السنية والكردية اللتين كانتا متحالفتين مع التيار الصدري، والذهاب إلى البرلمان وانتخاب رئيس جمهورية، ومحاصرة التيار الصدري الذي استقال من البرلمان. حاول إسماعيل قاآني في جولته الأخيرة لقاء مقتدى الصدر أو أي من قيادات التيار الصدري، إلا أن الصدر رفض ذلك تمامًا، حتى لا يبدو أنه متوافق مع الخط الإيراني الداعم بصورة أساسية للإطار التنسيقي.

تحركت إيران في مواجهة الصدر على محورين أساسيين؛ المحور الأول هو إقناع الإطار التنسيقي بعد تمهيد الجو مع الكتلة السنية، حيث التقى بالسيد الحلبوسي بعد أن التقى بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني على أن يتم عقد جلسة للبرلمان يتم خلالها الاتفاق على تسمية رئيس الجمهورية، وأن يقدم الإطار التنسيقي التنازلات التي يحتاجها الحزب الديمقراطي الكردستاني على هذا المستوى، وأن يتفاهم الحزبان الكرديان على تقاسم المناصب بصورة واضحة، وهو ما يبدو أنه كان على وشك الحدوث، وبعد ذلك يتم تعيين رئيس للحكومة، ويتم تشكيل الحكومة طبقًا للصيغة الشيعية الموجودة بأن يكون الإطار التنسيقي هو الأغلبية، ويبقى النظام السياسي العراقي كما هو عليه مرتبطًا بإيران، ويتم إقصاء التيار الصدري تمامًا من العملية السياسية.

المحور الثاني وهو الجديد في هذا الموضوع، إعلان السيد كاظم الحائري، وهو أحد المرجعيات الدينية العليا الموجودة في قم والذي كان يمثل المرجع الأساسي للصدريين، حيث إنه كان تلميذًا للسيد محمد باقر الصدر والسيد محمد الصدر والد مقتدى الصدر، وبعد مقتل الاثنين كان الصدريون يقلدون الحائري باعتبار أنه مرجعهم الأعلى، وهو عراقي الأصل ولكنه يقيم في قم، والتحرك الإيراني كان إصدار بيان نُسب إلى السيد كاظم الحائري يقول فيه إنه قبل أن يعلن اعتزاله المرجعية وهو حدث غير مسبوق فيما يتعلق بمرجعيات المذهب الشيعي يطلب من كل المرتبطين به والصدريين عمومًا أن يقلدوا خامنئي باعتباره المرجع الأعلى، وأن يرتبطوا به ولم يطلب منهم أن يقلدوا مراجع تقليد عليا في العراق في النجف، ووجه انتقادًا حادًا للسيد مقتدى الصدر، مؤكدًا أنه لا يحوز على درجات علمية تؤهله لأن يكون مرجعًا أو أن يقود التيار، وهذا ما لم يسبق لأي مرجع أن مارس العمل السياسي بهذا الشكل.

موقف الحكومة

تفسر بعض الأوضاع موقف السيد مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء بأنه يريد عدم الصدام مع أي من طرفي الصراع، وما زال يراهن على أن تبقى له علاقات واضحة بكليهما، على أمل أن تهدأ الأوضاع وأن يبقى الكاظمي مرشح تسوية لرئاسة حكومة خلال الفترة التي يصعب على الاتفاق على رئيس وزراء يحظى بموافقة الأطراف جميعها خلالها.

ورغم إعلان السيد رئيس الوزراء حظر التجول في بغداد وفرض حصار عسكري وأمني كبير عليها حتى لا تدخل إليها قوات من خارجها؛ إلا أن هذا الأمر لم يتم تنفيذه، ودخلت قوات تابعة للحشد الشعبي وقوات لسرايا السلام تابعة للتيار الصدري ولم يعارضها أحد؛ في دليل واضح على أن سلطة الدولة لا تستطيع الوقوف في وجه هذه التيارات على اختلافها، وأن الحكومة ليست مستعدة للتصادم فيما بينها، وأنها قررت أن تترك الساحة للتيارين الشيعيين للمواجهة بعيدًا عنها حتى لا تتحمل المسئولية.

موقف مقتدى الصدر

أدرك مقتدى الصدر أن إيران قد قطعت الصلة تمامًا به، وأنها تتحرك ليس لمحاصرته أو نصرة التيار المعارض له فقط، ولكن لإقصائه وتفكيك الكتلة الصدرية بصفة عامة، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو المرجعي بحيث لا تقوم لها قائمة بعد ذلك، وبالتالي عندما أعلن اعتزاله العمل السياسي أشار بوضوح إلى أن الصدريين كانوا يقلدون مراجع أخرى بناء على توجيه من القيادات العليا والمرجعيات العليا الصدرية، وأنه شكك في البيان الصادر باسم كاظم الحائري، وقال إنه أُملي عليه ولم يُصدره هو. 

وهناك معلومات متداولة في العراق منذ أكثر من سنتين بأن السيد كاظم الحائري يعاني من مرض الزهايمر، ولا يمارس العمل المرجعي، ولم يلتقِ في مكتبه بأي أحد، ولم يحضر أي فاعلية مذهبية على مدى السنتين، وبالتالي فإن قرار اعتزاله عمل المرجعية هو قرار إيراني حتى لا يذهب الناس إليه لاستيضاح موقفه من التيار الصدري، ويكون قد قال كلمته وحقق لإيران ما تريده. 

ومقتدى الصدر باعتزاله العمل السياسي قد فوت الفرصة على إيران، وترك لأنصاره الموقف السياسي الذي يختارونه، وبالتالي أشعرهم بأنه محاصر، وأنه يتم الضغط عليه على مستويات كبيرة، وهي رسالة فهمت من أنصاره فبادروا بالتحرك العسكري وتحريك الشارع لمواجهة الموقف، ولتأكيد أن الصدر لن يرحل وسيبقى التيار متماسكًا على عكس ما كان يراد به. وحركت إيران قوات من الحشد الشعبي، الذي له موقف معارض شديد من التيار الصدري، حيث يطالب مقتدى الصدر بأن تخضع كل قوى الحشد الشعبي لسيطرة الحكومة، وبالتالي لها مصلحة في المواجهة، وكذلك كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق.

ويعد موقف مقتدى الصدر الذي عبّر عنه في كلمته بالمؤتمر الصحفي تطورًا استراتيجيًا في الأزمة العراقية، حيث أدت دعوته لأنصاره بوقف الثورة والانسحاب من المنطقة الخضراء وتوجيهه الشكر للحشد الشعبي متغيرًا كبيرًا في موقفه. ولا شك أن هذا التطور يكشف عن رغبته في التهدئة مع إيران بصفة خاصة، وقلقه من تهديدات إسماعيل قاآني قائد فيلق القدس له، ومحاولته استيعاب ومحاصرة الموقف الإيراني لتشتيت وإقصاء التيار الصدري. وفي التقدير فإن الصدر يحاول الانحناء للعاصفة مرحليًا، والانتظار للتعامل مع التطورات مستقبلًا، وهو نهج سبق للصدر ممارسته.

الخلاصة

السيناريوهات المطروحة للأزمة العراقية في الوقت الحالي هي إما أن تحاول إيران توفير النصاب القانوني للإطار التنسيقي لعقد جلسة للبرلمان لتسمية رئيس الجمهورية، وهناك عقبة قد أقرتها المحكمة الاتحادية التي تخضع لسيطرة التيار الشيعي الموالي لإيران بأنه يجب أن يحظى بأغلبية الثلثين لتعجيز الكتلة الفائزة وهي التيار الصدري من تنفيذ الاستحقاقات الدستورية، وإذا لم يتحقق هذا الشرط فلن يتم تسمية رئيس الجمهورية ولا اختيار رئيس الوزراء.

ويبقى سيناريو آخر أن يبقى الوضع في العراق على ما هو عليه، وأن يسعى الأطراف جميعًا إلى التهدئة فقط، ووقف أي مواجهات عسكرية فيما بينها، وأن يبدأ النقاش حول هل يصلح النظام الانتخابي كما هو أم يتم تعديل النظام الانتخابي، وهي قضية خلافية، وأن يتم مساومات كبيرة بين الإطار التنسيقي والكتلتين السنية والكردية لتوفير النصاب، وهو ما يعني ضرورة تقديم تنازلات للكرد بصفة أساسية تتعلق بقضية تصدير النفط، وهي قضية شائكة، والحكومة الاتحادية تفعلها كل وقت، وكذلك فيما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها وتنفيذ المادة 140 من الدستور بالمناطق التي يطالب الكرد بتبعيتها للإقليم، وفي هذه الحالة يكون الثمن غاليًا لتحقيق النصاب القانوني، وهو ما يجعل الأمر أيضًا محل شك في التنفيذ.

ومن الواضح أن طرفي الصراع لن يذهبا إلى مواجهة شاملة، وهو ما كشفته الكلمة التي ألقاها السيد مقتدى الصدر في المؤتمر الصحفي، وسوف يتجهان إلى التهدئة، ولكن سوف تستمر حالة الاحتقان بين الطرفين. وقد أثبتت مجريات الأمور خلال الأيام الماضية غياب المجموعات التي ارتبطت باحتجاجات العام الماضي، وكذلك النواب المستقلين الذين فشلوا في صياغة كتلة أو تيار يعبر عنهم، وهو ما يؤكد استمرار هيكل النظام السياسي العراقي الذي جاء بعد الاحتلال الأمريكي بصيغته الحالية.

ومن الواضح أنه رغم انسحاب مقتدى الصدر والتيار الصدري من الحياة السياسية، فإن الاستقطاب الشيعي-الشيعي سوف يستمر. ومن المرجح أن يؤدي موقف الصدر إلى تهدئة وعودة الهيمنة لقوى الإطار التنسيقي والهيمنة الإيرانية بصفة عامة.

د. محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي