تغيرت تحديات العالم منذ 13 مارس 2020 عندما أعلنت منظمة الصحة العالمية أن فيروس كورونا يمثل جائحة، منذرة ببدء أزمة صحية لها تداعيات إنسانية واقتصادية واجتماعية وأمنية وسياسية. فظهرت الحاجة إلى تضافر جهود العالم للإنذار المبكر بالأمراض المعدية والأوبئة من خلال أنظمة الترصد الفعالة. فأصبح الترصد الوبائي على قمة أولويات الدول لمنع انتشار الأمراض واحتوائها والتقليل من تداعياتها.
وعلى الرغم من أن وباء فيروس كورونا لم يكن الأول من نوعه ولم يكن أكثر فتكًا من الأوبئة التي تعرضت لها البشرية قبل ذلك، إلا أن ذاكرة العالم ضعيفة، فالتاريخ يدلنا على أنه كانت هناك أوبئة أكثر فتكًا من كورونا، وعلى رأسها “الموت الأسود” (الطاعون الدبلي)، الجدري، الأنفلونزا الإسبانية، ومنها ما هو مستمر حتى الآن مثل الإيدز، والأرجح أن جانبًا كبيرًا من التحسن في قدرة البشرية على تقليل مخاطر فيروس كورونا يرجع إلى تطور استراتيجيات وأساليب الترصد الوبائي.
الترصد الوبائي ودوره في الصحة العامة
تم تعريف الترصـد من قبل كل من منظمة الصحة العالمية ومراكز مكافحة الأمراض الأمريكية بأنه: جمع وتحليل وتفسير البيانات الصحية بصورة نظامية مستمرة لكي تسهم في تخطيط وتنفيذ أنشطة الصحة العامة للوقاية من الأمراض ومكافحتها من خلال إتاحة البيانات بصورة فعالة في التوقيت المناسب.
ويمكن للترصد أن يكون للأمراض السارية (كالأوبئة والأمراض المعدية)، كما يمكن أن يكون للأمراض غير السارية أو المزمنة التي تدوم فترات طويلة (كأمراض القلب، السكتة الدماغية، السرطان، السكر، وأمراض الجهاز التنفسي).
مخطط الترصد الوبائي
يشمل الترصد عادة ستة أنشطة أساسية هي (الكشف، والتسجيل، والتأكيد، والإبلاغ، والتحليل، وردود الفعل)، والتي يتم تنفيذها من خلال أربعة أنشطة داعمة هي (اتصالات وتدريب وإشراف وتوفير موارد).
للترصد طرق كثيرة منها:
أ) الترصد القائم على المؤشرات: هذا هو الأسلوب التقليدي للترصد، ويعتمد على البيانات المبلغة من سجلات المرضى والأمراض المطلوب الإبلاغ عنها بكل دولة، ويتميز بالآتي: تكلفته منخفضة بالإضافة إلى أنه يقوم بتوضيح البيانات المرجعية لتحديد الاتجاهات والنتائج، لكن قد يعيبه عدم شمولية البيانات، سواء لعدم ظهور أعراض كافية، أو عدم الاتجاه للعلاج بالمستشفيات.
ب) الترصد النشط أو الفعال: الذي يتم عن طريق الكشف النشط عن الحالات والمراقبة المعملية، عن طريق تحاليل الدم، وكذلك الدراسات الاستقصائية الصحية. وعلى الرغم من جودة ودقة هذه الطريقة إلا أن تكلفتها مرتفعة.
جـ) الترصد الحارس: ويعتمد على بيانات صحية صادرة عن مؤسسات أو مجموعات محددة، فيكون قادرًا على رصد الأمراض والأوبئة، إلا أنه قاصر على المجموعات المحددة التي يتم ترصدها، أي أنه لا يمكن تعميم النتائج التي يتم الحصول عليها بهذه الطريقة.
د) ترصد الشائعات: من خلال متابعة مصادر معلومات غير رسمية (مدونات، مواقع نقاش، إعلام، شائعات، وسائل التواصل الاجتماعي)، فهي وسيلة غير مكلفة، هذا بالإضافة إلى كونها إنذارًا مبكرًا للسلطات لتفشي الأمراض.
هـ) ترصد المتلازمات: من خلال مراقبة المتلازمات المرضية أو تعريف الحالة أو من خلال مؤشرات مثل: التغيب، أو زيادة الطلب على شراء أدوية معينة. فهذه الطريقة تتيح الإنذار المبكر من خلال الأنظمة الآلية.
و) الترصد الشبكي باستخدام الذكاء الصناعي: وهو الأعلى تعقيدًا والأكثر تنبؤًا بالأوبئة واتجاهاتها ونمذجة استجابة الصحة العامة وتقييمها.
يتم تصنيف الحالات التي تم رصدها بنظم الترصد المختلفة، وعادة ما يتم تقسيم الحالات إلى فئات ثلاث، هي:
- الحالـة الممكنـة: حيث تتوافر في الحالة معاييـر سـريرية فقـط، وهـي الأعـراض والعلامـات الحيويـة المحـددة للمـرض.
- الحالــة المحتملــة: تتوافر فيها المعاييــر الســريرية والوبائيــة والفحوصــات المعملية المبدئيــة، إن وجــدت.
- الحالــة المؤكــدة: تعتمــد علــى جميــع معاييــر الحالــة الممكنــة والمحتملــة، إضافة إلــى التحاليــل المعملية المؤكــدة.
يتمثل دور الترصد الوبائي في الصحة العامة في توفير المعلومات التي يمكن استخدامها في الإجراءات الصحية في التوقيت المناسب من قبل متخذي القرار والمسئولين والمجتمع لتوجيه سياسة وبرامج الصحة العامة. ويمكن قياس فاعلية نظام الترصد من خلال:
- حساسـية نظـام المراقبـة الوبائيـة: قـدرة النظـام علـى اكتشـاف معظـم الحـالات الإيجابيـة الصحيحـة والتقليـل مـن الحـالات السـلبية الخاطئـة.
- القيمـة التنبؤيـة الإيجابيـة لنظـام المراقبـة الوبائيـة: قـدرة النظـام علـى اكتشـاف معظـم الحـالات الإيجابيـة الصحيحـة، والتقليـل مـن الحـالات الإيجابيـة الخاطئـة.
- توقيـت البيانـات: الوقــت المحــدد بيــن ظهــور الحالــة حتــى تســجيلها لــدى الجهــة المســئولة عــن تطبيــق الاشــتراطات الوقائيــة والتحقــق منهــا.
- تمثيـل البيانـات: نسـبة عـدد السـكان الذيـن يُغطيهـم نظـام المراقبـة الوبائيـة إلى عـدد السـكان الإجمالـي في منطقـة جغرافيـة محـددة.
الترصد الوبائي في مصر
شهدت مصر العديد من الأوبئة الفتاكة مثل الملاريا، والطاعون، والكوليرا. في القرن الماضي، كان التعامل مع الأوبئة عن طريق والتباعد أو العزل، وإغلاق المؤسسات من مدارس ومعاهد، ووقف حركة المواصلات، والحجر الصحي. ففي عهد محمد علي باشا -والي مصر- اتُّخذت العديد من الإجراءات الوقائية لحماية مصر من الأوبئة ومنع تفشي الأمراض. وفي عام 1812، مع تفشي وباء الطاعون في إسطنبول تم فرض حجر صحي بحري على السفن القادمة من إسطنبول وتم إنشاء مستشفى للأمراض المعدية بدمياط. ومع ظهور الكوليرا بمصر عام 1831، أُنشئ أول مقر مجلس حجر صحي دولي في العالم بالتعاون مع القوى الأوروبية والذي كان هدفه ليس فقط تطبيق الحجر الصحي على الوافدين من أوروبا، وعدم تعطيل التجارة المصرية، بل أيضًا بناء قاعدة بيانات دقيقة بكل السفن الخارجة من الإسكندرية في اتجاه أي من الدول المشاركة في المجلس. كما تم إنشاء حجر صحي بجوار الموانئ المصرية بالإسكندرية والسويس ودمياط، حيث يتم خضوع المسافرين، من تجار وغيرهم، لحجر بجوار ميناء المدينة لمدة 14 يومًا، وقد يصل إلى 40 يومًا، قبل دخول البلاد.
أما الآن فتقوم الإدارة العامة للوبائيات والترصد، عن طريق فرق بالإدارات والمديريات الصحية والمستشفيات العامة والخاصة، من خلال البرنامج القومي الإلكتروني لترصد الأمراض المعدية National Electronic Disease Surveillance System (NEDSS)، بجمع البيانات من 542 مستشفى على مستوى الجمهورية، بالإضافة إلى الخط الساخن الخاص بالأمراض المعدية. ونشأ هذا النظام منذ أواخر التسعينيات بدعم من وزارة الصحة والسكان ومنظمة الصحة العالمية وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية.
وتضم منظومة الترصد الوبائي المصرية أيضًا مركز البحوث الطبية والطب التجديدي، والذي تم إنشاؤه بناء على قرار جمهوري رقم 605 لسنة 2017، بغرض الترصد البيولوجي الخاص بمعرفة التغير في جينات الأوبئة والميكروبات المسببة للأمراض، للتنبؤ باي تحور جيني أو خطر بيولوجي.
ينظم أنشطة الترصد الوبائي في مصر قانون الاحتياطات الصحية للوقاية من الأمراض المعدية رقم 137 لسنة 1958، والمتوافق مع اللوائح الصحية الدولية 2005International Health Regulations(2005) (IHR 2005). ووفقًا لهذا القانون تقوم السلطات بتحديد قوائم بالأمراض التي يجري ترصدها، بحيث يتم التعامل مع الأمراض الواردة في كل قائمة وفقًا لطبيعتها. فالمجموعة (ا) تضم الأمراض شديدة العدوى، والتي يجب أن يتم الإبلاغ عنها يوميًا. وهناك أيضًا المجموعة (ب)، وتضم الأمراض التي يجب الإبلاغ عنها أسبوعيًا. ويتم تحديث هذه القائمة بناء على الظروف الوبائية ومستجداتها. وقد ألزم القانون في المادة 13 الواردة بالباب الرابع الخاص بالإجراءات الوقائية عند ظهور الأمراض المعدية بأن يتم الإبلاغ عن الحالات المعدية عن طريق: كل طبيب شاهد الحالة، رب أسرة المريض أو من يعوله أو يؤويه أو يقوم على خدمته، القائم بإدارة العمل أو المؤسسة أو قائد وسيلة النقل إذا ظهر المرض أو اشتُبه فيه أثناء وجود المريض في مكان منها، والعمدة أو الشيخ أو ممثل الجهة الإدارية على الترتيب.
قائمة الأمراض المعدية الخاضعة لنظام الترصد
تقليديًا اعتمد الترصد في مصر أسلوب الترصد القائم على المؤشرات، ثم تطور ليشمل الترصد القائم على الأحداث (Community event-based surveillance (CEBS) )، وهو نوع من أنواع الترصد الشبكي، يقوم بالتقاط منظم وسريع للمعلومات من المجتمع حول الأحداث التي تشكل خطرًا محتملًا على الصحة العامة. ويُعنى الترصد القائم على الأحداث بمتابعة التقارير والشائعات وغيرها من المعلومات حول الأحداث الصحية التي يمكن أن تشكل خطرًا جسيمًا على الصحة العامة. المعلومات التي يتم الحصول عليها بهذه الطريقة غير منظمة وغير معيارية، ومع هذا فإن هذا النظام أثبت فاعلية في اكتشاف الأحداث غير العادية التي قد تشير إلى تفشي المرض. ويمكن أن تأتي المعلومات التي يتم الحصول عليها من خلال مصادر متعددة، أهمها:
أ. المستشفيات.
ب. الخط الساخن.
ج. مسح وسائل الإعلام والوسائط من خلال تتبع الكلمات الاستدلالية مثل: تسمم، قمامة، طعام فاسد، وباء، نفوق طيور أو حيوانات، تجمع قمامة، مجاري، عدوى، بعوض، صحة بيئية، صرف صحي، عقر، فيروس، حجر صحي، حميات، دخول مستشفى، وغيرها من الكلمات الاستدلالية.
د. قائمة من المواقع الرئيسية، وتشمل: المصري اليوم، أخبار اليوم، اليوم السابع، وكذلك إنذارات جوجل.
وقد تم تطبيق الترصد القائم على الأحداث على ثلاث مراحل:
- المرحلة الأولى اعتمدت على التقارير الورقية، من خلال (الخط الساخن ومسح الوسائط)، وقد بدأت واكتملت عام 2015.
- المرحلة الثانية: توسعت بإضافة التقارير الإلكترونية، من خلال (مسح الوسائط والمراقبة المجتمعية القائمة على الأحداث)، وبدأت عام 2016 واكتملت عام 2019.
- المرحلة الثالثة: البحث التلقائي، من خلال مسح الوسائط والمراقبة المجتمعية القائمة على الأحداث، وقد بدأ تنفيذها منذ عام 2020.
مراحل تطور نظام الترصد المصري القائم على الأحداث (EBS)
وقد أثبت هذا النظام أنه أقوى الأنظمة للترصد والإنذار المبكر بالأمراض في الدول العربية والشرق الأوسط وإفريقيا، بناء على تقييم كل من المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية ومراكز مكافحة الأمراض الأمريكية في سبتمبر وأكتوبر 2018، وكذلك في مارس 2020.
مخطط عن الإدارة العامة للوبائيات والترصد بوزارة الصحة