يشكّل التصور القائل بأن “الرب يحارب عن إسرائيل” عنصرًا أساسيًا في الفكر الديني اليهودي، ويتغلغل في وعي جميع اليهود، سواء داخل إسرائيل أو خارجها. ويتجلى هذا المفهوم في النصوص التوراتية العديدة، حيث تصف التوراة الرب بأنه “رجل الحرب” كما جاء في سفر الخروج 15/3 “الرَّبُّ رَجُلُ الْحَرْبِ. الرَّبُّ اسْمُهُ”. وبما أن الرب هو رجل الحرب، فإن مهمته تتمثل في القتال نيابة عن بني إسرائيل، وليس بالضرورة معهم مباشرة في المعركة، كما جاء في سفر يشوع 10/ 14 “لأَنَّ الرَّبَّ حَارَبَ عَنْ إِسْرَائِيلَ” وقد كرر يشوع بن نون هذه الفكرة في خطاب الوداع، مؤكّدًا على أن الرب يحارب لصالح شعبه كما وعدهم، كما ورد في يشوع 23/ 10 “لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ الْمُحَارِبُ عَنْكُمْ كَمَا كَلَّمَكُمْ”.
ويشير هذا التكرار إلى أن الإيمان بأن الرب يقود المعارك نيابة عن شعبه ليس مجرد فكرة روحية، بل يمثل عنصرًا محوريًا في الهوية الدينية اليهودية، ويشكل قاعدة أساسية للممارسات العملية في زمن الحرب.
فخصّصت نصوص التوراة كتاب يُعرف بـ “حروب الرب”، كما جاء في سفر العدد 21/ 14: “لِذلِكَ يُقَالُ فِي كِتَابِ “حُرُوبِ الرَّبِّ”، ورغم أن هذا الكتاب لم يصل إلينا ولا أثر له، إلا أن ملامحه تتجلّى في الحروب التي خاضها الرب نيابة عن بني إسرائيل، والتي انتصر فيها باستخدام أسلحة غير تقليدية متعددة، منها: حصى البَرَد[1]، وتوقف الشمس والقمر[2]، والوباء[3]، وفيضان النهر[4].
يظهر من ذلك أن التوراة تصور التدخل الإلهي في الحروب بشكل يدمج بين القوة الطبيعية والقدرة الإلهية، مما يعكس دور الرب كقائد ومقاتل نيابة عن شعبه.

وبالتالي، لم يكن مستغربًا أن تتصاعد في إسرائيل خلال الأيام الماضية أصوات دينية تفسّر الحرب الإسرائيلية الإيرانية باعتبارها جزءًا من إرادة إلهية. فقد ربط بعض الحاخامات هذه المواجهة بالنبوءات التوراتية المرتبطة بـ “حروب آخر الزمان”، وعلى رأسهم أحد أبرز الوجوه الدينية في إسرائيل ورئيس منظمة “هيدابروت הידברות” زامير كوهين זמיר כוהן، الذي قدّم سلسلة من التفسيرات الدينية للحرب الإسرائيلية-الإيرانية، معتبرًا أن ما يجري ينسجم مع القراءة الدينية للنبوءات التوراتية حول الصراع النهائي.
فيقول زامير:“لدينا نبوءة بأن إيران ستسقط ولكن الحاخامات قديما لم يسموها إيران، فالاسم “إيران” الحديث ظهر قبل حوالي 80 عامًا فقط، والاسم التاريخي لها هو “فارس”. ويشير الحاخامات إلى أن فارس ستسقط في يد أدوم و”أدوم” اسم استُخدم في التراث اليهودي للإشارة إلى روما ثم إلى العالم المسيحي”[5].
ويرى الحاخام زامير أن سقوط إيران على يد دولة مسيحية هو إحدى علامات الخلاص، لكنه يوضح أن هذا لكي يحدث، يجب أن ترافقه بقية العلامات التي ذكرتها النصوص الدينية لتكتمل الصورة. ويسرد زامير تلك العلامات، ويرى أنها تحققت بالفعل ولم يتبقى سوى سقوط إيران، فيقول: “عندما نتحدث الآن عن إمكانية سقوط فارس بيد “أدوم” – أي بيد دولة مسيحية – ونرى اليوم أن هذه الدولة هي القوة المسيحية، هنا تظهر أيضًا الأسباب التي تجعل الولايات المتحدة تُسمى “أدوم”[6].
ومن ثم، يعكس تصور الحاخام زامير ما يمكن تسميته بـ”الفكر الأخروي” الذي يسيطر على قطاعات واسعة اليوم في إسرائيل. فهو يحوّل الصراع في الشرق الأوسط، من مجرد مواجهة عسكرية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، إلى صراع مقدر لا محالة تتدخل فيه الإرادة الإلهية. وبالنسبة له، لا تُعد الولايات المتحدة مجرد حليف لإسرائيل، بل هي الأداة التي ستنفذ إرادة الرب بكسر قوة فارس (إيران).
وبالتالي تصور الحاخام زامير يعكس “الفكر الأخروي” الذي يسيطر على قطاعات واسعة اليوم في إسرائيل. حيث يحول زامير الصراع في الشرق الأوسط من الصراع العسكري الإسرائيل الأمريكي المشترك في مواجهة إيران إلى صراع “قدري” محتوم تتدخل فيه الإرادة الإلهية. وبالنسبة له، الولايات المتحدة ليست حليف لإسرائيل، بل هي “الأداة” التي ستنفذ الإرادة الإلهية بكسر قوة فارس.
لم تعد الأفكار التي يشير إليها الحاخام زامير وغيره من رجال الدين مجرد تصورات دينية حبيسة داخل النصوص الدينية اليهودية، بل تعكس ما يُعرف كما أشرت بـ “الفكر الأخروي” الذي بدأ ينتشر في قطاعات من المجتمع الإسرائيلي. فقد خرجت هذه الأفكار من إطارها الديني الضيق إلى المجال العام، وبدأت تظهر في الخطاب الإعلامي أيضًا. ومن أمثلة ذلك ما نشرته صحيفة معاريف في مقال بعنوان “نهاية العالم؟ النبوءة التوراتية بشأن الحرب مع إيران”[7]، حيث ربطت بين الصراع العسكري المعاصر وبين النبوءات التوراتية.
ترى الصحيفة أن قصف المنشآت النووية في إيران في يونيو 2025، ثم إنشاء ما سُمّي بـ”مجلس السلام”، يتوافق مع نبوءات تتحدث عن شعور زائف بالأمان يسبق كارثة كبرى. وتربط الصحيفة هذا التصور بالحرب مع إيران بوصفها جزءًا من أحداث يُعتقد أنها تسبق مرحلة حاسمة في التاريخ. كما تشير إلى أن وجود القدس في قلب التوتر الأمني والسياسي الحالي ينسجم مع نبوءات توراتية تصوّر القدس محورًا لصراع عالمي كبير. وترى كذلك أن الدمار الذي أصاب دمشق خلال سنوات الحرب يذكّر بنبوءة النبي اشعياء التي تصف تحوّل دمشق إلى “خراب”.
وفي السياق نفسه، تربط الصحيفة الحرب بين إيران وإسرائيل بنبوءة النبي حزقيال التي تتحدث عن تحالف من الأمم سيهاجم إسرائيل في “آخر الزمان”، وتأتي في مقدمة هذا التحالف “فارس”، أي إيران الحالية. وفي النهاية تشير الصحيفة إلى أن الحاخام كوهين زامير يرى أن الأزمات التي تمر بها إسرائيل اليوم ليست مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل مرحلة اضطراب تسبق تغيرًا كبيرًا، كما تصفه بعض النبوءات القديمة.
ثم جاء رئيس الوزراء ليكمل الدور الإعلامي خلال تصريحاته في المؤتمر الصحفي بتاريخ 12 مارس 2026، حيث ربط ما يحدث بـ”أيام المسيح”، قائلاً:
“اعتقد أن الجميع يقول: أننا سنصل إلى الراحة والاستقرار في إرثنا، وسنصل إلى “أيام المسيح”، وأنا أقول لك أننا ربما نصل فعلا إلى “أيام المسيح”، ولكن هذا لن يحدث يوم الخميس القادم”[8].
بهذه العبارة، يخاطب نتنياهو العقل الجمعي اليهودي داخل إسرائيل، ويستثمر العواطف الدينية لضمان استمرار الدعم الشعبي، وذلك من خلال تحويل الصراع العسكري إلى “حرب مقدسة”. ووفقًا للعقيدة اليهودية، فإن “أيام المسيح” هي الفترة التي يُتوقع فيها مجيء المسيح ابن داود في آخر الزمان، ليخلّص شعب إسرائيل ويحكمهم وفق تعاليم التوراة. وفي الفكر الصهيوني الديني، يظهر مفهوم بداية الخلاص”אתחלתא דגאולה” الذي يعني أن بدء تحقيق الخلاص قبل مجيء المسيح لن يكون ظهورًا مفاجئًا أو تدخلًا إلهيًا مباشرًا، بل عملية تدريجية تتم عبر قوانين الطبيعة وأعمال البشر، وما يصاحب ذلك من صراعات وحروب يُقال فيها إن “الرب يحارب عن إسرائيل”.
ثم يتحول الإيمان بأن الرب يقود المعارك نيابة عن شعبه في “آخر الزمان” من مجرد فكرة دينية إلى قاعدة عملية تُنظم سلوك الإسرائيليين في زمن الحرب. ففي ملاجئ الحماية التي يختبئ فيها المدنيون من الصواريخ الإيرانية، يُستحضر شعور “تجلي الرب لحماية شعبه”.

فعلى سبيل المثال، في ملجأ بحي بني باراك في تل أبيب، توجد لافتة مكتوب عليها:
“وَلْيَكُنْ مَعْسَكَرِكَ مُقَدَّسًا והיה מחניך קדוש“[9]
وهي وصية دينية ترتبط في الشريعة اليهودية بأيام الحرب، وتأمر اليهود بالحفاظ على طهارة معسكر إسرائيل من النجاسة والدنس. والسبب وراء ذلك هو أن “الرب إلهك سائر في وسط معسكرك، لكي يُنقذك ويدفع أعداءك أمامك”، ما يجعل تقديس المكان جزءًا من حماية المجتمع وإسناد التدخل الإلهي في المعارك.
يُظهر هذا المشهد تحولًا عميقًا في الوعي الجمعي الإسرائيلي، حيث لم تعد النصوص الدينية مجرد عقيدة نظرية، بل أصبحت ممارسة عملية لإدارة الأزمات. فـ”حضور الرب” يرتبط هنا بـشرط القداسة والطهارة المكانية، ما يجعل الالتزام الديني جزءًا من مواجهة المخاطر. ومع أن إسرائيل تعتمد على منظومات الدفاع الجوي والتكنولوجيا المتطورة ضد الصواريخ الإيرانية، إلا أن هذا لم يعد كافيًا، وأصبح المواطن يشعر بالخطر المباشر، فيلجأ إلى استحضار الرب كتعويذة لحماية نفسه.
وهنا تبرز عدة تساؤلات: هل أسهم الدمار الذي لحق بتل أبيب منذ بداية الحرب في تعميق شعور الإسرائيليين بعدم الأمان، وتعزيز الإحساس بتزايد التهديد الإيراني الذي يطال حياتهم اليومية؟ وهل تراجعت ثقة المواطن الإسرائيلي في “أداة الرب” المتمثلة في الولايات المتحدة، ليتجه في بحثه مباشرة إلى الرب ذاته طلبًا للحماية؟ وهل يعكس ذلك تحولًا في قواعد اللعبة داخل ساحة المعركة، وما يرافقه من تغير في الخطاب السياسي والإعلامي الموجَّه إلى الداخل، وصولًا إلى الحديث عن “حرب مقدسة” لتبرير تحمّل تبعاتها القاسية؟ لعل الإجابة الأقرب إلى هذه التساؤلات هي: نعم.
[1] يشوع 10/ 11 “وَالَّذِينَ مَاتُوا بِحِجَارَةِ الْبَرَدِ هُمْ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالسَّيْفِ”.
[2] يشوع 10/ 13 “فَدَامَتِ الشَّمْسُ وَوَقَفَ الْقَمَرُ حَتَّى انْتَقَمَ الشَّعْبُ مِنْ أَعْدَائِه”.
[3] ملوك ثاني 19/ 35 “وَكَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ خَرَجَ وَضَرَبَ مِنْ جَيْشِ أَشُّورَ مِئَةَ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا”
[4] القضاة 5/ 21 “نَهْرُ قِيشُونَ جَرَفَهُمْ”
[5] يرجع زامير هنا إلى ما ورد في التلمود البابلي في وجه صفحة 10 من باب “اليوم” יומא י,א
[6] https://www.youtube.com/watch?v=HsKHEiyz0aU
[7] https://www.maariv.co.il/news/viral/article-1292426
[8] https://www.youtube.com/watch?v=fMwSH3n3N3A
[9] جاء في سفر التثنية 23/ 14 “لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ سَائِرٌ فِي وَسَطِ مَحَلَّتِكَ، لِكَيْ يُنْقِذَكَ وَيَدْفَعَ أَعْدَاءَكَ أَمَامَكَ. فَلْتَكُنْ مَحَلَّتُكَ مُقَدَّسَةً”.