لا تعد ثورة 23 يوليو 1952 واحدة من أهم الثورات في تاريخ مصر والمنطقة العربية المعاصر فحسب، بل من أهم الثورات التي ارتبطت بحركات التحرر في العالم في اعقاب الحرب العالمية الثانية، وتكمن هذه الأهمية في طبيعة ثورة يوليو، وخصوصية من فجروها، والظروف التي قامت فيها محليا وإقليميا ودولياً، وآليات تعامل نظام ثورة يوليو مع تلك الظروف.
فثورة يوليو من الثورات البيضاء، التي لم تخضب بدماء رموز النظام الذي سعت لإسقاطه، بعد أن آثرت مؤسسة القصر عدم استخدام ما كان تحت سيطرتها من قطاعات الجيش والبحرية لمواجهة حركة الضباط الأحرار وقطاعات الجيش التي انحازات لها، ولعل هذا ما جعل الضباط الاحرار يجرون مراسم وداع عسكرية لأخر ملوك مصر، وحرص اللواء محمد نجيب على المشاركة في تلك المراسم، بعد أن تنازل الملك فاروق عن السلطة، واختار لنفسه منفى اختياري في ايطاليا، في وقت تمسك بالبقاء في مصر عدد كبير من أبناء أسرته، كما لم تقدم الثورة على تصفية جماعات أصحاب المصالح المرتبطة بنظام ما قبل يوليو 1952، ولم ترفع السلاح إلا في وجه من تأمروا عليها، وخططوا لتصفية قيادتها.
ويميز ثورة يوليو 1952 أن من قادوها، وخاطروا من أجل نجاحها كانوا مجموعة من شباب الضباط، الذين تقاربوا عمريا، واجتماعياً، ممن استفادوا من سياسة الحكومة المصرية –حكومة الوفد- بعد ابرام معاهدة 1936، لتطوير الجيش المصري وزيادة عدده وعدته، وكسر احتكار أبناء الاعيان لمراكزه القيادية، وذلك بفتح المجال أمام أبناء الطبقة الشعبية بشرائحها المختلفة، للالتحاق به كضباط، حتى أن أعضاء اللجنة التأسيسية الأحد عشر للضباط الأحرار في أواخر 1949، جاءوا من أصول ريفية، وممن التحقوا بالكلية الحربية سنة 1936وبعدها، حيث التحق ثمانية منهم بها في سنة 1936، أما باقي الأعضاء فالتحقوا بعد ذلك، وقد جاءت هذه المجموعة متقاربة في أعمارها، حيث ولد سبعة منهم في سنتي 1917 و1918، والباقي كان أصغر سناً منهم، والعلاقة بين هؤلاء الضباط بدأت اثناء دراستهم بالكلية الحربية 1936-1939، ونمت وتوطدت تلك العلاقة بعد ذلك من خلال عملهم بصفوف الجيش، الذي أتاح لهم التواصل، والاتفاق على تكوين مجموعة طموحة من الضباط الوطنيين، ممن اقتنعوا بأن مشكلة مصر في الاحتلال، والواجب يفرض عليهم أن يكونوا في طليعة من يعملون للخلاص منه.
وتمتعت مجموعة الضباط الأحرار- رغم صغر سنهم- بوعي سياسي و جرأة يحسدون عليهما، ولولاهما ما نجحت حركتهم، وتجلى وعيهم السياسي في قراءتهم الواعية والمدركة للمشهد السياسي في الداخل والخارج، أما جرأتهم فتجلت في اقدامهم على تغيير النظام الاجتماعي من داخل الجيش، الذي كان على رأسه قيادات تدين بالولاء للملك، وكان فشل مخططهم يعني التضحية بحياتهم، لذا أدي إحساس الضباط الأحرار بخطورة انكشاف مخططهم، الى إقدامهم على الإسراع بتحركهم، فبعد أن قدروا في سنة 1950 أن تنفيذ مخططهم سيكون في عام 1954 أو عام 1955، لحاجتهم الى خمس سنوات للإعداد له، فقد قرروا تقديم موعد تنفيذه إلى 1952 أو 1953، ومرة أخرى قدموا موعد التحرك الي مارس 1952 بعد حريق القاهرة، ولارتباك المشهد السياسي، والحاجة الى مزيد من الوقت للتنسيق مع بعض قطاعات الجيش، أعاد الضباط الاحرار تقييم الموقف، وجاء تحركهم في ليلة 23 يوليو 1952، بعد أن أدركوا أن اشتباك الملك معهم قادم لا محالة، بعد إقدامه على حل مجلس إدارة نادي الضباط، بعد انتخابه، وتحريك أعضائه من مواقعهم بالجيش بما فيهم اللواء محمد نجيب رئيس النادي.
وتحرك الضباط الأحرار لإسقاط النظام جاء في ظروف على المستوى المحلى والإقليمي والدولي غاية في التعقيد، جعلت ما يقوم به الضباط الاحرار مغامرة، تقتضي وضع حسابات دقيقة لكل خطواتها، لاسيما أنهم لم يكن لديهم ظهير شعبي ينتظر تحركه لحماية ثورتهم، اذا ما ضاق بها الحال، وتآمر عليها القصر، وسلطات الاحتلال وداعموها من المعسكر الغربي، وتنكرت لها القوى السياسية الفاعلة في الشارع عندئذ، والتي درجت طيلة عملها السياسي على الانحياز لمصالحها، بما في ذلك القوى السياسية التي اهتم الضباط الاحرار بالتنسيق معها.
جاء تحرك الضباط الأحرار في وقت كان الوضع في مصر قد بلغ من التأزم مبلغه، على كل الأصعدة، فعلى المستوى السياسي كان الاحتلال مازال قائماً، بعد فشل كل جولات التفاوض المصرية-البريطانية، لتسوية المسألة المصرية، واستمرار انتشار القوات البريطانية بأهم المدن المصرية، وبخاصة مدن القناة والقاهرة والاسكندرية، رغم الغاء معاهدة 1936، وتصاعد حركة الكفاح المسلح بمنطقة القناة، بعد مذبحة الإسماعيلية، وحريق القاهرة. وتمسك بريطانيا بالبقاء في مصر وعدم الالتزام بالوعود التي قدمتها لمصر قبيل الحرب العالمية الثانية، التي دارت على أراضيها رحى اهم معاركها الحاسمة (معركة العلمين)، وتحمل المجتمع المصري جزء كبير من تبعاتها. وعلى المستوي الاقتصادي ظلت لسياسة الاحتلال البريطاني تأثيرها على الاقتصاد المصري، بشكل أبقي على تبعيته للسوق الرأسمالية العالمية، وبخاصة البريطانية، بعد أن تعثرت محاولات بنك مصر لتصنيع البلاد، بعد الازمة التي دبرت له قبيل الحرب العالمية الثانية، الامر الذي أدى إلى استمرار اعتماد الاقتصاد المصري على الخارج في تسويق معظم مواده الأولية الزراعية، وبخاصة القطن، واعتماد السوق المصرية على الخارج في تغطية كل احتياجاتها من السلع. في الوقت الذي كان يعاني فيه المجتمع المصري من تداعيات المسألة الاجتماعية، والمتمثلة في انتشار الفقر، والجهل، والمرض، نتيجة سوء توزيع الثروة، وسيطرة طبقة النصف بالمئة عليها، ومعاناة غالبية المصريين من البطالة وتدني الأجور، وارتفاع الأسعار، ونفقات المعيشة، وسوء الخدمات الصحية، وانتشار الامراض والاوبئة، وكذلك الامية بدرجة كبيرة.
وبينما كان الضباط الاحرار يقومون بثورتهم للتخلص من حكم اسرة محمد على، وانهاء الاحتلال البريطاني للبلاد، كانت بريطانيا وفرنسا تسعيا لاستعادة نفوذهما وتكريسه في المنطقة العربية، رغم خروجهما من الحرب مجهدتين، وفي حاجة لتجاوز تداعيات الحرب على مجتمعيهما. فرغم خروج بريطانيا من الحرب متعبة، واهتمامها بإعادة بناء المجتمع البريطاني، وتخليها عن الهند في 1947، فقد تمسكت بنفوذها في المنطقة العربية، بما فيها مصر، لكن تغير موازين القوى في العالم بعد الحرب، وقناعتها بصعوبة احتفاظها بنفوذها في المنطقة بمفردها، دفعها لأن تقبل بالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة فيها، بما في ذلك ليبيا، التي آلت إدارتها لهما بعد هزيمة إيطاليا- التي كانت تحتلها- في الحرب، في وقت كانت الولايات المتحدة تعمل بجد لمشاركة بريطانيا في ثروات المنطقة النفطية. كذلك تمسكت فرنسا رغم خروجها من الحرب مجهدة، بالاحتفاظ بسيطرتها على مستعمراتها في المغرب العربي، ونفوذها في سوريا ولبنان.
وعلى المستوي الدولي قامت ثورة يوليو في وقت تصاعدت فيه الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية، بين المعسكرين الشرقي والغربي، وتصاعدت سياسات الاستقطاب التي طالت المنطقة العربية، لأهمية موقعها الاستراتيجي، وثرواتها النفطية لمعسكري تلك الحرب. فالاتحاد السوفيتي الذي استطاع أن يصمد في الحرب العالمية الثانية امام الهجمات الألمانية، بفضل خط الإمداد والتزويد الذي توفر له عبر الخليج العربي، و إيران، دفعه لأن يسعي مع بداية الحرب الباردة لخلق نفوذ له بالمنطقة، يمكنه من إيجاد ممرات عبر تركيا وإيران الي المياه الدافئة، وكسر سياسة الحصار التي يسعى الغرب لفرضها عليه، والسعي لمقاسمة الغرب في ثروات المنطقة العربية النفطية، في حين كان الغرب يرى أن الحرب الباردة تفرض عليه التمسك باستمرار سيطرة بريطانيا على المنطقة، وزيادة نفوذها بها، وعمل الولايات المتحدة الامريكية معها لإقامة حلف شرق اوسطي يمكنهما من فرض حصار على الاتحاد السوفيتي، يحول بينه وبين الوصول إلى المياه الدافئة، و مناطق الثروات النفطية بالمنطقة العربية، لهذا دخلت الولايات المتحدة في مفاوضات مع بريطانيا لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة بشكل يتيح لهما أقامه إقليم شرق أوسطي، يستوعب إسرائيل، والمنطقة العربية، و تحويل القاعدة البريطانية في قناة السويس، الى مركز لقيادة الاقليم، حتى أن بريطانيا وبدعم امريكي ضغطت على نظام ثورة يوليو للانخراط في حلف شرق أوسطي، لحماية مصر و الدول العربية من أي تهديد خارجي، بدعوى أن إمكانات مصر العسكرية لا تمكنها من القيام بهذا، بعد خسائر جيشها في حرب 1948، وصعوبة تعويض تسليحه، في ظل ارتباط هذا التسليح بإرادة بريطانيا.
في هذه الظروف تحرك الضباط الأحرار لتغيير النظام الاجتماعي، ونجحوا بعد ساعات من تحركهم في منتصف ليل 23 يوليو من السيطرة على مقار الجيش، والاسطول بالقاهرة والإسكندرية، ودفع الملك فاروق الى التنازل عن العرش، ومغادرة البلاد، والاتجاه – على عجل- لمواجهة الاحتلال، فقدموا الدعم لحركة الكفاح المسلح بمنطقة القناة، واهتموا بتحسين أوضاع الجيش، في الوقت الذي احتفظوا فيه بالتواصل مع بريطانيا والولايات المتحدة، والذي حاولا من خلاله إقناع نظام ثورة يوليو بالانخراط في حلف شرق اوسطي، لمواجهة الخطر السوفيتي، بيد أن نظام ثورة يوليو، لم يستجب لرغبة المعسكر الغربي، لقناعته بان الخطر الذي يهدد مصر والمنطقة العربية يأتي من وجود إسرائيل، وليس من الاتحاد السوفيتي، الذي فضل نظام ثورة يوليو الالتزام بسياسة عدم الانحياز على الانحياز له، في الوقت الذي اقدم فيه على اتخاذ قرارات تستجيب لاحتياجات المجتمع المصري الاجتماعية والسياسية، حيث أصدر في 9 سبتمبر 1952 قانون الإصلاح الزراعي، وفي ديسمبر من نفس العام الغى دستور 1923، وفي 16 يناير 1953 تم حل الأحزاب السياسية، وانهاء الملكية والاعلان عن قيام الجمهورية، والاعلان عن دعم حركات التحرر في العالم، لاسيما في العالم العربي، وقارة افريقيا باعتبارها احد الدوائر التي اهتم نظام ثورة يوليو بإقامة علاقات مع كياناتها السياسية، للخروج من العزلة التي كان يسعى الغرب لحياكتها حوله. ونجاح نظام ثورة يوليو في التعامل مع الظروف التي أحاطت بالثورة داخليا وإقليميا ودولياً جعلها تمثل نقطة تحول مهمة في تاريخ مصر المعاصر.