عقد المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، يوم الاثنين الماضي الموافق 10أغسطس 2026، ورشة عمل تحت عنوان “الدروس المستفادة من الحروب الراهنة” في إطار خطة الفعاليات البحثية والعلمية للمركز لعام 2026-2027، تم تقديم الورشة في إطار برنامج الأمن والدفاع بالمركز.
شهدت الورشة حضورًا ومشاركة عدد من القيادات والخبراء والمتخصصين في مجالات الأمن والدفاع، الذين أثروا النقاش من واقع خبراتهم ورؤيتهم. وقد ناقشت الورشة ثمان أوراق بحثية قدمها الخبراء العسكريون والفنيون المتخصصون، وجمعت الأوراق في تحليلاتها بين المستوى العام في تحليل الاتجاهات العامة للتغيرات الرئيسية في الحروب، وتحليل أهم العوامل النوعية المكملة للعمل العسكري فيها. ثم انتقلت للمستوى التخصصي لتحليل واستخلاص الدروس المستفادة على مستوى عمل المحاور الرئيسية للعمل العسكري (بريا وجويا وبحريا وتقنيا وغيرها). واتسع النقاش ليشهد حالة من العصف الذهني والثراء المعرفي للعديد من الأسئلة الاستراتيجية في مقدمتها السؤال الأكثر عمقًا: “هل تغيرت الحرب بالفعل، أم أن الذي تغير هو أدواتها ووسائطها وأساليب إدارتها؟”
كشفت الأوراق البحثية والنقاشات أن الحروب التي نعايشها بداية من الحرب الأوكرانية التي بدأت في فبراير 2022، والحرب المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، والحرب بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية 2025 و2026، ليست أحداثاً عسكرية منفصلة، وإنما تمثل مؤشرات على تحولات بنيوية في طبيعة القوة والصراع.
وقد خلصت النقاشات إلى مجموعة من الاستخلاصات والنتائج، ومن أهمها:
أولا: أهم الثوابت والمتغيرات في الحروب الراهنة:
عكست أعمال الورشة ثبات العديد من العناصر في الحروب الراهنة قياسًا على المراحل التي سبقتها (استدعاء العامل التاريخي لتبرير الحرب – خضوع القوة العسكرية للغايات السياسية – محدودية قدرة القوة الجوية على “الحسم” وحتمية القوة البرية – احتفاظ الأنظمة التسليحية القديمة بأهميتها رغم التفوق التكنولوجي…) في مقابل بروز بعض المتغيرات لاسيما المرتبطة بالتطور التقني (تزايد تأثير الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية القيادة – تطور ملموس في أنماط العمليات البحرية – تحول الطائرات المسيرة من “سلاح داعم” إلى “سلاح رئيسي”…)
ثانيا: تكامل مصادر القوة وإعادة تعريف بيئة الحرب:
أظهرت الحروب الراهنة أن نتائج الصراع لم تعد تتحدد بفاعلية القوة العسكرية وحدها، وإنما بقدرة الدولة على إدارة منظومة مترابطة من مصادر القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية والمجتمعية والإعلامية والدبلوماسية. ولا يعني ذلك تراجع أهمية القوة العسكرية، وإنما تزايد اعتماد فاعليتها على قدرتها على التكامل مع الأدوات غير العسكرية.
ثالثا: الجاهزية والاستعداد الشامل كشرطين للفاعلية العسكرية:
أظهرت الحروب الراهنة أن ارتفاع قدرات التدمير التي توفرها المنظومات النيرانية الحديثة، إلى جانب تعدد أدوات تحقيق المفاجأة، بما في ذلك على المستوى الاستراتيجي، قد رفع بصورة كبيرة قيمة الجاهزية والاستعداد المسبق. ولم تعد الجاهزية مقتصرة على الناحية العسكرية، حيث أصبح القطاع المدني أيضا مكون أساسي من هذه الجاهزية. ومن ثم أصبح الاستعداد للحرب عملية وطنية متعددة المستويات، تتجاوز الإعداد العسكري المباشر إلى تهيئة البيئة التي تضمن القدرة على العمل والاستمرار لمدة طويلة تحت ظروف الحرب.
رابعا: التفوق المعلوماتي والزمن كموارد جديدة للقوة العسكرية:
كشفت الخبرة العملياتية الراهنة أن التفوق في المعلومات أصبح أحد أهم مصادر التفوق العسكري، وأن القيمة الحاسمة لا تكمن في جمع المعلومات فحسب، وإنما في القدرة على دمج مصادرها وتحليلها وتحويلها إلى قرار وتنفيذ في وقت أقصر من الخصم. ومن ثم أصبح الزمن، إلى جانب جودة المعلومات ودقة القرار، موردًا من موارد القوة، وأصبحت سرعة دورة المعلومات والقرار والتنفيذ عنصرًا مؤثرًا في تحقيق المفاجأة والإنذار المبكر والميزة العملياتية.
خامسا: التكنولوجيا المتطورة قيمة كبيرة لكنها ليست بديلا عن العنصر البشري:
رغم التحولات الكبيرة التي أحدثتها التكنولوجيا، والأنظمة غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي، والقدرات السيبرانية، ودقة النيران بعيدة المدى، فإن هذه التطورات لم تُلغِ الدور المركزي للقيادة والقرار البشري. كما أظهرت الخبرة أن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة لا يضمن بذاته التفوق العسكري، ولذلك أصبحت سرعة التعلم والتكيف المؤسسي، إلى جانب كفاءة العنصر البشري، من المقومات الأساسية لتحويل التفوق التكنولوجي إلى قدرة قتالية فعلية.
سادسا: الاستدامة والقدرة الصناعية عنصران حاسمان في حروب الاستنزاف:
أظهرت الحروب الراهنة أن التفوق النوعي لا يضمن وحده القدرة على الاستمرار في القتال، ولا سيما عندما يواجه استخدامًا كثيفًا لوسائل منخفضة التكلفة، وما يرتبه من ارتفاع لمعدلات استهلاك الذخائر والموارد وطول أمد العمليات. ومن ثم تزايدت أهمية التوازن بين تكلفة الهجوم والدفاع، وكفاية المخزونات، وتعدد وسائل الاشتباك، والقدرة على تعويض الخسائر، وتأمين سلاسل الإمداد، والحفاظ على قاعدة صناعية وتكنولوجية مرنة.
سابعا: النصر الاستراتيجي لا يتوقف على التفوق العسكري:
أظهرت الحروب الراهنة أن التفوق العسكري والمكاسب الميدانية لا يضمنان بالضرورة تحقيق النتيجة الاستراتيجية، وأن الحكم على مآلات الحرب يتطلب الربط بين الأداء العسكري والأهداف السياسية وقدرة الأطراف على الاستمرار والصمود ومنع الخصم من تحقيق أهدافه. ومن ثم تزداد أهمية دقة وواقعية تحديد الغاية السياسية للحرب باعتبارها أساسًا لتقييم النصر والهزيمة والاستنزاف.
ثامنا: من سمات الحروب المستقبلية:
تشير الاتجاهات المستخلصة إلى أن الحروب المستقبلية ستتسم بمزيد من التكامل بين المجالات العسكرية وغير العسكرية، وزيادة الاعتماد على الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والقدرات السيبرانية والفضائية، وتسارع وتيرة العمليات، مع بقاء القدرة على التكيف والاستمرار ودمج مختلف مصادر القوة محددات رئيسية للتفوق.