جاءت زيارة الرئيس الموريتاني السابق “محمد ولد عبد العزيز” إلى فرنسا في الثاني والعشرين من سبتمبر 2022، لتُشكل منفذًا حيويًا نحو إعادة تشكيل التحالفات السياسية مع القوى المعارضة المتواجدة بالخارج، رغبةً في تصدر المشهد السياسي مرة أخرة بعدما شهد تراجعًا كبيرًا منذ خسارته الانتخابات الرئاسية الماضية (2019)، وملاحقته قضائيًا في ضوء اتهامه بالفساد وغسيل الأموال من طرف القضاء الموريتاني عُرفت بـ”عشرية الفساد”.
ويُعد سفر “ولد عبد العزيز” إلى باريس لإجراء فحوصات طبية، هو الأول منذ أن تم احتجازه، وجاء عقب أسبوعين من رفع المراقبة المشددة عنه، وتضمنت تحركاته الخارجية منذ ذلك الوقت زيارة لكل من بلجيكا وتركيا، الأمر الذي أفرد تساؤلات متعددة حول ما إذا كانت هناك صفقة سياسية تم إبرامها بين الرئيس السابق والحالي، وكذلك مؤشرات ودلائل اللقاءات التي عقدها “ولد عبد العزيز” مع المعارضة الموريتانية.
آليات محدودة وتحركات هادفة
في ضوء الإفراج عن الرئيس الموريتاني السابق “محمد ولد عبد العزيز” والسماح له بالسفر للعلاج في فرنسا، باتت هناك تحركات متعددة سواء أكان على مستوى الظهور الإعلامي الغربي أو عبر التفاعل مع الحركات والشخصيات المعارضة خارجيًا والدفاع عن السياسات التي سبق وأن طرحها إبان حكمه، مما يمكن تفسيرها بمحاول فتح جبهة مواجهة ضد النظام الحالي بالاستناد إلى تلك الحركات المقيمة خارج الدولة.
وقد انتهج “ولد عبد العزيز” مسارًا تصادميًا مع النظام الحالي عبر التفافه على الجماعات المعارضة المقيمة بالخارج من بينها حركة “قوات تحرير الأفارقة الموريتانيين” FLAM، وتشكيل منصة للتشاور والمتابعة تُعرف باسم “ملتزمون من أجل موريتانيا موحدة”، ولعل تلك الحركة بالنظر إلى تأسيسها الذي يعود إلى الثمانينيات من القرن الماضي بهدف الدفاع عن الزنوج، تجعل من هذا التحالف وكأنه يسعى للتصدي للإخفاقات المختلفة التي يشهدها النظام الموريتاني ومزج قضايا حقوق الإنسان والحريات بصورة عامة بذلك المسعى.
والهدف من تصدر المشهد إعلاميًا –حتى لو كان خارجيًا- وكذلك التنسيق مع المعارضة هو التطلع للالتفاف على الانتخابات التشريعية المقبلة، وهو ما اتضح من تأكيد “ولد عبد العزيز” المشاركة في الانتخابات القادمة عبر نافذة حزب الرباط الوطني، والأمر الآخر هو العمل على تشكيل تحالف معارض داخل موريتانيا يقوده الرئيس السابق “ولد عبد العزيز”.
توازنات داخلية وانعكاسات محدودة
في ضوء مخاوف النظام الموريتاني من تصعيد محتمل داخلي من جانب الأحزاب المعارضة فقد حقق معادلة توازنات سياسية داخلية لاحتواء وتدارك الانغلاق السياسي وحالة التشرذم من جانب المعارضة، وتقوم تلك المعادلة على إجراء إصلاحات استباقية تستوعب المكون السياسي بطرفيه المؤيد والمعارض، علاوة على تفكيك العلاقة الترابطية بين “ولد عبد العزيز” والحرس القديم الموالي له، وبرز ذلك بصورة رئيسية في التعديل الوزاري السابع والعشرين من سبتمبر 2022 وتضمن إدخال أعوان الرئيس السابق “ولد عبد العزيز” الحكومة وعلى رأسهم “مولاي ولد محمد الأغظف” رئيس الوزراء السابق وتم تعيينه أمينًا عامًا للرئاسة، وتولى المهندس يحيى ولد أحمد الوقف وزارة الزراعة، والناني ولد أشروقة الذي جمعت له وزارة التجهيز والنقل مع منصب المتحدث الرسمي باسم الحكومة، ومحمد عبد الفتاح مفوضًا لمنظمة استثمار نهر السنغال وعدد آخر من الحرس القديم.
وبالنظر إلى تلك التحركات يمكن القول إنها لن تكون ذات تأثير فعّال في المشهد الداخلي، لكونها تتزامن مع عدة تطورات في المشهد السياسي الداخلي اتخذها الرئيس “ولد الغزواني” كما هو الحال بالنسبة لتنظيم حوار للمرة الأولى جامع بين أحزاب الموالاة والمعارضة للتوافق بشأن الإجراءات المختلفة لتنظيم الانتخابات التشريعية والمحلية والجهوية التي تمت في سبتمبر 2022 وتم التوافق والإجماع بين كافة الأحزاب السياسية (باستثناء حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل”) على تنظيم انتخابات تشريعية ومحلية مبكرة، وتم التشاور والتفاهم بشأن اعتماد النسبية في الانتخابات الجهوية والبلدية والتشريعية، واللائحة الوطنية وإعادة تقسيم العاصمة نواكشوط إلى ثلاث دوائر انتخابية، فضلًا عن إعادة تشكيل اللجنة المستقلة للانتخابات والموافقة الأولية من جانب الحكومة على المساهمة في تمويل الحملات الانتخابي، وتم تقديم تلك المقترحات من جانب وزير الداخلية واللامركزية الموريتاني، في دلالة على مساعي النظام لاحتواء الأحزاب السياسية والحيلولة دون تفاقم الأوضاع سياسيًا.
من ناحية أخرى، بدا من الواضح التباعد بين المعارضة الموريتانية في الداخل وبين “ولد عبد العزيز” وبرز ذلك في التنديد المستمر من جانب بعض التكتلات الرئيسية في المعارضة تجاه الرئيس الموريتاني السابق، وبرز ذلك في وصف ائتلاف المعارضة “قوى التغيير” لفترة حكم ” ولد عبد العزيز” بـــ” العشرية الجمر” لما شهدته من فساد ومحسوبية وإقصاء للمعارضة من الحوار الوطني.
وفي التقدير، فإن تحركات الرئيس الموريتاني السابق “محمد ولد عبد العزيز” تأتي في إطار صفقة سياسية تمت مع الرئيس “الغزواني”، بموجبها تم وقف التحقيقات والإفراج عن “ولد عبد العزيز”، وتقديم الدعم الكامل فيما يتعلق بمرحلة العلاج، وهو ما أكدته الحكومة الموريتانية نهاية العام الماضي (31/12/2022)، مع مساعٍ لاحتواء الحرس القديم “الوزراء السابقين” عبر تضمينهم داخل الحكومة الراهنة.
وبالرغم من التحركات الغامضة للرئيس السابق إلا أن عودته مرة أخرى تكرس لفكرة الصفقة السياسية التي يتم بموجبها حل الخلاف بين الرئيسين السابق والحالي والكامن فيما وصفه رئيس الجمعية الوطنية الموريتانية “البرلمان الموريتاني” الشيخ ولد بايه بكونه “سياسيًا محضًا” في ضوء التناقض حول مرجعية الحزب الحاكم “الاتحاد من أجل الجمهورية” وتم تدارك تلك الأزمة، ولكن على صعيد الشارع السياسي والأحزاب الإسلامية على وجه التحديد “تواصل” سوف تكون هناك مساعٍ للضغط على النظام عبر ملف الفساد المتعلق بالعشرية السابقة.