أولاً: الموقف الأمريكي.. فلسفة “الخيار الجراحي” وكسر الهيبة
لم تكن الضربات الجوية المكثفة والمتتالية التي شنتها الولايات المتحدة مؤخراً ضد أهداف حيوية ومنشآت مراقبة ودفاع جوي تابعة للحرس الثوري الإيراني مجرد رد فعل تقليدي، بل هي ترجمة عملية لعقيدة “الردع من خلال القوة الفائقة” التي يعتمدها الرئيس ترامب.
تتحرك واشنطن في هذا التوقيت بالذات مدفوعة بعدة أهداف استراتيجية:
الرد الفوري والتحجيم العسكري: جاءت الضربات الأخيرة كعقاب حاسم ومباشر بعد استهداف قوات أمريكية (كما حدث في جبهة الأردن)، لإرسال رسالة قطعية بأن دماء الجنود الأمريكيين خط أحمر لا يخضع للمناورات الدبلوماسية.
فرض “الاستسلام الاستراتيجي” لا الغزو: لا يرغب ترامب في الانزلاق نحو حرب برية شاملة ومكلفة تستنزف الاقتصاد الأمريكي وترفع أسعار الطاقة عالمياً وداخلياً، وهو ما يتجنبه بذكاء تاجر السياسة. بدلاً من ذلك، يعتمد على “حملات جوية جراحية مجهِضة” لتفكيك البنية التحتية العسكرية، وتقويض قدرة طهران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، بهدف إجبار القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات بنيوية شاملة.
التوظيف السياسي لـ “عدم القدرة على التنبؤ”: يعتمد ترامب على رفع سقف لغة التهديد مثل التلميح باستهداف حقول النفط أو المنشآت المحصنة ــ لخلخلة ثقة صانع القرار الإيراني وبناء ضغط نفسي موازٍ للضغط العسكري والاقتصادي.
ثانياً: هل تؤثر التهديدات الأمريكية على العقلية الإيرانية؟
هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تنجح هذه السياسة الأمريكية الخشنة في تطويع الموقف الإيراني، أم تأتي بنتائج عكسية؟
الحقيقة أن تأثير هذه التهديدات والضربات يعمل كـ “سلاح ذي حدين” داخل مطبخ القرار الإيراني:
تأثير محفز للتصعيد (سوء التقدير): في ظل سيطرة “التيار الأكثر تشدداً” والحرس الثوري على القرار الإيراني، وتراجع دور المرشد الأعلى كضابط إيقاع تقليدي، فإن الحشود الأمريكية الضخمة وطائرات الجيل الخامس والتزويد بالوقود قد تُقرأ في طهران على أنها “تهديد وجودي حتمي”. هذا المناخ قد يدفع تيار “غرور القوة” المتطرف في طهران نحو خيار “الضربة الاستباقية” تحت قاعدة “أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم”، مما قد يدفعهم إلى توسيع رقعة الاستهداف لتطال حاملات طائرات أمريكية أو إيعاز الحوثيين بإغلاق باب المندب.
تأثير كابح (الواقعية الاقتصادية): بالمقابل، فإن صرامة الضربات الأمريكية وتصفير الصادرات النفطية تفرض ضغطاً حقيقياً لا يمكن تجاهله. الرسائل والمخاضات الداخلية خلف الكواليس في طهران تثبت أن القيادة تدرك أن استمرار تدمير البنية التحتية (كهرباء، طاقة) سيوصل الوضع المعيشي إلى نقطة الانفجار، مما يفتح الباب أمام فوضى داخلية قد تؤسس لتغيير النظام إذا ما وجدت إسناداً خارجياً. وبالتالي، فإن القوة الأمريكية تؤثر فعلياً في دفع النظام للبحث عن “مخرج موارب” للتفاوض لحماية بقائه. الأمر الذي ظهرت بوادره بسعي إيران إلى استئناف التفاوض لخفض التصعيد، ولكن في الوقت ذاته فإن المفاوض الإيراني صعب ولا يقل عن المفاوض الإسرائيلي في إجادة المراوغة.
ثالثاً: معادلة “الحرب ضد العالم” وغطاء الناتو
لقد نجحت الإدارة الأمريكية في تحويل صراعها الثنائي مع إيران إلى مواجهة بين طهران والمجتمع الدولي. فخلال قمة الناتو الأخيرة، تمكن ترامب من صياغة تفويض دولي صلب وبناء غطاء أطلسي لحماية حرية الملاحة البحرية.
هذا التحرك الدبلوماسي العسكري الأمريكي نزع من يد إيران أوراق ضغطها التقليدية؛ فإذا أقدم الحرس الثوري على خيار انتحاري بإغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، فلن تواجه واشنطن وإسرائيل وحدهما، بل ستكون في حالة حرب شاملة ضد مصالح العالم بأسره (بما في ذلك حلفائها الآسيويون كالصين والهند الذين يعتمدون على هذا الشريان الاقتصادي). هذا الغطاء الدولي يمنح الضربات الأمريكية شرعية كاملة لتدمير بنية التهديد الإيراني كلياً بحراً وجواً.
رابعاً: ميزان القوى الجديد والبحث عن “المفتاح الذهبي”
لقد تغير ميزان القوى عما كان عليه وقت صياغة مسودات التفاهم السابقة بوجود عناصر ميدانية إضافية من الطرفين. ووفق هذه المعطيات، فإن التهديدات والضربات الأمريكية لن تنتج تسوية سياسية ما لم تترافق مع براجماتية من ترامب للانتقال من “الضغط الأقصى المجرّد” إلى صيغة “الحوافز الفورية الملموسة”:
النووي أولاً وتأجيل المعقد: لن تقبل إيران بوضع ملف صواريخها الباليستية على الطاولة حالياً، والمرونة ستنحصر في تجميد نسب التخصيب النووي.
الأموال المجمدة كمخرج لماء الوجه: تحتاج الحكومة الإيرانية لحافز مالي عاجل ــ كالإفراج عن أرصدتها المجمدة في قطر ــ لتسويقه داخلياً أمام المرشد والمتشددين كـ “انتصار اقتصادي” حققته الواقعية السياسية دون التنازل عن الترسانة الدفاعية.
خامساً: هندسة ترامب لضبط الكابح الإسرائيلي
يكتمل المشهد بالدور الأمريكي في إدارة حليفته إسرائيل، الرافضة لأي اتفاق جزئي لا يجرد إيران من كافة أسلحتها. وهنا استخدم ترامب نفوذه لتقديم “جائزة استراتيجية كبرى” لتل أبيب، تمثلت في رعاية اتفاق السلام وضمان الأمن على الجبهة الشمالية مع لبنان، مما عزل جبهات الطوق الإيراني وفتح لترامب مساحة لضبط الاندفاعة الإسرائيلية وإجبارها على منح الدبلوماسية الحذرة فرصة مع طهران.
خلاصة القول:
إن الضربات والتهديدات الأمريكية الحالية ليست تمهيداً لحرب غزو واحتلال، بل هي أداة ضغط جراحية فائقة الخشونة لإجبار إيران على الانصياع الاستراتيجي بشروط واشنطن. نجاح هذا التكتيك يظل رهيناً بمدى قدرة إدارة ترامب على الموازنة بين “عصا” الضربات و”جَزرة” الحوافز الاقتصادية الفورية؛ فغياب الحوافز سيعني أن تيار غرور القوة في إيران سيتجه لتجاوز الخطوط الحمراء، وعندها سيكتب الميدان فصلاً دموياً لن يسلم من كلفته الباهظة أحد.