أنت لا تراهن على المباراة، بل المنصة تراهن عليك
عندما أعادت التكنولوجيا تشكيل المراهنات الرياضية
شهدت المراهنات الرياضية خلال السنوات الأخيرة تغيرًا يتجاوز انتقالها من الأماكن التقليدية إلى الهاتف المحمول. فقد تغيرت طريقة الوصول إلى النشاط، وتوقيت المراهنة، ونوعية الرهانات المتاحة، كما دخلت وسائل الدفع والتسويق الرقمي والبيانات في العلاقة بين المستخدم والمنصة.
أصبحت المراهنة متاحة على مدار اليوم تقريبًا، ولم يعد المستخدم مضطرًا إلى انتظار المباراة أو الاكتفاء بتوقع نتيجتها النهائية. فالمنصات تتيح الرهان أثناء اللعب على وقائع تتغير باستمرار، فيما تسمح وسائل الدفع الإلكترونية بتمويل الحساب وتنفيذ المعاملة في وقت قصير. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يبدأ الوصول إلى المستخدم قبل دخوله إلى منصة المراهنة نفسها، عبر محتوى رياضي أو صفحة للتوقعات أو إعلان أو رابط إحالة.
هذا التطور وسّع دائرة الأطراف المرتبطة بالنشاط. فالمنصة تعمل إلى جوار وسائل الدفع والتسويق والخدمات التقنية ومعالجة البيانات، وقد توجد هذه الأطراف في أكثر من دولة. ومن ثم تثير المراهنات الرقمية أسئلة لا تقتصر على خسارة المشارك لأمواله، وإنما تمتد إلى مسارات حركة المال، وحماية بيانات المستخدمين، ونزاهة المنافسات الرياضية، وقدرة الجهات المختصة على التعامل مع نشاط لا تجتمع جميع عناصره بالضرورة داخل حدود الدولة.
تكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر في الحالة المصرية. فالتعامل مع المراهنات الرقمية يمس أكثر من نطاق قانوني ورقابي؛ من القمار والرهان إلى المدفوعات والجرائم الإلكترونية وحماية البيانات ومكافحة غسل الأموال وتنظيم النشاط الرياضي. وفي المقابل، يستطيع المستخدم الانتقال في عملية واحدة من محتوى منشور على شبكة اجتماعية إلى منصة خارجية، ثم إلى عملية دفع ورهان وتبادل للبيانات.
من هنا يطرح المقال سؤالًا رئيسيًا: إلى أي مدى لا تزال أدوات المواجهة التقليدية ملائمة لنشاط تغيرت طريقة تشغيله وانتشاره بفعل التكنولوجيا؟ والإجابة تقتضي أولًا تحديد ما تغير في سوق المراهنات الرياضية، ثم تتبع طريقة عملها في البيئة الرقمية، قبل فحص ما يترتب عليها من مخاطر وما تملكه الحالة المصرية من أدوات للتعامل معها.
ما الذي تغير في سوق المراهنات الرياضية؟
تكشف الأسواق التي تتوافر عنها بيانات تنظيمية تفصيلية حجم المساحة التي أصبحت تحتلها المراهنات الرقمية. ففي تقرير Industry Statistics – Annual Report الصادر عن هيئة المقامرة البريطانية في 25 نوفمبر 2025، بلغ إجمالي عائد المشغلين من المراهنات عن بُعد نحو 2.6 مليار جنيه إسترليني خلال السنة المالية من أبريل 2024 إلى مارس 2025، وجاء نحو 1.3 مليار جنيه منها من كرة القدم وحدها.[1] ولا يمثل هذا الرقم إجمالي الأموال التي وضعها المستخدمون في الرهانات، وإنما العائد الإجمالي للمشغلين بعد احتساب الرهانات والمكاسب المدفوعة وفق تعريف الهيئة.
ولا يصلح الرقم البريطاني بطبيعة الحال لتقدير حجم السوق المصرية، لكنه يوضح الوزن الذي يمكن أن تبلغه المراهنات عندما تصبح خدمة رقمية متاحة بصورة مستمرة عبر الإنترنت.
لكن التغيير الأهم لا يظهر في الحجم وحده. فقد تغيرت المباراة نفسها بوصفها محلًا للرهان. فإلى جانب المراهنة قبل بدء اللقاء، تسمح المنصات بالمراهنة أثناء اللعب، وتتغير الاحتمالات والأسعار مع تطور المباراة. وأصبح هذا النوع من النشاط راسخًا إلى درجة أن هيئة المقامرة البريطانية خصصت له معيارًا فنيًا مستقلًا ضمن قواعد المراهنات عن بُعد.[2]
وتكشف هذه القواعد إحدى النتائج المباشرة للرهان اللحظي. فالهيئة تلزم المشغلين بتنبيه المستخدم إلى احتمال تأخر البث الذي يشاهده عن الحدث الفعلي، وإلى إمكانية امتلاك المشغل أو مستخدمين آخرين معلومات أحدث منه. وفي سوق تتغير فيها أسعار الرهان أثناء اللعب، يصبح الفارق الزمني في وصول المعلومة جزءًا من القرار المالي نفسه.
وبذلك أزالت التكنولوجيا عددًا من القيود التي ارتبطت بالمراهنات في صورتها التقليدية. لم يعد المكان عاملًا حاكمًا، وأصبح تنفيذ الرهان أسرع، كما زاد عدد الفرص التي يمكن الدخول فيها خلال المباراة الواحدة. وأدخلت وسائل الدفع الرقمية عنصرًا إضافيًا؛ إذ أصبح تمويل الحساب جزءًا من العملية نفسها بدل أن يكون خطوة منفصلة عنها.
من المنصة إلى منظومة متكاملة
لا تبدأ المراهنات الرقمية بالضغط على زر «الرهان». تسبق هذه اللحظة مرحلة الوصول إلى المستخدم، سواء عبر إعلان أو محتوى رياضي أو صفحات للتوقعات أو روابط تقوده إلى المنصة. وبعد إنشاء الحساب تأتي عملية الإيداع، ثم المراهنة والسحب، بينما تسمح طبيعة المنصة باستمرار الاتصال بالمستخدم من خلال الأسواق الجديدة والعروض والإشعارات.
ويكتسب هذا التسلسل أهمية لأن كل حلقة فيه يمكن أن يقوم بها طرف مختلف. فالجهة التي تجذب المستخدم ليست بالضرورة هي التي تتلقى الأموال، ومن يسهل الإيداع أو السحب قد يكون وسيطًا محليًا، بينما توجد المنصة وخوادمها أو بعض خدماتها التقنية خارج الدولة. ولهذا لا تعبر واجهة التطبيق وحدها عن الحجم الحقيقي للنشاط أو عدد الأطراف التي تسمح له بالعمل.
كما أن انتقال الأموال إلى البيئة الرقمية غيّر جانبًا أساسيًا من هذه الدورة. فالحساب لا يحتاج إلى تمويل نقدي مباشر لدى مشغل للمراهنات؛ إذ يمكن أن تمر عمليات الإيداع والسحب عبر أدوات دفع إلكترونية أو وسطاء يتولون تسوية المعاملات. وهنا تبدأ المراهنات في التداخل مع منظومة المدفوعات نفسها، ويصبح تتبع حركة الأموال وتحديد أطرافها أكثر أهمية من مجرد معرفة الموقع الذي وضع المستخدم عليه الرهان.
المراهنات الرقمية في مصر
لم يعد الاهتمام بالمراهنات الإلكترونية في مصر مقتصرًا على الضبط الأمني. ففي 14 أبريل 2026 ناقش اجتماع برئاسة رئيس مجلس الوزراء الإجراءات المرتبطة بمواجهة مخاطر المنصات والألعاب الإلكترونية، وتضمن بصورة مباشرة المعالجة التشريعية والتنظيمية لظاهرة المراهنات الإلكترونية وكيفية التصدي لها، ضمن العمل على بلورة رؤية وطنية موحدة للتعامل مع المخاطر المرتبطة بالبيئة الرقمية[3].
و لا تخلو البيئة التشريعية المصرية من نصوص تتعامل مباشرة مع أصل النشاط. فالقانون رقم 10 لسنة 1922 بشأن المراهنة على سباق الخيل ورمي الحمام وغيرها من أنواع الألعاب وأعمال الرياضة، والمعدل بالقانون رقم 135 لسنة 1947، تناول عرض الرهانات أو إعطاءها أو تلقيها، سواء قام الشخص بذلك بنفسه أو عن طريق وسيط، وذلك خارج الحالات التي يجيزها القانون وتكتسب الإشارة إلى الوسيط أهمية خاصة عند قراءة بعض صور المراهنات الإلكترونية الحالية، التي قد لا تقتصر العلاقة فيها على المستخدم والمنصة مباشرة.
ومع انتقال النشاط إلى البيئة الرقمية، تدخل تشريعات أخرى بحسب طبيعة الفعل الذي يتم ارتكابه. فقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 يجرّم إنشاء أو إدارة أو استخدام موقع أو حساب على شبكة معلوماتية إذا كان الغرض منه ارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون أو تسهيلها. ومن ثم فإن استخدام الموقع أو الحساب الإلكتروني لا يقع خارج نطاق التجريم لمجرد أن الفعل الأصلي أصبح يمارس عبر الإنترنت.
وتظهر دائرة أخرى عند انتقال الأموال. فقانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020 وضع نظم وخدمات الدفع تحت رقابة البنك المركزي، كما أصدر البنك المركزي في يونيو 2025 قواعد لترخيص مشغلي نظم الدفع ومقدمي خدمات الدفع، وشملت المؤسسات الموجودة خارج مصر متى كانت تقدم خدماتها إلى عملاء داخل السوق المصرية. ويصبح هذا الجانب أكثر ارتباطًا بملف المراهنات عندما تستخدم المحافظ والحسابات ووسائل الدفع الرقمية في عمليات الإيداع والسحب المرتبطة بالمنصات.
لكن تحديد الوضع القانوني لا يكشف وحده حجم الآثار التي تنتجها المراهنات بعد انتقالها إلى البيئة الرقمية. فالأموال والبيانات والحدث الرياضي نفسه أصبحت جميعها جزءًا من دورة النشاط، وهو ما ينقل النقاش من سؤال التجريم إلى سؤال التداعيات.
عندما تتجاوز الخسارة صاحبها
يظهر الأثر الأول في المال نفسه. فسهولة الوصول إلى المراهنة، وسرعة الإيداع، وإمكانية تكرار الرهان خلال المباراة الواحدة تقلل المسافة بين قرار الإنفاق وتنفيذه. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أضرار القمار قد تبدأ بتحويل الأموال بعيدًا عن الاحتياجات الأساسية للأسرة، بما قد يقود إلى ضغوط مالية ومشكلات في توفير الغذاء أو السكن أو الرعاية الصحية والتعليم.[4] كما تربط المنظمة بين الرقمنة والتسويق واتساع الوصول إلى منتجات القمار، خصوصًا مع إمكانية استخدامها عبر الإنترنت في أي وقت تقريبًا.
وتضيف الطبيعة العابرة للحدود للمنصات بعدًا آخر للمسألة، يتعلق بمسار الأموال بعد انتقالها من المستخدم إلى المنصة. فإذا كان المشغل موجودًا خارج مصر، تصبح معرفة حجم هذه التدفقات والجهات المستفيدة منها جزءًا مهمًا من تقييم الأثر الاقتصادي للنشاط. ولا يقدم المقال رقمًا رسميًا منشورًا يمكن الاستناد إليه لتقدير حجم هذه التدفقات في مصر، وهو ما يجعل قياسها إحدى الفجوات التي تحتاج إلى بحث أكثر دقة.
وطبيعة النشاط نفسها تجعل مسار الأموال أحد المكونات الأساسية في تقييم الظاهرة، وهو ما يفسر أن وزارة الشباب والرياضة أعلنت في مايو 2026 التنسيق مع البنك المركزي المصري بشأن متابعة ورقابة التعاملات المرتبطة بالمراهنات الرياضية، ضمن خطة قالت إنها تشمل جوانب تنفيذية ورقابية لمواجهة المنصات الإلكترونية غير المشروعة.
ولا تقتصر القيمة التي تنتقل عبر المنصة على الأموال. فالحساب الرقمي ينتج بيانات عن التسجيل ووسائل الدفع ومواعيد الاستخدام والرياضات والرهانات التي يفضلها المستخدم، ومع تكرار التعامل تتكون صورة أكثر تفصيلًا عن سلوكه. وتزداد حساسية هذه البيانات عندما تكون المنصة خارج مصر؛ حيث قد يجري تخزينها ومعالجتها في بيئة قانونية وتقنية مختلفة عن تلك التي يوجد فيها المستخدم.
ويصبح الأمر أكثر حساسية عندما ننتقل من السوق في صورتها التجارية إلى المراهنات غير المشروعة. فالإنتربول لا يتعامل مع هذا النشاط بوصفه مجرد مخالفة تتعلق بالقمار، وإنما يربطه في عملياته الدولية بشبكات الجريمة المنظمة وغسل الأموال والتلاعب بالمنافسات الرياضية. وفي عملية SOGA X التي استهدفت المراهنات غير المشروعة المرتبطة بكرة القدم خلال بطولة أوروبا 2024، شاركت 28 دولة وإقليمًا، وأُوقف أكثر من 5100 شخص، وصودرت عائدات غير مشروعة تجاوزت 59 مليون دولار.[5]
وتوضح هذه الوقائع الصلة بين المراهنات غير المشروعة وحركة الأموال من ناحية، ونزاهة المنافسة الرياضية من ناحية أخرى. فمع اتساع أسواق الرهان لتشمل تفاصيل داخل المباراة، تصبح بعض الوقائع الرياضية ذات قيمة مالية خارج الملعب، وهو ما يفسر تعامل الإنتربول مع التلاعب بالمنافسات وغسل العائدات المرتبطة بالمراهنات باعتبارهما جزءًا من ملف واحد، يتطلب تعاون جهات إنفاذ القانون والمؤسسات الرياضية والقطاع المالي.[6]
وهذا البعد حاضر بالفعل في التعامل الرسمي المصري مع الملف. ففي مايو 2026 ربطت وزارة الشباب والرياضة تحركاتها لمواجهة المراهنات بحماية الشباب والحفاظ على نزاهة الرياضة، وأعلنت تشكيل لجنة متخصصة تضم خبرات رياضية وقانونية وتكنولوجية لدراسة الظاهرة ووضع آليات للتعامل معها، إلى جانب التنسيق مع الجهات المعنية.
الموقف الشرعي: فتوى الأزهر تحسم طبيعة الممارسة
وإلى جانب الوضع القانوني، يوجد في الحالة المصرية موقف شرعي واضح تجاه الصورة الرقمية الحديثة للمراهنات الرياضية. ففي 15 يوليو 2024 تناول مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بصورة مباشرة انتشار المجموعات والتطبيقات التي تقوم على دفع الأموال مقابل توقع نتائج المباريات أو عدد الأهداف أو غيرها من مجريات اللقاء.[7]
ووصف مركز الأزهر هذه الممارسة بأنها » عين القمار المحرم« عندما يدفع المشاركون الأموال ثم يحصل الفائز على ما دفعه المشاركون ويخسر الباقون.
واستند المركز إلى تحريم الميسر في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ المائدة: 90-91
وبعد وضوح الموقف القانوني والشرعي، ينتقل النقاش إلى مسألة مختلفة: أدوات التعامل مع المنصات غير المشروعة. وتفيد الخبرات الدولية هنا باعتبارها تجارب في تعطيل الوصول والتشغيل وحركة الأموال، لا باعتبارها نماذج قانونية قابلة للنقل إلى مصر.
وهذه النقطة تقود إلى المرحلة الأخيرة من النقاش: فإذا كان الموقف القانوني قائمًا، والموقف الشرعي واضحًا، وأصبحت التداعيات تمتد إلى المال والبيانات ونزاهة الرياضة، فإن السؤال المتبقي ليس ما إذا كانت الظاهرة تستحق المواجهة، وإنما كيف يمكن أن تكون المواجهة أكثر ملاءمة لطريقة عملها الجديدة؟ وهنا تصبح الخبرات الدولية مفيدة، ليس لاستنساخ نماذجها، وإنما لمعرفة ما الذي نجح في تعطيل دورة المراهنات غير المشروعة، وأين ظهرت حدود الحجب أو التجريم عندما استخدما منفردين.
ماذا تقول التجارب الدولية؟
لا تقدم الخبرات الدولية نموذجًا واحدًا؛ فالدول تختلف في موقفها القانوني من المراهنات، بين السماح المنظم والحظر بدرجات مختلفة. لكن المقارنة تكشف مسألة أكثر أهمية بالنسبة إلى الحالة المصرية: الأدوات التي تركز على الموقع الإلكتروني وحده تواجه صعوبة أمام نشاط يستطيع تغيير نطاقه، أو نقل التسويق إلى قناة أخرى، أو استخدام مقدم خدمة مختلف لاستقبال الأموال والوصول إلى المستخدمين.
تظهر التجربة الأسترالية هذه المشكلة بوضوح. فالهيئة الأسترالية للاتصالات والإعلام ACMA تستخدم حجب المواقع كإحدى أدوات مواجهة المقامرة الإلكترونية غير القانونية، ولا يقتصر الحجب على مواقع المشغلين أنفسهم، بل يمتد أيضًا إلى مواقع التسويق بالعمولة التي تحيل المستخدمين إليها. وحتى 15 يوليو 2026، كانت الهيئة قد طلبت حجب 1,774 موقعًا للمقامرة غير القانونية والتسويق المرتبط بها منذ بدء استخدام هذه الآلية في نوفمبر 2019، فيما خرج أكثر من 230 مقدم خدمة غير قانوني من السوق الأسترالية منذ تشديد إجراءات الإنفاذ في 2017.[8]
أما بريطانيا، فعلى الرغم من اختلاف نموذجها القانوني جذريًا عن مصر لأنها تسمح بالمراهنات داخل سوق مرخصة، فإن تجربتها مع السوق غير المرخصة تقدم درسًا آخر. فاستراتيجية هيئة المقامرة البريطانية لم تعد تقوم على ملاحقة المشغل وحده، وإنما تمتد إلى العناصر التي تساعده على العمل والوصول إلى الجمهور، بما يشمل شركات الاستضافة ومسجلي النطاقات ومحركات البحث ومنصات التواصل ومقدمي خدمات الدفع.[9] وتوضح الهيئة أن الهدف هو جعل تشغيل المراهنات غير القانونية على نطاق واسع أكثر صعوبة، من خلال الضغط على هذه الحلقات مجتمعة.
وتكشف الإجراءات الفعلية حجم هذا التوسع في أدوات المواجهة. فمنذ أبريل 2024، أحالت هيئة المقامرة البريطانية مئات الآلاف من روابط المواقع غير القانونية إلى محركات البحث، وأدت هذه الإجراءات إلى إزالة أعداد كبيرة منها، بالتوازي مع مخاطبة شركات الاستضافة ومسجلي النطاقات واتخاذ إجراءات ضد المعلنين والمسوقين بالعمولة. كما بدأت الهيئة استخدام بيانات المعاملات وإحالة بعض الحالات إلى شركات الدفع بهدف تعطيل التدفقات المالية المرتبطة بالمواقع غير المرخصة.[10]
والمشترك بين التجربتين ليس الترخيص أو الحجب في حد ذاتهما، وإنما الانتقال من استهداف الموقع إلى استهداف دورة التشغيل. فالموقع يحتاج إلى أن يظهر أمام المستخدم، وأن يصل إليه الإعلان أو رابط الإحالة، وأن توجد بنية تقنية تستضيفه، وأن يستطيع استقبال الأموال وإعادتها. وكل حلقة يمكن تعطيلها تقلل قدرة المنصة غير القانونية على العمل، حتى إذا استطاعت الاحتفاظ بعنوان إلكتروني جديد.
في الحالة المصرية، يترجم هذا الدرس إلى ربط ثلاث حلقات تظهر بالفعل في مسار النشاط: الوصول إلى المستخدم عبر المواقع والإعلانات وروابط الإحالة، وحركة الأموال عبر وسائل الإيداع والسحب، والأطراف التي تساعد على تشغيل هذه الحلقات داخل السوق. ويظل الحجب أداة مهمة لتعطيل الواجهة، لكنه يصبح أكثر فاعلية عندما يقترن بمتابعة القنوات التي تعيد توجيه المستخدم إلى نطاق بديل ومسار الأموال المرتبط بالنشاط.
ولا يقتضي ذلك بالضرورة إنشاء جهة جديدة، بقدر ما يقتضي أن تصل المعلومات المتاحة لدى الجهات المختصة بالاتصالات والمدفوعات والرياضة وإنفاذ القانون إلى صورة مشتركة عن النشاط. وتوفر التحركات القائمة بالفعل نقطة بداية؛ فقد أعلنت وزارة الشباب والرياضة التنسيق مع البنك المركزي بشأن متابعة ورقابة التعاملات المرتبطة بالمراهنات، بما يفتح مجالًا لربط الرصد الرياضي بمسار الأموال بدل التعامل مع كل جانب بصورة منفصلة.
الخلاصة
تكشف المراهنات الرياضية الرقمية في مصر عن مفارقة واضحة: الموقف من أصل النشاط معروف قانونيًا وشرعيًا، لكن البيئة التي أصبح يعمل من خلالها أكثر تعقيدًا من صورة الرهان التقليدية. فالمستخدم قد يصل إلى منصة خارج البلاد عبر قناة ترويجية، ويمول حسابه بأداة دفع رقمية، بينما تتوزع البيانات والخدمات التقنية والأطراف المساعدة بين أكثر من جهة ونطاق قانوني.
ولهذا تبدو الأولوية في المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الجهات المعنية على ربط ما تراه كل منها من النشاط. فحجب الموقع يعالج قناة الوصول، ومتابعة المدفوعات تكشف جانبًا من حركة الأموال، ورصد الإعلان والإحالة يكشف مسار استقطاب المستخدم، بينما ترتبط الجهات الرياضية بمتابعة ما قد يمس نزاهة المنافسة. وتصبح قيمة هذه الأدوات أكبر عندما تعمل على الواقعة نفسها بدل أن يظل كل مسار منفصلًا عن الآخر.
وتبقى فجوة أساسية لم يحسمها المقال: الحجم الفعلي للمراهنات الرقمية في السوق المصرية. فلا يكفي إثبات وجود الظاهرة أو رصد بعض طرق عملها لتقدير وزنها الاقتصادي والاجتماعي. ويحتاج تقييمها إلى بيانات أكثر انتظامًا عن المنصات الأكثر وصولًا إلى المصريين، وطرق الدفع المستخدمة، وحجم المشاركة، ومسارات الترويج، والإحالة.
عندئذ يمكن قياس نجاح المواجهة بصورة أدق؛ ليس فقط بعدد المواقع التي جرى حجبها، وإنما بمدى تراجع قدرة النشاط على جذب مستخدم جديد، وتحريك أمواله، والعودة إليه عبر قناة بديلة.
[1] Industry Statistics – Annual report – Financial year April 2024 to March 2025 – Official statistics
[2] Remote gambling and software technical standards (RTS) – RTS 15 – In-play betting
[3] https://sis.gov.eg/ar/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%8A-%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%B9-%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AA%D8%A8%D8%B7%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B5%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%A1/
[4] https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/gambling
[5] https://www.interpol.int/ar/1/1/2024/5-100
[6] https://www.interpol.int/ar/4/2/2
[7] https://azhar.eg/fatwacenter/fatwa/ebadat/ArtMID/7985/ArticleID/84118
[8] https://www.acma.gov.au/articles/2026-07/latest-illegal-online-gambling-websites-blocked
[9] https://www.gamblingcommission.gov.uk/about-us/guide/how-we-tackle-illegal-gambling
[10] https://www.gamblingcommission.gov.uk/report/illegal-online-gambling-disruption-of-illegal-online-gambling/summary-of-disruption-activity-disruption-of-illegal-online-gambling





























