
عقد المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، يوم الاثنين الموافق 14 سبتمبر 2026، ورشة عمل موسعة تحت عنوان: “المشروع الإقليمي الإثيوبي: حسابات الداخل والخارج”، وذلك ضمن خطة الفعاليات البحثية والعلمية للمركز لعام 2026-2027. بهدف مناقشة وتحليل طبيعة الوضع الداخلي الإثيوبي من الناحيتين السياسية والأمنية، ورصد وتقييم اتجاهات التحرك الإثيوبية في دائرتي حوض النيل والبحر الأحمر، واستشراف تداعيات ذلك على الأمن القومي المصري. بالإضافة إلى الأدوار الخارجية الداعمة للمشروع الإقليمي الإثيوبي.
وقد شارك في الورشة عدد من الخبراء والمتخصصين والباحثين في الشئون الأفريقية، بحضور كلٍ من السفير دكتور/ محمد بدر الدين زايد رئيس الهيئة العامة للاستعلامات الأسبق، مساعد وزير الخارجية الأسبق لدول الجوار، والسفير/حسام عيسى، مساعد وزير الخارجية وسفير مصر بدولة السودان الأسبق، والسفير دكتور/صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية الأسبق، والدكتور/أيمن السيد عبد الوهاب، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، واللواء دكتور/أحمد النحاس، خبير سياسات الأمن القومي والشئون الاستراتيجية، والأستاذ /أحمد أمبابي، رئيس تحرير مجلة وبوابة روزا ليوسف، والأستاذ/مصطفى أحمدي، المستشار الإعلامي الأسبق في السفارة المصرية في إثيوبيا.
وقد انطلقت فلسفة إعداد الورشة من التعامل مع الحالة الإثيوبية باعتبارها نموذجًا يجمع بين الهشاشة والانقسام الداخلي، وبين مشروع إقليمي نشط. ومن ثم، سعت الورشة إلى تفسير هذه المفارقة، وبحث كيفية تمكن إثيوبيا، رغم تحدياتها الداخلية، من الدفع بمشروعها الإقليمي، ومدى إسهام أدوار القوى الخارجية في دعم أهدافها وطموحاتها، وصولًا إلى بحث كيفية التعامل مع هذا المشروع وتداعياته المحتملة على مصالح مصر وأمنها القومي.

وفي ضوء ذلك، ركزت الورشة على التحولات التي شهدتها إثيوبيا خلال السنوات الثماني التي أعقبت تولي أبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018، والتي أظهرت تباينًا واضحًا بين اضطراب الأوضاع الداخلية واتساع التحركات الإقليمية. فعلى المستوى الداخلي، تواجه الدولة تحديات سياسية وأمنية مرتبطة بإدارة التعدد الإثني وإعادة بناء احتكارها للقوة المسلحة في ظل استمرار بؤر الصراع، بينما توظف ثقلها السكاني والجغرافي لتعزيز مكانتها في حوض النيل والبحر الأحمر.
وتُشير هذه المفارقة إلى تزامن الضغوط الداخلية مع اتساع التحرك الخارجي، بما يمكن تفسيره باعتباره محاولة لـ “الهروب إلى الأمام”، عبر اكتساب أصول جديدة للقوة وتوسيع النفوذ الإقليمي بما قد يسهم في تحسين موقع الدولة داخليًا. ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد أبي أحمد لتولي المنصب لخمس سنوات جديدة عقب فوز حزب الازدهار في الانتخابات البرلمانية في مطلع يونيو 2026، بما يطرح تساؤلات حول اتجاهات السياسة الإثيوبية خلال المرحلة المقبلة، ومدى ارتباط تحركاتها الخارجية بالتحديات الداخلية.
وفي هذا السياق، لا تقتصر أهمية دراسة التحرك الإثيوبي على الداخل أو الخارج كلٍ على حدة، وإنما تمتد إلى فهم الترابط بينهما، خاصة مع ارتباط التحرك الإثيوبي بملفات تمس المصالح الحيوية المصرية، وفي مقدمتها الموارد المائية لنهر النيل، وأمن الملاحة في البحر الأحمر، ومستقبل الأوضاع في السودان. ومن ثم، تبرز أهمية تقييم الوضع الداخلي الإثيوبي وارتباطاته الإقليمية، وتقدير ما قد تفرضه من تداعيات على المصالح والأمن القومي المصري.

ومن هذا المنطلق انعقدت هذه الورشة في إطار برنامج الدراسات الإقليمية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، وتوزعت على ثلاث جلسات رئيسية، تناولت الجلسة الأولى “التطورات الداخلية في إثيوبيا”، وتضمنت نقاشات حول تحولات خريطة الصراعات الداخلية في إثيوبيا، والمستقبل السياسي لإثيوبيا على ضوء انتخابات 2026 والحوار الوطني، والدور المتصاعد لمجتمعات الشتات الإثيوبية، وقراءة في توجهات الرأي العام الإثيوبي.
في حين حملت الجلسة الثانية عنوان: “السياسة الخارجية الإثيوبية في المجالين الإقليمي والدولي”، وتضمنت نقاشات حول قضية النفاذ البحري كمحرك للسياسة الخارجية الإثيوبية، والثابت والمتغير في السياسة الخارجية الإثيوبية تجاه قضية مياه النيل، والانخراط الإثيوبي في صراعات دول الجوار بالتركيز على حالتي السودان والصومال.
أما الجلسة الثالثة فجاءت تحت عنوان: “الأدوار الخارجية الداعمة للمشروع الإقليمي الإثيوبي”، وتضمنت نقاشات حول العلاقات الإثيوبية الأمريكية الأوروبية والروسية، والعلاقات الإثيوبية بالصين، والعلاقات الإثيوبية بإسرائيل، والعلاقات الإثيوبية بالدول العربية، والعلاقات الإثيوبية بتركيا.

وبناءً على الأوراق العلمية المقدمة والنقاش الثري بين الحضور، خلصت الورشة إلى مجموعة من الاستخلاصات والاستنتاجات، التي شملت أن النشاط الإثيوبي في محيطها الإقليمي يمثل أحد أهم مصادر زعزعة الاستقرار الإقليمي وتصدير تداعيات أزماتها الداخلية إلى دول الجوار، بما يعيق تشكل نظام فاعل للأمن الإقليمي، ويحول قضايا التكامل والاستفادة من الموارد المشتركة إلى مجالات للتنافس السياسي. وعلى الرغم من حالة الانقسام الداخلي والتحديات التي تواجه استقرار النظام السياسي، لم تحد هذه الأوضاع من قدرة إثيوبيا على تنفيذ مشروعها الإقليمي، بل دفعتها إلى تكثيف تحركاتها في دوائر البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل، وتوظيف المياه والدبلوماسية والطاقة والاقتصاد والأمن كأدوات لتعزيز نفوذها. ويأتي السعي إلى النفاذ البحري في مقدمة هذه التحركات، بما يثيره من توترات مرتبطة بسيادة دول الجوار وسلامتها الإقليمية، إلى جانب الدور الإثيوبي السلبي في استدعاء أدوار خارجية – دولية وإقليمية – للانخراط المكثف في تفاعلات القرن الأفريقي.





























