علاقة الاخوان بثورة 23 يوليو 1952، قبل قيامها وعند قيامها، لعبت الجماعة في توثيقها والحديث عنها، على كل الحبال واستخدمت كل الحيل، ولوت أعناق النصوص والحوادث، وأعادت تفسير الصور وحاولت استخدام كل وسائل التعمية واللعب بالالفاظ والتعسف في التحليل؛ لتقديم ثورة 23 يوليو على إنها ثورة إخوانية التخطيط والتنفيذ، وكان من أهم من اتبع هذا المنهج، مجموعة من قادة الاخوان منهم: محمد حامد أبو النصر، في كتابه “حقيقة الخلاف بين الاخوان المسلمين وعبد الناصر”، عبد المنعم عبد الرؤوف، في كتابه “أرغمت فاروق على التنازل عن العرش”، وصلاح شادي، في كتابه “صفحات من التاريخ الاخوان السلمون وسنوات الحصاد” وحسين حمودة، في كتابه “أسرار حركة الضباط والاخوان المسلمين” وأحمد عادل كمال، في كتابه “الاخوان المسلمين والنظام الخاص” وغيرهم كثير.
استغل هؤلاء وغيرهم اتصال بعض الضباط الأحرار بالجماعة ورجالها وجعلوا ذلك دليل على أن هذه الثورة ثورة إخوانية، ووصل الأمر بهم أن قالوا، إن الثورة فكرة حسن البنا في الاربعينيات وأنه قد تواصل في ذلك مع بعض الضباط الاحرار لتنفيذها؛ واشتط بهم الأمر؛ فأطلقوا على تنظيم الضباط الاحرار “تنظيم جماعة الاخوان الضباط” وأن تنظيم الضباط الاحرار كان فرعا من الجماعة، وزاد بهم الامر؛ فقالوا إن عبدالناصر “نبتة إخوانية”، وأن حسن البنا ترك وصية، إذا مات فليحل محله أحد الرجلين عبد الرحمن السندي قائد الجناح العسكري، أو جمال عبد الناصر ونظرا لأن عبد الرحمن السندي كان مسجونا وجمال عبد الناصر كان في فلسطين؛ فاختاروا “حسن الهضيبي” ليحل محل حسن البنا ويصبح مرشدا عاما للجماعة، ليس هذا فحسب فزعم كُتابهم ومُنظروهم إن موعد قيام الثورة تم تأجيله يوما كاملا من ليلة 22 يوليو إلى ليلة 23 يوليو، حتى تأتي موافقة حسن الهضيبي المتواجد في الاسكندرية، وزعموا أن الثورة لم تكن لتقوم دون موافقته، وأن رفضهم دعم الثورة، كان من الممكن أن يؤدي إلى فشلها، أو تأجيلها، ولم يكتفوا بهذا، بل إن كثيرا من صغائر الاحداث والزيارات المتبادلة واللقاءات في الندوات، ضخمتها العقلية الاخوانية في كتاباتها وأحاديثها، وشب عليها أجيال من الجماعة واقتنعت اقتناعا يصل إلى اليقين أن تنظيم الضباط الاحرار إخواني الهوى والمبدأ والفعل، وأن الاخوان صنعوا ثورة 23 يوليو.
حاولت كتابات الاخوان، تعظيم وإبراز دور الجماعة في الثورة؛ فادعت أنها اقتسمت الأدوار مع الضباط الاحرار مناصفة، وإنها تحملت العبء الأكبر في أحداث الثورة، حيث قامت بحماية المنشآت العامة ودور العبادة والأنشطة التجارية والسفارات الاجنبية، ومراقبة تحركات الأشخاص المشبوهين والاستعداد لنزول فرقهم، في حالة تقاعس الشرطة، والنزول إلى الشارع؛ لإشعال الحماس وحشد التأييد للثورة، وتمركز التنظيم الخاص على طريقي الاسماعيلية والسويس، للقيام بعمليات فدائية في حالة تحرك قوات بريطانيا نحو القاهرة، وزاد بهم تضخيم دورهم بأن وجهوا رجالهم في تنظيم الضباط الأحرار للقيام بأدور بطولية كبيرة !، وذكروا لقواعدهم أن قصر عابدين قاد عملية حصاره عضو الإخوان الضابط أبو المكارم عبد الحي، وقصر رأس التين، تم محاصرته بقيادة الضابط الاخواني عبد المنعم عبد الرؤوف، وأكدوا أن تعليمات المرشد وصلت إليهم ليبذلوا أقصى جهودهم لإنجاح الثورة وإذا فشلت الثورة فإن رجال الإخوان يتولون حماية الضباط الأحرار وتأمين طرق هروبهم.
إذا كانت كل هذه الاعمال قامت بها الجماعة، أو قادرة على القيام بها؛ فماذا تبقى للضباط الأحرار؟!، وإذا كانت الجماعة لديها كل هذه القدرة على الفعل؛ فلماذا لم تقم هي بالثورة، وإذا كان لديها كل تلك الموارد والامكانات؛ فلما لم تقم برد فعل قوي ومؤثر ضد رجال الثورة عندما رفضوا مطالبها، ولماذا لم ينصاع لهم الضباط الاحرار، طالما أن لدي الجماعة كل تلك الامكانات والقدرة على التخطيط والحماية والتحرك في الشارع وقيادة حصار القصور.
التركيز كان واضحا، في كتابات الاخوان على شخص جمال عبد الناصر، لأنهم أدركوا قدر ما قام به، وما أحدثه من تغيير ضخم، ليس في مصر، وإنما في الاقاليم والعالم، إن الصورة التي رسمتها الجماعة لجمال عبد الناصر “الاخواني” متاهفته ولا يصدقها عقل سليم؛ فما أسندوه إليه من روابط بالجماعة، تصوره متشرب بفكر الإخوان ومنغمس فيه إلى أقصى مدى، وعلى استعداد ليضحي بنفسه من أجلهم، طبقا للبيعة على السمع والطاعة كما قالوا؛ فإذا كان كل ذلك حقيقي وعلينا أن نصدقه، فكيف بعد أيام قليلة من نجاح الثورة، يرفض عبد الناصر جميع مطالب الإخوان التي طلبوا منه تنفيذها، وإذا كان بايع البنا واختاره ليخلفه؛ أفلا يجب أن يكون أحرص على تنفيذ هذه المطالب قبل أن تطلب منه، كذب رجال الجماعة واضح وضعف حجمهم جعلتهم يفقدون القدرة على سبك حكايتهم عن ثورة 23 يوليو لهم وتشويه صورة عبد الناصر ووضعه في صورة الخائن للجماعة الخارج عليها، المهدور دمه نتيجة هذه الخيانة لهم.
إن إعمال العقل في الحوادث التي يسردها رجال الجماعة في كتاباتهم وتضليلهم لقواعدهم، لوضعها في حجمها الطبيعي ومقارناتها، بالوثائق الرسمية ومذكرات وكتب قادة ورجال الثورة وبأفعالهم وثقافاتهم وتوجهاتهم ونشاطاتهم ولقاءاتهم برجال الجماعة، التي لم تكن محظورة ووضع ذلك في سياق الزمن وطبيعته، يجعلنا ندرك أن علاقة رجال الثورة بالجماعة، كانت تسير في خط وطني اختطته رجال الثورة، بالتعاون مع الكيانات الفاعلة في الحياة المصرية في ذلك الزمن، للتلاقي على هدف واحد هو مصلحة الوطن وحشد طاقات الجميع نحو ذلك، وإلا فإن من حق حزب《مصر الفتاة》، أن يقول إن رجاله هم من قاموا بالثورة، فقد التقى بهم عبدالناصر وشارك في ثوراتهم، وتردد عليهم في فترات مختلفة بعض رجال الثورة وكذلك الحزب الوطني وحزب الوفد وأيضا التيار الشيوعي، كان الضباط الأحرار يرون أن الجيش والقوى الوطنية على اختلاف توجهاتها صفا واحدا متحدا في العمل الوطني، ولا يعني أن رجال الثورة أعطوا الجماعة اهتماما بسبب قواعدهم الشعبية أنهم أصبحوا إخوان أو أن ثورة 23 يوليو 1952 ثورة الاخوان، إن ثورة 23 يوليو 1952 ثورة وطنية قام بها ضابط يدركون معنى الوطن لدى كل فرد يعيش على أرضه وتحت سمائه ولا يفرق بين أبنائه بسبب العقيدة أو الجنس أو الثقافة.
إن محاولة السطو على الأعمال الكبرى في الثورة مثل تأمين المنشآت والسفارات، والنزول إلى الشوارع وغير ذلك من الادعاءات لم ترصده الصحف أو شاهده الأجانب المقيمين في مصر أو مراسلي الصحف الأجنبية، الذين كتبوا عن تلك الفترة، أو ذكرها الباحثين المهتمين بتاريخ الحركات الاسلامية، حيث من غير المعقول أن تخطط قيادات عسكرية لثورة دون أن تخطط لتأمين المناطق الحيوية والسفارات الأجنبية والطرق المهمة التي يمكن أن يأتي منها الخطر، مثل طريقي السويس والاسماعيلية. إن المراجع والكتابات عن خطط الضباط الأحرار للقيام بالثورة واعتبرت تلك الأعمال ركن مهم في خطة القيام بالثورة؛ بل وزادت المهام طبقا لتطور الاحداث والمعلومات متوفرة، وسوف يجد الجميع كذب الاخوان في ذلك.
وإذا كانت الثورة ثورة الإخوان؛ فلماذا لم يكتبوا بيانها الأول أو يشاركوا في كتابته؟!، ليس هذا فقط بل إن الجماعة لم تصدر بيانا بتأييد الثورة، إلا بعد قيامها بأيام حيث نشرت في 29 يوليو 1952 كغيرها من القوى المصرية، بل وخصت مجلة الدعوة الناطقة باسمهم فقط ببيانها، ولم تنشره في أي جريدة من الجرائد الأخرى الصادرة في مصر، فضلاً عن أنهم قد أطلقوا على الثورة -التي يزعمون أنها ثورتهم- مسمى “إنقلاب”.
من الأمور الفاصلة في هذه القضية، أن كتابات قادة الإخوان عن مشاركتهم في الثورة، جاءت بعد عشرات السنين من قيام ثورة 23 يوليو، وبعد أن فتح لهم الرئيس السادات المجال العام ومكّن لهم العمل، ورأينا المظلومية الإخوانية تنشر في صحفهم ومؤلفاتهم ومذكراتهم للانتقام من الثورة وجمال عبد الناصر، كتبوا وألفوا وهم في أرذل العمر، وقبل أن يودعوا الحياة بقليل، ومارسوا حملة ممنهجة لتزييف وعي تابعيهم، فضخموا من دورهم في الثورة، كجزء من الانتقام، وزيادة رصيد الجماعة، للمحافظة على مكانتها؛ لدي أبنائها واكتساب مريدين جدد، كل ذلك بعد وفاة الكثير من رجال الصف الأول والثاني من رجال الثورة، ورغم أن كُتب ومؤلفات الإخوان ومجلاتهم فئوية، لا يهتم بها من الشعب المصري سوى أتباع الجماعة، فإنهم لا يعترفون بتاريخ إلا ما يكتبه هؤلاء الذين ألفوا قبل مغادرة الحياة بقليل، وهو عندهم مقدس.
على الجانب الآخر، إن الوثائق الرسمية وأحاديث وكتابات قادة الثورة والمذكرات التي صدرت عن بعضهم، لم ترصد دورا للإخوان في الثورة؛ لأنه لم يكن هناك شيء ليروى عن الجماعة، عند قيام ثورة 23 يوليو؛ فهي لم تقدم شيئا ولم تشارك في شيء، ولم يهتم رجال الثورة بالإجابة عن سؤال: هل كان للإخوان دور في ثورة 23 يوليو؟ لأن وقت الثورة والأعوام التي تلتها، لم يكن لهذا السؤال محل ولم تكن تلك القضية مثارة ولم تردد الجماعة ادعاءاتها، أثناء تواجد قادة الثورة على قيد الحياة وفي تواجد الكثير من الشهود الذين شاركوا فيها، ولعل قادة ثورة 23 يوليو إذا كان قد وصل إلى خيالهم أن الجماعة ستعمل على تزييف التاريخ وتحاول السطو على حدث كبير في تاريخنا المعاصر ولو في نفوس تابعيها؛ لكانوا قد كتبوا ووثقوا كل صغيرة قبل الكبيرة؛ فيما يتعلق بهذه الثورة، وسدوا الذرائع أمام كل محاولة من الاخوان لتزييف الوعي وادعاء ما لم يقوموا به.
ولأن الموضوع أكبر من أن يتناوله مقال واحد، اذكر أخيرا أن من أهم الوثائق عن عدم وجود دور للاخوان في الثورة، ما رصدته المراسلات الرسمية بين الخارجية الأمريكية وسفارتها في القاهرة، وكذلك الخارجية البريطانية (التي تم الإفصاح عنها)، وسفارتها هي الأخرى في القاهرة، وكلها تؤكد على أن الثورة قام بها ضباط وطنيون لا علاقة لهم بالإخوان ولا بالشيوعيين، ولا دور لهم في الثورة.
مدير برنامج الدراسات التاريخية