في عام 2017، نشر بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الحالي في حكومة نتنياهو، في مجلة “השילוח” (هَشِيلواح) ما عُرف باسم “خطة الحسم” لتسوية الصراع مع الفلسطينيين وتحقيق ما يراه وفق رؤيته الفكرية سلامًا دائمًا. حيث تنطلق الخطة من افتراض أن حل الدولتين غير قابل للتطبيق ولم يكن واقعيًا في أي مرحلة سابقة، وأن قيام أي كيان ذي سيادة فلسطينية غرب نهر الأردن يشكل تهديدًا أمنيًا وجوديًا لإسرائيل. مع تأكيد خطته على مركزية الحق التاريخي والديني لليهود في الأرض، ورفض الاعتراف بفكرة “الشعب الفلسطيني” كهوية قومية مستقلة، معتبرة أن هذا التصور لا يستند، بحسبها، إلى أساس تاريخي أو سياسي كاف.
وتقوم الفلسفة النفسية للخطة على أن المقاومة (أو ما تصفه بالإرهاب) تتغذى على “الأمل” السياسي بتحقيق مكاسب، وبالتالي فإن “الحسم” من وجهة نظره يقتضي تدمير هذا الأمل بالكامل وتحويل إحباط الفلسطينيين تدريجيًا إلى يأس مطلق ثم قبول بالواقع المفروض، قياسًا على واقع عرب 48 في العقود الأولى بعد النكبة. لذلك تهدف خطة سموتريتش إلى خلق واقع جغرافي وديموغرافي يقوم على فرض السيادة القانونية الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، وتكثيف الاستيطان بجلب مئات آلاف المستوطنين الجدد، واستغلال أراضي الضفة لبناء وحدات سكنية رخيصة لحل أزمة السكن داخل الخط الأخضر.
كما وضع سموتريتش ثلاثة مسارات للفلسطينين يتم من خلالها التعامل معهم:
المسار الأول:
هذا المسار يسمح للفلسطينيين الذين يقبلون بالخطة البقاء كأفراد يتمتعون بحقوق مدنية يومية واقتصادية (دون حق التصويت للكنيست لحفظ الأغلبية اليهودية). وتجادل الخطة بأن هذا ليس نظام فصل عنصري “أبارتهايد”، بل ديمقراطية غير مثالية تقيد بعض الحقوق لمواجهة التهديدات الأمنية.
المسار الثاني:
يستهدف هذا المسار الفلسطينيين المتمسكين بطموحهم القومي؛ حيث تقدم لهم إسرائيل تسهيلات لوجستية ومنحة مالية سخية لتشجيعهم على الهجرة المنظمة جوًا نحو الدول العربية أو الغربية، معتبرة ذلك استكمالًا لعملية “التبادل السكاني” التي بدأت عام 1948.
المسار الثالث:
يستهدف من يختار الاستمرار في المواجهة المسلحة؛ حيث يتولى الجيش الإسرائيلي، بتوجيه سياسي
صارم، تصفية المقاومة عسكريًا في وقت قصير عبر ممارسات تشمل “قتل من يجب قتله وجمع السلاح حتى آخر رصاصة”، معتبرة أن الكلفة العالية للحسم لسنوات قليلة أفضل من كلفة إدارة الصراع للأبد[1].

ويضع سموتريتش في مقاله بمجلة شيلوح تلك الصورة التي تجسد جوهر “خطة الحسم”؛ حيث يرمز البالون إلى المشروع الوطني الفلسطيني باعتباره “فقاعة هوائية” تفتقر للجذور ومحفوفة بالأمل الزائف، بينما تمثل الإبرة في يد الجندي الإجراءات الإسرائيلية الحاسمة (كضم الضفة وتكثيف الاستيطان) التي تهدف إلى ثقب هذا البالون وتفريغه من الهواء لإنهاء طموح الدولة نهائيًا؛ فبمجرد زوال هذا الأمل السياسي، يسقط المقاتل تلقائيًا وتتلاشى فكرة المقاومة؛ مما يتيح للمشروع الصهيوني الاستقرار والتحصن في برجه كاملًا دون منازعة.
المرجعية الدينية لـ “خطة الحسم”
في حقيقة الأمر تُقدَّم “خطة الحسم” التي يُنسب إعدادها إلى سموتريتش، والتي يتبناها تيار “الصهيونية الدينية” وأطراف في الحكومة الإسرائيلية الحالية، باعتبارها ليست مجرد برنامج سياسي تقليدي، بل رؤية أيديولوجية ذات خلفية دينية واضحة. إذ يستند هذا التصور إلى قراءة تلمودية لتاريخ دخول بني إسرائيل إلى أرض كنعان في عهد يشوع بن نون، وإلى تفسيرات دينية يربط بعضها بنصوص تراثية لاحقة.
وبحسب هذا الطرح، خصوصًا في التفسيرات التي يُستشهد بها داخل هذا التيار، فإن الوجود والسيطرة على الأرض لا يُنظر إليهما فقط من منظور أمني أو سياسي، بل باعتبارهما تحقيقًا لوعد ديني. وينعكس ذلك في تصور سياسي يقارب، من حيث المنطق العام، نموذج “عهد يشوع بن نون” عند دخول الأرض، والذي يقوم على طرح خيارات متعددة أمام السكان: القبول بالسيادة القائمة، أو المغادرة، أو المواجهة.
وعليه، تُفهم الإجراءات السياسية والاستيطانية ضمن هذا الإطار بوصفها وسيلة لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والسياسي، ليس فقط عبر أدوات القوة أو الإدارة، بل أيضًا من خلال استدعاء رواية دينية تُضفي على المشروع بعدًا عقائديًا، يُقدَّم فيه ترسيخ السيادة اليهودية بوصفه تحقيقًا لحق تاريخي/ديني على الأرض.
فجاءت تفاصيل تلك الخطة بوضوح في التلمود الأورشليمي وتحديدًا في باب “سنة التبوير”:
“أصدر يشوع ثلاثة أوامر إلى سكان “أرض إسرائيل” قبل دخولهم إلى الأرض: من أراد الإخلاء فليُخلِ، ومن أراد السلام فليُسالم، ومن أراد الحرب فليحارب. أما الجرجاشيون أخلوا البلاد، وآمنوا بالقدوس تبارك اسمه، وسبّحوه، وذهبوا إلى أفريقيا. كما جاء في ملوك ثاني 18/ 32 “حتى آتي وآخذكم إلى أرض مثل أرضكم”، أي أفريقيا. أما أهل جبعون فقد عقدوا السلام، كما جاء في يشوع 10/1: “سكان جبعون قد صالحوا إسرائيل”. أما الملوك الواحد والثلاثون فقد حاربوا إسرائيل فسقطوا”.[2]
يُمثل هذا النص المستند إلى التلمود الأورشليمي المرجعية الدينية والتاريخية الأعمق التي استلهم منها بتسلئيل سموتريتش وثيقته السياسية الحديثة المعروفة بـ “خطة الحسم”. فالرابط البنيوي بين هذا الإرث التلمودي والواقع المعاصر يكمن في التطابق بين الخيارات الثلاثة التي طرحها “يشوع بن نون” قديمًا على سكان كنعان، مع تلك التي يعرضها اليمين الصهيوني الديني على الفلسطينيين اليوم؛ مما يحوّل الصراع من مواجهة سياسية على الحقوق والأرض، إلى حرب دينية أيديولوجية تُدار بـ “خطة” عقائدية تعود لآلاف السنين.
وتظهر تجليات هذا النص في تفاصيل “خطة الحسم” بشكل دقيق؛ فالخيار الأول المتمثل في “الإخلاء” ورحيل الجرجاشيين[3] إلى أفريقيا، يتطابق مع بند “تشجيع الهجرة الطوعية” وتسهيل طرد الفلسطينيين لتقليص الخطر الديموغرافي. أما الخيار الثاني المتمثل في “السلام” على طريقة أهل جبعون[4]، فيتجسد في عرض الاستسلام والقبول بالعيش كـ “رعايا” أو سكان محليين مجردين من الحقوق السياسية والقومية تحت السيادة اليهودية الكاملة. في حين يمثل الخيار الثالث والأخير (الحرب) السحق العسكري التام واستئصال كل من يختار المقاومة، تمامًا كما سقط “الواحد والثلاثون ملكًا” في السردية التلمودية[5].
إن استدعاء هذا النص، والإشارة فيه إلى نفْي السكان إلى “أفريقيا” استشهادًا بآيات سفر الملوك الثاني، يعكس تجذر فكرة “الترانسفير” والتهجير القسري في العقلية الحاكمة لهذه الخطط، والتي لا ترى في الفلسطيني صاحب حق في تقرير المصير، بل مجرد “عقبة ديموغرافية” أو مستأجر طارئ. وفي النهاية، يكشف هذا الربط أن “خطة الحسم” ليست مجرد مناورة سياسية أو أمنية، بل هي محاولة واعية لتحويل “أوامر يشوع” التاريخية إلى سياسة حكومية رسمية، تسعى لتصفية الهوية الوطنية الفلسطينية وتخيير أصحاب الأرض بين ثلاثية قاسية: الهجرة، أو التبعية، أو الفناء.
وإذا كان النص التلمودي المتعلق بـ”أوامر يشوع الثلاثة” قد وضع الإطار النظري العام للمسارات الثلاثة، من خلال طرح ثلاثة خيارات مصيرية أمام الطرف الآخر: الرحيل والتخلي عن الأرض، أو القبول بالتسوية والعيش تحت سلطة الجهة المنتصرة، أو الدخول في مواجهة عسكرية. فجاء دور موسى بن ميمون أحد أهم الفقهاء اليهود في العصر الوسيط؛ بوصفه من قام بصياغة هذه المبادئ ضمن إطار فقهي أكثر تفصيلًا؛ إذ لم يضف مسارات جديدة، وإنما عمل على تحديد الشروط والأحكام التي تنظم وضع كل فئة وفق الخيار الذي تتبناه، محولًا التصور العام الوارد في التلمود إلى منظومة قانونية وإجرائية تحدد طبيعة العلاقة بين السلطة الحاكمة ومن يقبل الخضوع لها أو يرفضه. فجاء في كتابه تثنية الشريعة:
“لا ينبغي شنّ حرب على أحد قبل أن يُعرض عليه خيار السلام، كما ورد في سفر التثنية 20/ 10: “عندما تقترب من مدينة لمحاربتها، فعليك أن تعرض عليها صلحًا”. إذا قبل العدو عرض السلام والتزم بأداء الوصايا السبع التي أُمرت بها ذرية نوح، فلا يجوز قتل أيٍّ منهم، بل يُخضعون كما ورد في النص: “يكونون خاضعين لكم ويخدمونكم“. إذا قبلوا دفع الجزية لكن لم يقبلوا الخضوع، أو قبلوا الخضوع ولم يقبلوا الجزية، فلا يُعتدّ بعرضهم؛ يجب أن يقبلوا الأمرين معًا. أما معنى الخضوع المطلوب فهو أن يكونوا في منزلة أدنى، مُحتقرين وخاضعين ومتذللين، وألا يرفعوا رءوسهم ضد إسرائيل، بل يبقوا تحت حكمهم وخضوعهم. ولا يجوز تعيين أي منهم في منصب له سلطة على يهودي في أي أمر كان. وأما الجزية المطلوبة فهي أن يكونوا مستعدين لدعم خدمة الملك بأموالهم وبأنفسهم، مثل بناء الأسوار، وتقوية الحصون، وبناء قصر الملك، وما شابه ذلك”[6].
يُؤصل هذا النص الصادر عن موسى بن ميمون للفصل العنصري والطبقية السياسية في الفقه التوراتي؛ حيث يُعيد تعريف “السلام” ليصبح مرادفًا للإخضاع الشامل عبر ثنائية “الجزية والعبودية”، مشترطًا تجريد غير اليهود من أي سيادة أو سلطة وإبقائهم في منزلة أدنى ومتذللة؛ والمفارقة الفقهية هنا هي أن ابن ميمون يرى في هؤلاء المستسلميين نموذجًا لـ “النزيل المقيم” (גר תושב – جير توشاف)، وهو ما يعرف في الفقه اليهودي بالأجنبي الذي يُمنح حق الإقامة في “أرض إسرائيل” بشرط التزامه بالوصايا السبع لبني نوح وقبوله بالدونية السياسية والاجتماعية. هذا التأصيل الفقهي هو المستند الشرعي الحرفي الذي تستند إليه “خطة الحسم” لسموتريتش اليوم؛ حيث يتم التعامل مع الفلسطينيين المعاصرين وفق ذات المنطق باعتبارهم “نزلاء مقيمين” بلا حقوق وطنية أو سياسية، ومجرد عمالة خدماتية تُسخّر لتعزيز استقرار “البرج الصهيوني” المحصن.
وفي حين أن الرواية التلمودية تطرح الهجرة باعتبارها أحد المسارات الثلاثة الممكنة، فإن موسى بن ميمون لا يفرد لهذا الخيار معالجة فقهية تفصيلية، بل ينتقل مباشرة إلى تنظيم المسار الثالث المتعلق برفض التسوية ومواصلة الصراع. وينصب اهتمامه على تحديد القواعد القانونية للحرب والسلم وشروط الخضوع للسلطة المنتصرة؛ الأمر الذي يجعل مدونته الفقهية أقرب إلى تقنينٍ لآليات التعامل مع من يبقى في الأرض ويقبل التسوية أو يرفضها، أكثر من كونها تنظيرًا لمسألة الهجرة ذاتها. لذلك ينتقل ابن ميمون الى المسار الثالث:
أما إذا رفضت الأمم السبعة أو عماليق قبول الاستسلام، فلا يُترك منهم أيّ نفس حية، كما ورد في التثنية 15/ 16: “أما مدن هذه الأمم فلا تُبقِ منها نسمة حيّة”. وهو ما ينطبق على شعب عماليق، كما ورد في التثنية 25/ 19: “امحُ ذكر عماليق”[7].
هنا ينتقل موسى ابن ميمون إلى مسار الحسم العسكري ضد من يرفض الاستسلام. فبعد منح الطرف الآخر فرصة القبول بالتسوية والخضوع للشروط المفروضة، يصبح الرفض مبررًا للانتقال إلى المواجهة العسكرية التي تُقدَّم بوصفها وسيلة لإنهاء الصراع وحسمه نهائيًا. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الصلة الفكرية بين هذا التصور وبين “خطة الحسم” التي طرحها بتسلئيل سموتريتش؛ إذ تقوم الخطة بدورها على عرض ثلاثة مسارات أمام الفلسطينيين: القبول بالسيادة الإسرائيلية والعيش ضمن إطارها السياسي، أو الهجرة إلى خارج البلاد، أو مواجهة الحسم الأمني والعسكري في حال الاستمرار في المقاومة المسلحة. وبذلك تبدو الخطة، في نظر منتقديها، إعادة توظيف حديثة لمنطق ديني-تاريخي قديم يقوم على حصر الخيارات المتاحة للطرف الآخر بين القبول بالنظام القائم أو المغادرة أو المواجهة، مع اختلاف السياقات السياسية والقانونية بين العصرين.
من التخطيط الديني إلى التنفيذ السياسي
لم تعد “خطة الحسم” مجرد تصور ديني حبيس التراث الديني اليهودي، أو مجرد شعارات سياسية يرفعها تيار “الصهيونية الدينية”؛ بل تحولت في ظل ظروف الحرب الحالية إلى برنامج عمل تنفيذي متحرك على الأرض. لقد أعادت حكومة نتنياهو-سموتريتش صياغة هذه الأيديولوجيا عبر تحويلها إلى إجراءات مادية وهيكلية متكاملة، تتمحور حول تدمير خيار حل الدولتين، ودفع السلطة الفلسطينية نحو الانهيار، واضعًا الفلسطينيين أمام مقصلة إما التجريد من الحقوق أو التهجير.
وقد جرى تمرير هذه الرؤية عبر شبكة معقدة من الآليات التشريعية، والإدارية، والميدانية، التي يمكن رصد أبرز مساراتها التنفيذية على النحو التالي:
- مسار الضم القانوني والإداري
يتجلى هذا المسار في ركيزتين سياديتين؛ الأولى: الضم القانوني والإداري عبر نزع الصبغة العسكرية عن حوكمة المنطقة، ونقل الصلاحيات المدنية في الضفة الغربية من “قائد الجيش” إلى “مسئولين مدنيين” يتبعون مباشرة للوزير سموتريتش. والثانية: تقويض الهيئات المحلية الفلسطينية من خلال تجاوز البلديات وتجريدها من صلاحيات التخطيط والبناء في مواقع استراتيجية حساسة، وإسنادها إلى إدارة مدنية إسرائيلية مباشرة ومؤسسية، تُقصي الحكم العسكري وتكرّس السيطرة المباشرة على الأرض[8].
- مسار الحسم الاستيطاني
يتأسس هذا المسار على ركيزتين متكاملتين؛ الأولى: التوسيع الهيكلي للمستوطنات عبر تسريع وتيرة البناء بشكل غير مسبوق، وشرعنة البؤر العشوائية والمزارع الرعوية، استهدافًا لضم ما يصل إلى 82% إلى 87% من مساحة الضفة الغربية. وتجسد ذلك في القرار الاستراتيجي للمجلس الوزاري المصغر (مارس 2026) بإنشاء 34 مستوطنة جديدة (عبر شرعنة 10 بؤر وتأسيس 24 مستوطنة)، ليرتفع إجمالي التجمعات المصادق عليها منذ يناير 2023 إلى نحو 102 تجمع استيطاني. والثانية: الهندسة القانونية للملكية من خلال إلغاء القانون الأردني لفتح سوق العقارات أمام الشراء الإسرائيلي المباشر، بالتوازي مع استئناف عملية “تسوية الأراضي” في المنطقة (ج) لأول مرة منذ عام 1967، بهدف فرض تسجيل نهائي يكرّس السيادة الإسرائيلية على الأرض[9].
- مسار إضعاف السلطة الفلسطينية
يتجسد هذا المسار في ثلاثة إجراءات رئيسية؛ أولها: الخنق الاقتصادي والتجفيف المالي عبر احتجاز أموال العائدات الضريبية ووقف تحويلها بالكامل منذ مايو 2025؛ مما جرّد السلطة من القدرة على دفع الرواتب وتسبب في انهيار الخدمات الاجتماعية، بالتوازي مع منع العمال الفلسطينيين من العودة إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل. وثانيها: التقويض السياسي والشخصي من خلال فرض تدابير عقابية متشددة ضد كبار المسئولين تشمل الاعتقال، والترحيل، وسحب التأشيرات لإنهاك الأداء المؤسسي للسلطة. وأخيرًا: الحد من السيادة الميدانية عبر توسيع صلاحيات الإنفاذ الإداري الإسرائيلي لتشمل المنطقتين (أ) و(ب) في قطاعات حيوية مثل الطاقة، والمياه، والبيئة، والآثار؛ مما يقلص الحوكمة الذاتية ويفكك ما تبقى من استقلالية إدارية للسلطة[10].
- مسار تقنين عنف المستوطنين
يقوم هذا المسار على فرض واقع ميداني جديد عبر ثلاثة أبعاد متكاملة؛ أولها: التهجير القسري المباشر من خلال توظيف الاعتداءات الممنهجة، والتهديدات، وإحراق الممتلكات، والاستيلاء بالقوة على مصادر المياه ومناطق الرعي لطرد الفلسطينيين. وثانيها: تقنين العنف الميداني بإدماج المستوطنين المسلحين في العمليات وتأمين البؤر النائية؛ مما ضاعف بؤر الاحتكاك واستنزف كفاءة الجيش النظامي. وأخيرًا: توفير الحصانة القانونية والسياسية عبر تقويض “الوحدة اليهودية” في جهاز الأمن العام (شاباك)، وإلغاء الاعتقالات الإدارية بحق المستوطنين، مدفوعًا برسائل حكومية متساهلة تشرعن هذا السلوك لتغيير أنماط السيطرة على الأرض[11].
في النهاية، يتضح كيف جرى توظيف السردية الدينية والتاريخية المرتبطة بـ”احتلال يشوع” وتحويلها من إطارها الديني إلى مرجعية سياسية واستراتيجية تتجسد في ما يُعرف بـ”خطة الحسم”. فهذه العملية لا تقتصر على استدعاء الماضي أو استلهامه، بل تقوم على إعادة إنتاجه ضمن سياسات وممارسات مؤسساتية وعسكرية معاصرة. وفي هذا السياق، تسعى الحكومات الإسرائيلية إلى تكريس واقع جغرافي وديموغرافي جديد في الضفة الغربية، مستفيدةً من ظروف الحرب لتوسيع نطاق السيطرة وفرض وقائع ميدانية تُقرب من تصور “إسرائيل الكبرى”، بما يحوّل هذا التصور من عقيدة أيديولوجية ذات طابع ديني إلى مشروع سياسي يسعى إلى ترسيخ نفسه كأمر واقع.
[1]בצלאל סמוטריץ’ תוכנית ההכרעה: המפתח לשלום נמצא בימין גליונות השילוח, השילוח 6 بتسلئيل سموتريتش، خطة الحسم: مفتاح السلام في يد اليمين، مجلة شيلوح 6
[2] תלמוד ירושלמי שביעית ו׳:א
[3] احدى شعوب أرض كنعان التي ذكرها نص العهد القديم، قبل دخول بني اسرائيل الأرض.
[4] سكان مدينة جبعون الذين جاء ذكرهم في سفر يشوع .
[5] يقصد بالواحد والثلاثون ملكا في السردية التلمودية، 31 ملكا يمثلون المدن الكنعانية؛ هزمهم بنو اسرائيل بقيادة يشوع بن نون، ورد ذكرهم في سفر يشوع.
[6] משנה תורה, הלכות מלכים ומלחמות ו הלכה א تثنية الشريعة، تشريعات الملوك والحروب، الفصل السادس تشريع أول
[7] משנה תורה, הלכות מלכים ומלחמות ו הלכה ד تثنية الشريعة، تشريعات الملوك والحروب، الفصل السادس تشريع رابع
[8] אודי דקל, תמי קנר: מהפך תפיסתי ביהודה ושומרון- ביטחון מוחלט, הכרעה והחלת ריבונות, המכון לביטחון לאומי. اودي ديكل، تامي كنر: التحول النوعي في الضفة الغربية- الأمن المطلق، الحسم وبدء السيادة، معهد سياسات الأمن القومي.
[9] ליאור אקרמן: חזון ההכרעה של השר סמוטריץ- משמעויות לישראל, אוניבריסטת רייכמן. ليئور أكرمان: رؤية الحسم للوزير سموتريتش- الدلالة لاسرائيل، جامعة رايخمان.
[10] ליאור אקרמן: חזון ההכרעה של השר סמוטריץ- משמעויות לישראל, אוניבריסטת רייכמן ليئور أكرمان: رؤية الحسم للوزير سموتريتش- الدلالة لاسرائيل، جامعة رايخمان.
[11] אודי דקל, תמי קנר: מהפך תפיסתי ביהודה ושומרון- ביטחון מוחלט, הכרעה והחלת ריבונות, המכון לביטחון לאומי. اودي ديكل، تامي كنر: التحول النوعي في الضفة الغربية- الأمن المطلق، الحسم وبدء السيادة، معهد سياسات الأمن القومي.






























