على مدى ما يقرب من ثمانية عقود، نظرت إسرائيل إلى الولايات المتحدة باعتبارها أكثر من مجرد حليف استراتيجي. فقد شكلت واشنطن الضامن الأول لأمنها القومي، ومصدر تفوقها العسكري، والمظلة السياسية التي حمتها في المحافل الدولية، والسند الذي حافظ على تفوقها الإقليمي رغم تغير الإدارات الأمريكية وتعاقب الأزمات في الشرق الأوسط. لذلك، لم يكن أكثر المتشائمين في تل أبيب يتوقع أن تكشف حرب غزة، التي اندلعت عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023، عن نقطة ضعف لم تستطع القوة العسكرية أو التفوق الاستخباراتي معالجتها، وهي التآكل المتسارع في صورة إسرائيل داخل المجتمع الأمريكي نفسه.
فبينما انشغلت المؤسسة العسكرية بإدارة العمليات في قطاع غزة، كانت معركة أخرى تتشكل بهدوء على بعد آلاف الكيلومترات. لم تجر هذه المواجهة فوق الأرض أو في الأجواء، وإنما على شاشات الهواتف، ومنصات التواصل الاجتماعي، والجامعات الأمريكية، ووسائل الإعلام، والكنائس، ومراكز النقاش العام. ومع كل يوم من أيام الحرب، كانت الصور تصل إلى ملايين الأمريكيين قبل أن تصل إليهم الروايات الرسمية، وكانت مقاطع الفيديو تنتشر بسرعة جعلت الحكومات عاجزة عن احتكار تفسير ما يجري. وهكذا بدأت إسرائيل تكتشف أن معركتها لم تعد تقتصر على غزة أو الحدود الشمالية أو البحر الأحمر، وإنما امتدت إلى الرأي العام الأمريكي الذي ظل لعقود أحد أهم مصادر قوتها الاستراتيجية.
من هذه الزاوية تنطلق دراسة معهد كوينسي المعنونة “الجبهة الثامنة: داخل حملة النفوذ الإسرائيلية البالغة مليار دولار”، التي ترى أن إسرائيل أعادت تعريف مفهوم الأمن القومي بعد الحرب. فالمعركة، في نظر صناع القرار الإسرائيلي، لم تعد تنحصر في امتلاك أحدث الطائرات أو أكثر أنظمة الدفاع تطورا، وإنما أصبحت تشمل القدرة على الحفاظ على التأييد الشعبي داخل الولايات المتحدة. وإذا كان الدعم الرسمي في البيت الأبيض والكونجرس لا يزال قائما، فإن تراجع التعاطف الشعبي يثير قلقا أكبر، لأنه يهدد الأساس الذي استندت إليه العلاقة الأمريكية الإسرائيلية طوال عقود.
في الأسابيع الأولى بعد هجمات السابع من أكتوبر، بدا أن إسرائيل نجحت في حشد تعاطف واسع داخل الولايات المتحدة. فقد سارعت الإدارة الأمريكية إلى إعلان دعمها الكامل، وأقر الكونجرس حزم مساعدات جديدة، وامتلأت وسائل الإعلام الأمريكية بقصص التضامن مع إسرائيل. غير أن هذا المشهد بدأ يتغير تدريجيا مع استمرار الحرب واتساع نطاق الدمار في غزة وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين. ومع الانتشار الكثيف للصور ومقاطع الفيديو عبر المنصات الرقمية، بدأت قطاعات متزايدة من الأمريكيين تعيد النظر في مواقفها، ولم يعد النقاش يقتصر على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وإنما امتد إلى حجم القوة المستخدمة، والأبعاد الإنسانية للحرب، ومستقبل القضية الفلسطينية.
وتشير الدراسة إلى أن هذا التحول لم يقتصر على الشباب أو الناخبين الديمقراطيين، كما كان يحدث في السابق، وإنما امتد بصورة تدريجية إلى دوائر سياسية واجتماعية ظلت تاريخيا من أكثر البيئات الأمريكية دعما لإسرائيل. ومن هنا بدأت المؤسسة الإسرائيلية تتعامل مع المسألة باعتبارها تحولا استراتيجيا طويل المدى، لا مجرد تراجع مؤقت في استطلاعات الرأي يمكن تجاوزه مع انتهاء الحرب.
رد الفعل الإسرائيلي جاء على مستوى غير مسبوق. فبحسب الدراسة، أنفقت الحكومة منذ اندلاع الحرب أكثر من مليار دولار على أنشطة الدبلوماسية العامة والحملات الإعلامية ومشروعات التأثير السياسي، فيما تجاوز الإنفاق داخل الولايات المتحدة وحدها مئة مليون دولار عبر شركات مسجلة وفقا لقانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي (FARA). ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في ضخامتها فقط، وإنما فيما تعكسه من تغير جذري في طريقة تفكير الدولة الإسرائيلية. فتل أبيب لم تعد تكتفي بالاعتماد على حلفائها التقليديين داخل الولايات المتحدة، وإنما قررت إدارة معركة الرأي العام بصورة مباشرة، مستخدمة الأدوات ذاتها التي أصبحت تشكل وعي المجتمعات في العصر الرقمي.
ولسنوات طويلة اعتمدت إسرائيل على شبكة واسعة من المؤسسات الأمريكية المؤيدة لها، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، والمنظمات الإنجيلية، وكبار المتبرعين، ومراكز الأبحاث، وشخصيات نافذة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وقد وفر هذا النموذج لإسرائيل نفوذا واسعا من دون أن تبدو طرفا أجنبيا يمارس الضغط السياسي داخل الولايات المتحدة. غير أن الحرب الأخيرة كشفت، من وجهة نظر صناع القرار الإسرائيلي، أن هذا النموذج لم يعد كافيا لمواجهة التحولات المتسارعة في الرأي العام، خاصة في ظل البيئة الرقمية الجديدة التي أصبح فيها ملايين المستخدمين يحصلون على المعلومات مباشرة من الهواتف الذكية ومنصات التواصل، وليس عبر وسائل الإعلام التقليدية وحدها.
ولذلك شرعت الحكومة في إعادة بناء منظومة التأثير بالكامل. فقد ارتفعت مخصصات الدبلوماسية العامة بصورة غير مسبوقة، وأعيد تنظيم المؤسسات الحكومية المعنية بالإعلام الخارجي، وتوسعت الاستعانة بشركات العلاقات العامة، وخبراء التسويق الرقمي، ومحللي البيانات، والمتخصصين في إدارة الحملات الإلكترونية. وأصبح الهدف إنتاج رسائل مختلفة تناسب شرائح متنوعة من المجتمع الأمريكي، بدلا من الاكتفاء بخطاب واحد موجه للجميع.
ولم تخل هذه العملية من الارتباك. فقد شهدت الأشهر الأولى للحرب تضاربا بين المؤسسات الحكومية، وتداخلا في الاختصاصات، وتأخرا في اتخاذ القرارات، بل اضطرت بعض الجهات إلى تعليق أنشطتها الإعلامية مؤقتا بسبب نقص التمويل قبل أن تتدخل الحكومة بضخ اعتمادات إضافية. ورغم آلاف المقابلات الإعلامية، ومئات الحملات الرقمية، والإنتاج المكثف للمحتوى، فإن استطلاعات الرأي استمرت في تسجيل تراجع مستويات التعاطف مع إسرائيل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى الاقتناع بأن المشكلة أعمق من مجرد ضعف في الأداء الإعلامي.
ومن هنا جاء إطلاق مشروع “545”، الذي مثل نقطة تحول في التفكير الإسرائيلي. فلم يكن الهدف زيادة الإنفاق أو توسيع الحملات القائمة، وإنما إعادة تصميم منظومة النفوذ بالكامل بما يتلاءم مع طبيعة البيئة الإعلامية الجديدة. ولهذا الغرض جرى الاستماع إلى مئات الخبراء والأكاديميين والمتخصصين في الأمن والإعلام والتكنولوجيا، في محاولة للإجابة عن سؤال واحد: كيف يمكن استعادة النفوذ الإسرائيلي داخل المجتمع الأمريكي؟
الاستراتيجية الجديدة انطلقت من فرضية مختلفة تماما. فبدلا من التركيز على السياسيين وحدهم، أصبح الاهتمام موجها إلى الفئات التي تشكل الرأي العام بصورة يومية. ولذلك احتلت الكنائس الإنجيلية مكانة بارزة في الخطط الجديدة، باعتبارها أحد أهم مصادر الدعم الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. كما توسعت البرامج الموجهة إلى الجامعات، وصناع المحتوى، والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، والجمهور المحافظ، مع تصميم رسائل مختلفة لكل فئة وفقا لاهتماماتها وخلفيتها الثقافية والسياسية.
غير أن أكثر جوانب الدراسة إثارة يتمثل في دخول إسرائيل بقوة إلى ميدان الذكاء الاصطناعي. فالحكومة لم تعد تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة جديدة لإنتاج المحتوى فقط، وإنما باعتباره ساحة معركة مستقلة يجب الفوز بها. ولهذا تعاقدت مع شركات متخصصة لإنتاج مواقع إلكترونية وقواعد بيانات ومحتوى رقمي يهدف إلى التأثير في الطريقة التي تتعامل بها نماذج الذكاء الاصطناعي مع المعلومات المتعلقة بإسرائيل والصراع في الشرق الأوسط. فالرهان لم يعد يقتصر على إقناع الإنسان، وإنما امتد إلى محاولة التأثير في الخوارزميات التي ستقدم المعلومات للإنسان مستقبلا.
ويعكس هذا التحول إدراكا متزايدا بأن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقاس فقط بعدد المقالات المنشورة أو ساعات البث التلفزيوني، وإنما أيضا بالمعلومات التي تعتمد عليها محركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي عند صياغة الإجابات التي يقرأها ملايين المستخدمين يوميا. فالمنافسة انتقلت من السيطرة على الخبر إلى محاولة التأثير في البنية الرقمية التي تنتج المعرفة نفسها.
ومع ذلك، تصل الدراسة إلى نتيجة تبدو بالغة الدلالة. فعلى الرغم من هذا الاستثمار المالي الضخم، وإعادة هيكلة أجهزة الدبلوماسية العامة، والاستعانة بأحدث أدوات التكنولوجيا، لم تتمكن إسرائيل من وقف التحول في اتجاهات الرأي العام الأمريكي. فقد استمرت استطلاعات الرأي في تسجيل تراجع مستويات التعاطف، خاصة بين الأجيال الشابة، كما اتسعت الفجوة بين المواقف الرسمية في واشنطن وبين المزاج العام داخل قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي. ويشير ذلك إلى أن الحملات الإعلامية، مهما بلغت درجة احترافها، تظل محدودة التأثير عندما تتعارض مع صور الحرب والوقائع اليومية التي يشاهدها الجمهور بنفسه.
ولا تتوقف أهمية هذه التجربة عند الحالة الإسرائيلية وحدها، وإنما تمتد إلى طبيعة الصراعات الدولية في العصر الرقمي. فالدول الكبرى أصبحت تستثمر في البيانات والخوارزميات والمنصات الرقمية بالقدر نفسه الذي تستثمر فيه في الطائرات والصواريخ وأنظمة الدفاع. وأصبح تشكيل الإدراك العام جزءا لا ينفصل عن إدارة الصراع، تماما كما أصبحت شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي عناصر مؤثرة في معادلات القوة الدولية.
لهذا تبدو “الجبهة الثامنة” أكثر من مجرد عنوان لدراسة أو توصيف لحملة إعلامية. إنها تعكس تحولا أوسع في مفهوم القوة نفسه. فالحروب الحديثة لم تعد تحسم فقط في ساحات القتال، وإنما أيضا في الفضاء الرقمي، حيث تتنافس الدول على كسب الثقة، وصناعة الرواية، والتأثير في الوعي العام. وفي عالم تتقدم فيه الخوارزميات على البيانات الرسمية، وتنتشر فيه الصور أسرع من البيانات الحكومية، أصبح الحفاظ على الشرعية في نظر الرأي العام جزءا أساسيا من معادلة الأمن القومي، وربما لا يقل أهمية عن امتلاك أحدث الأسلحة.






























