عقد المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، يوم الاثنين الموافق 14 سبتمبر 2026، ورشة عمل تحت عنوان: “المشروع الإقليمي الإثيوبي: حسابات الداخل والخارج”، وذلك ضمن خطة الفعاليات البحثية والعلمية للمركز لعام 2026-2027، في إطار برنامج الدراسات الإقليمية بالمركز.

شهدت الورشة حضورًا ومشاركة عدد من الخبراء والمتخصصين في الشؤون الأفريقية والاستراتيجية، الذين أثروا النقاش بخبراتهم ورؤاهم. وناقشت 12 ورقة بحثية تناولت تحولات خريطة الاصطفافات الداخلية في إثيوبيا، ومستقبلها السياسي في ضوء انتخابات 2026 والحوار الوطني، والدور المتصاعد لمجتمعات الشتات واتجاهات الرأي العام، إلى جانب محددات السياسة الخارجية الإثيوبية، وفي مقدمتها النفاذ البحري وقضية مياه النيل والانخراط في صراعات دول الجوار، خاصة السودان والصومال. كما تناولت الأوراق الأدوار الخارجية الداعمة للمشروع الإقليمي الإثيوبي، من خلال بحث علاقاتها بالولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين وإسرائيل والدول العربية وتركيا.

واتسع النقاش ليشهد حالة من العصف الذهني والثراء المعرفي حول عدد من التساؤلات، في مقدمتها: كيف تمكنت إثيوبيا، رغم ما تواجهه من انقسامات وصراعات داخلية حادة، من مواصلة تنفيذ مشروع إقليمي نشط؟ وإلى أي مدى أسهمت علاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية في دعم هذا المشروع؟ وما تداعيات ذلك على دول الجوار والأمن الإقليمي؟
وكشفت الأوراق البحثية والنقاشات أن النشاط الإثيوبي في محيطها الإقليمي يمثل أحد أهم مصادر زعزعة الاستقرار وتصدير تداعيات أزماتها الداخلية إلى دول الجوار، بما يعيق تشكل نظام فاعل للأمن الإقليمي، ويحول قضايا التكامل والاستفادة من الموارد المشتركة إلى مجالات للصراع السياسي. كما أن حالة الانقسام الداخلي والتحديات التي تواجه استقرار النظام السياسي، دفعت اثيوبيا إلى تكثيف تحركاتها في دوائر البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل، وتوظيف المياه والدبلوماسية والطاقة والاقتصاد والأمن لتعزيز نفوذها حيث يأتي السعي إلى النفاذ البحري في مقدمة هذه التحركات، بما يثيره من توترات مرتبطة بسيادة دول الجوار وسلامتها الإقليمية، إلى جانب الدور الإثيوبي السلبي في استدعاء أدوار خارجية – دولية وإقليمية – للانخراط بصورة متزايدة في تفاعلات القرن الأفريقي.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن بلورة أبرز الخلاصات والاستنتاجات التي أفرزتها أعمال هذه الورشة على النحو الآتي:
أولاً: محدودية الإصلاح السياسي واستمرار الاستقطاب الداخلي
رغم محاولات أبي أحمد تقديم وجه إصلاحي لنظام حكمه، فإن هذه المحاولات عادة ما لا تحظى بنجاح كبير؛ إذ كشفت انتخابات 2026 عن مظاهر قصور، تمثلت في العجز عن إجرائها في إقليم تيجراي وعدد من دوائر أمهرا وأوروميا، فضلًا عن المقاطعة الواسعة من جانب قوى سياسية مؤثرة. كما كشف الحوار الوطني عن سيطرة مباشرة من الحكومة الفيدرالية عبر توجيه جدول الأعمال وتقييد المشاركة، وإنهاء أعماله دون الإعلان عن الصيغة النهائية لمخرجاته.

ثانيًا: اتساع نطاق المعارضة وتجاوزها للانقسامات الإثنية
تحولت مجتمعات الشتات الإثيوبية، التي لعبت دورًا في دعم وصول أبي أحمد إلى السلطة عام 2018، إلى أحد أبرز القوى المناوئة له، خاصة المقيمة في الولايات المتحدة، وباتت من أعلى الأصوات في معارضته، على نحو يتجاوز إلى حد كبير الانقسامات الإثنية العميقة داخل المجتمع الإثيوبي، وهو ما أقر به أبي أحمد نفسه في تصريحات صحفية.
ثالثًا: تفاقم الأزمات الداخلية ودفعها نحو مزيد من الاضطراب
يعكس الرأي العام الإثيوبي استقطابًا سياسيًا حادًا قائمًا على الإثنية، بما يجعل الأوضاع السياسية مرشحة لمزيد من الاضطراب، مدفوعة بصراعات مسلحة تتزايد حدتها، خاصة مع توجه الحكومة للتعامل معها أمنيًا وعسكريًا دون التوصل إلى تسويات سياسية. ويتزامن ذلك مع سخط عام من الأوضاع الاقتصادية، نتيجة ارتفاع معدلات الفقر والتضخم والبطالة وسوء الخدمات الأساسية، بما في ذلك الوصول إلى المياه والكهرباء، مع غياب حلول واقعية في المدى المنظور.
رابعًا: توظيف الأزمات الداخلية في دفع المشروع الإقليمي الإثيوبي
على الرغم من الوضع الداخلي شديد الانقسام والتحديات التي تواجه استقرار النظام السياسي واستمراره، لم ينعكس ذلك سلبًا على قدرة إثيوبيا أو رغبتها في تنفيذ مشروعها الإقليمي، بل إن تفاقم التحديات الداخلية يشكل أحد أبرز دوافعها للسعي بصورة أكثر دأبًا لتحقيق أهدافها الإقليمية في دوائر البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل، عبر توظيف أدوات سياسية وأمنية واقتصادية ودبلوماسية متكاملة.

خامسًا: تنويع الشراكات الخارجية لتعزيز القدرة على المناورة
تعتمد إثيوبيا بصورة مكثفة على علاقاتها الخارجية في مواجهة أزماتها الداخلية وتعزيز مصالحها الاستراتيجية، من خلال بناء علاقات وظيفية مع الولايات المتحدة والصين وروسيا، بما وفر لها حدًا أدنى من الدعم الخارجي، وإن حال تعدد هذه الشراكات وتناقضاتها دون التمتع بمزايا تحالف مستقر ومستدام مع أي منها. كما لجأت إلى تعويض ما لم تحصل عليه من الشركاء الدوليين بتكثيف علاقاتها مع القوى الشرق أوسطية، وفي مقدمتها إسرائيل وتركيا وعدد من الدول العربية، مستفيدة من التداخل المتنامي بين الملفات الاستراتيجية للشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
سادسًا: انعكاسات المشروع الإثيوبي على الأمن الإقليمي
يرتبط الدعم الخارجي لإثيوبيا بموقعها المهم في مشروعات واستراتيجيات عدد من القوى الدولية والإقليمية، وهو ما عزز قدرتها على تنفيذ تحركاتها الإقليمية. وفي المقابل، يفرض تقدم المشروع الإثيوبي تهديدات مباشرة على محيطها الإقليمي، في مقدمتها السياسة المائية الإثيوبية وما ترتب عليها من تهديد للأمن المائي للعديد من دول الجوار، فضلًا عن خطورة تحول هذا النموذج إلى سابقة قابلة للتكرار. كما يمثل السعي الإثيوبي للنفاذ البحري، القائم على عدم احترام الحدود الدولية والسلامة الإقليمية لدول الجوار، مصدرًا خطيرًا للتوتر في البحر الأحمر.





























