وحدة الدراسات الأفريقية

أزمة جديدة: الصراع داخل إقليم أمهرا الإثيوبي

تفجرت في مناطق متعددة من إقليم أمهرا الإثيوبي حربًا شرسة بين جماعتي الأمهرا والأورومو، وقد أدت هذه المعارك إلى مقتل أكثر من 40 شخصًا من الأمهرا، وهو الأمر الذي دفع أبناء قومية الأمهرا إلى تنظيم احتجاجات في مدن جوندر، وبحر دار، ودسي ومدن أخرى، معبرين عن غضبهم من هذه التطورات، ومعترضين على سياسة رئيس الوزراء آبي أحمد التي قادت الإقليم نحو هذا الصراع العرقي، وقد حرق المحتجون بعض مكاتب الاقتراع، وصور رئيس الوزراء، وقد دفعت تلك الاحتجاجات وزارة الدفاع الإثيوبية إلى التدخل وإعلان حالة الطوارئ في ثلاث مناطق بإقليم أمهرا، بهدف مواجهة حركات المعارضة الأورومية المسلحة خاصة حركة (أونق شيني). …

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

تفجرت في مناطق متعددة من إقليم أمهرا الإثيوبي حربًا شرسة بين جماعتي الأمهرا والأورومو، وقد أدت هذه المعارك إلى مقتل أكثر من 40 شخصًا من الأمهرا، وهو الأمر الذي دفع أبناء قومية الأمهرا إلى تنظيم احتجاجات في مدن جوندر، وبحر دار، ودسي ومدن أخرى، معبرين عن غضبهم من هذه التطورات، ومعترضين على سياسة رئيس الوزراء آبي أحمد التي قادت الإقليم نحو هذا الصراع العرقي، وقد حرق المحتجون بعض مكاتب الاقتراع، وصور رئيس الوزراء، وقد دفعت تلك الاحتجاجات وزارة الدفاع الإثيوبية إلى التدخل وإعلان حالة الطوارئ في ثلاث مناطق بإقليم أمهرا، بهدف مواجهة حركات المعارضة الأورومية المسلحة خاصة حركة (أونق شيني). 

أولًا- أسباب الأزمة:

جاء تفجر الصراع بين الأمهرا والأورومو داخل إقليم أمهرا كنتيجة منطقية لعدد من الأسباب المتراكمة التي تمثل أهمها في:

1. أزمة الاندماج الوطني المتأصلة: تعاني إثيوبيا بالأساس من أزمة اندماج وطني، نتيجة عدد من العوامل أهمها مبدأ عدم المساواة بين الإثنيات، والسيطرة على أدوات القهر داخل بنية المجتمع الإثيوبي، وهو الأمر الذي عمق من مشكلة الاندماج الوطني في إثيوبيا، وأصبحت هذه القوميات شعوبًا ثقافية منفصلة عن بعضها يتمسك كل منها بتراثها، من أجل حماية حدودها، والحفاظ على مكونها الإثني بعيدًا عن الدولة. 

2. الصراع على الأرض والحدود: انفجر الصراع بين أكبر قوميتين في إثيوبيا، الأورومو والأمهرا، بسبب الأرض والحدود، فيما يبدو صراعًا على الموارد بالأساس، حيث يعزز من الانقسام بين الجماعات الإثيوبية نمط التنمية غير المتوازنة وعدم التوزيع العادل للموارد، وتهميش بعض الأقليات العرقية على المستوى الاقتصادي. أضف إلى ذلك تدهور الأوضاع الاجتماعية في البلاد، حيث تعاني البلاد من تدني نسبة مستوى التعليم، وانخفاض شديد في الالتحاق بالتعليم بعد مرحلة الأساس، فضلًا عن التراجع الكبير في نصيب الفرد من الغذاء والخدمات العامة، وهذه العوامل لعبت دورًا كبيرًا في تعقيد العوامل المتسببة في الصراعات بين الإثنيات الإثيوبية. ومما زاد من تعقيد الأزمة ما ظهر بوضوح منذ تولي آبي أحمد السلطة، حيث تمكن القوميون الأمهرا من السيطرة على مفاصل الدولة الإثيوبية، وأصبحوا يوزعون وينتزعون الأراضي وفقًا لمصالحهم، مع حرمان القوميات المؤثرة من حيازة الأراضي.

3. سياسات آبي أحمد وتفاقم الاحتقان السياسي: ثمة عامل آخر دخل على الصراع فجعله يتمدد ليشمل جميع الأقاليم التي تتواجد فيها القوميتان، وهو عملية الاحتقان السياسي الذي أججته حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد باعتقال العديد من الرموز السياسية لقومية الأورومو وعلى رأسهم: بكيلي جربا، وجوهر محمد، فضلًا عن العديد من الشخصيات الأخرى والناشطين السياسيين، واتهامهم بالإرهاب والتحريض على العنف الطائفي والإثني، وجميع هذه الاعتقالات كانت من قومية الأورومو ومن حزب مؤتمر أورومو الفيدرالي المعارض، وشبكة Oromia Media Network، ويأتي ذلك على خلفية موجة من الاعتقالات نتيجة للاضطرابات الاجتماعية التي هزت إقليم أوروميا خلفت قتلى وجرحى، بعد انهيار تحالف يجمع بين كل من آبي أحمد وقومية الأورومو. وكان الصراع حتى وقت قريب منحصرًا بين الأورومو والأمهرا، في مناطق محدودة في إقليمي أوروميا وأمهرا، ولكن اتسعت الرقعة الجغرافية وشملت أقاليم أخرى نتيجة للبنية الاجتماعية الهشة في إثيوبيا، وهو ما يترتب عليه حالة من عدم الاستقرار في البلاد.

4. مساعي الأمهرا للهيمنة على القوميات الأخرى: تطالب قومية الأمهرا بقيام الانتخابات في موعدها في الصيف المقبل، في ظل وضع أمني لا يسمح بهذا الاستحقاق، والهدف منه هيمنة الأمهرا وسيطرتهم على باقي القوميات وإخضاعهم للإمبراطورية مرة أخرى، ولكن هذه الانتخابات سوف تضعف الدولة وتجعلها تدخل في صراع وحرب أهلية تقود في نهاية المطاف إلى تفكيكها إلى دويلات صغيرة.

ثانيًا- مسار الصراع في إقليم أمهرا:

تدخل الجيش الإثيوبي نتيجة الاضطرابات والاحتجاجات التي شهدها إقليم أمهرا، وذلك من أجل السيطرة على الأوضاع ومنع تفاقم الصراع، خصوصًا أن الدولة تشهد صراعات عرقية متعددة، وهناك مخاوف من انفجار الصراع بين أكبر قوميتين في البلاد مما يقود إثيوبيا إلى مرحلة جديدة من الصراعات الداخلية. وقد قام الجيش بفرض حالة الطوارئ، ونشر قوات الدفاع والأمن الإثيوبية والمدرعات العسكرية، وتطويق مدن (ولو) بعدد من المليشيات لتنفيذ عمليات عرقية ضد الأورومو، في خطوة تفسر بدرجة كبيرة مدى سيطرة قومية الأمهرا على السلطة في إثيوبيا، في ظل تراجع دور القوميات الأخرى، بالإضافة إلى الحاجة الملحة والضرورية لتحالف آبي أحمد مع الأمهرا لدعمه عسكريًا في ظل تدهور الأوضاع الداخلية. 

وفي السياق ذاته، استخدمت مليشيات فانو الأمهرية في حربها ضد الأورومو في الإقليم مستويات متقدمة من العنف، بأن قامت بوضع علامات على المنازل والمحلات التجارية الخاصة بقومية الأورومو كأهداف في العديد من المناطق والقرى مثل: جاراواتا، باريسا، كوران، إيزجي، شيري، واربا وايا، وتم حرقها، مما دفع المواطنين الأورومو للنزوح إلى المناطق الأكثر أمانًا كالمدارس لحماية أنفسهم.

كما وقع في 4 من أبريل 2021 حادث اغتيال العميد أبرا أدامو قائد قوات الأمهرا الخاصة، وأكثر الشخصيات في القوميين الأمهرا عنفًا ودموية، والمتسبب في العديد من الصراعات ذات الطابع الإثني، خاصة بين الأمهرا والتيغراي، والأمهرا والأورومو، وكان المسئول الأول عن الجرائم التي ارتُكبت في كميسي، وشوا، وبني شنقول – قمز. وجاءت عملية تصفيته كرد فعل طبيعى لتنفيذه بعض المهام بعيدًا عن سلطة الدولة الغائبة.

في السياق ذاته، طالبت جماعات الضغط كحزب الأمهرا المعارض، وحركة الأمهرا القومية Amhara National Movement، والرأي العام للقوميين الأمهرا، عدم تصديق الروايات والبيانات الإعلامية التي يعلنها حزب الازدهار، وتشير هذه الجماعات إلى ما حدث لقائد القوات الخاصة بالتصفية على حد قولهم. فيما حذر حزب ناما، وهو من الأحزاب الأمهرية الراديكالية المتشددة التي تدعو إلى هيمنة قومية الأمهرا على كامل مفاصل الدولة الإثيوبية، وهو أيضًا من الأحزاب التي تعارض بشدة سياسة رئيس الوزراء آبي أحمد وحزبه. وناشدت جميع الأحزاب من أقليم أمهرا للكشف والإعلان عن السبب المباشر الذي أدى إلى تصفية قائد قوات أمهرا الخاصة.

جدير بالذكر أن قوات أمهرا الخاصة، وفقًا للنظام الفيدرالي، تتبع مباشرة لحاكم إقليم أمهرا، فضلًا عن أنها الجهة المخولة بقيادة العمليات العسكرية في منطقتي الفشقة الكبرى والصغرى، مع مليشيات فانو والشفتا، بالإضافة إلى تنفيذها مهام عسكرية أخرى في العديد من الأقاليم مثل بني شنغول، وقمز، وتيغراي، وأروميا. وسوف يشهد إقليم أمهرا في الشهور المقبلة العديد من هذه التصفيات، وهي محاولة من الحكومة الإثيوبية للحد من الرافضين لسياسات حزب الازدهار. 

ومع ارتفاع وتيرة المظاهرات من قبل جماعة الضغط والجيل الجديد من القوميين الأمهرا، ربما تدفع تلك الاحتجاجات واستمرارها، ضد سياسة الحكومة المركزية، وتشجع بعض الضباط في الجيش الإثيوبي على الإطاحة برئيس الوزراء آبي أحمد من خلال محاولة اغتياله، يعقبها تدخل الجيش في الأزمة والانفراد بالسلطة، دعمًا لموقف المحتجين من الأمهرا، في ظل ارتكاب العديد من المجازر في مدن (ولقا – ولو) ضد الأمهرا، في دولة عرفت بانتماء للقومية أكثر من الدولة.

وينذر الصراع بين كل من الأمهرا والأورومو بحرب أهلية ممتدة، خاصة بعد الانفجار الذي وقع في 21 من أبريل الجاري بمنطقة (ليديتا) بالقرب من العاصمة أديس أبابا. وفي الوقت الذي لم تعلن أي جهة مسئوليتها عن هذا الانفجار، أعلن جيش تحرير أورومو أنه يخوض معارك عسكرية حاسمة ضد القوات الخاصة الأمهرية ومليشياتها من أجل تحرير أراضيهم من قومية الأمهرا، وانتقل الصراع العسكري الآن بين جبهة تحرير أورومو والقوات الحكومية على القرى الواقعة على ضواحي العاصمة أديس أبابا. وللحد من التداعيات السلبية لهذا التحول، انتشرت قوات من الجيش الإريتري في منطقة (زون) غرب أوروميا، وهو الأمر الذي يفسر عدم انسحاب الجيش الإريترى من إثيوبيا، بل زاد انتشاره بأربعة أقاليم هي: أمهرا، وبني شنقول، وأوروميا، والعاصمة أديس أبابا.

ثالثا- انعكاسات الصراع على الدولة في إثيوبيا:

لا يعد الصراع داخل إقليم أمهرا هو الصراع الوحيد الذي تعاني منه إثيوبيا، بل هناك الصراع في إقليم تيجراي، وهو صراع له بعد إثني بالأساس، وقد قال المتحدث باسم قوات التيجراي الجنرال إنهم كبّدوا الجيش الإثيوبي والإريتري خسائر كثيرة، في كمين نُصب لهم في مدينة عداقا عربي ونبليت، فضلًا عن معارك عنيفة جرت في منطقة (عديت أند مدهاني ألم)، حققت فيها الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي مكاسب كبيرة، وأصبحت هي صاحبة زمام المبادرة، وتمكنت الجبهة من فرض سيطرتها على معظم القرى، فيما تراجعت القوات العسكرية الإثيوبية والإريترية إلى محبسها داخل المدن، وفشلت القوات الحكومية في الخروج من المدن لصد الهجوم المكثف من قبل الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، وقطعت الطرق التي تنقل المؤن والعتاد الحربي للقوات الإثيوبية والإريترية معًا.

وفي السياق ذاته، أقدم مقاتلو حركة تحرير بني شنقول – قمز على احتلال منطقة (كماشي) في مقاطعة (سيدال) القريبة من سد النهضة، وأصبحت خارج سيطرة الدولة الإثيوبية، بعد أن كان نشاط الجبهة التحرير مقتصرًا فقط على مدار السنوات الماضية على تصفية القيادات الحكومية في الإقليم المضطرب منذ سنوات. كما أعلنت حركة (كفا) بقيامها بعمليات عسكرية في بعض مناطق الإقليم المتنازع عليه بين كل من قومية العفر والقومية الصومالية. كما تم إغلاق الطرق الاستراتيجية للصادر والوارد الإثيوبي بين إقليمي الصومال والعفر المضطربين.

وفي الوقت الذي يعمل فيه آبي أحمد على تقويض الفيدرالية الإثنية من أجل دولة مركزية من خلالها يعود عهد الأباطرة، بدأ بحرب تيجراي، ثم اندلعت الصراعات في الأقاليم المختلفة، وأثار آبي أحمد وضعًا معقدًا ستظل تداعياته الداخلية والخارجية تتمدد وتتفاعل لوقت طويل، وأدخل إريتريا في المعادلة من أجل تكوين حلف ثلاثي مؤقت يحمل تناقضات بداخلة حتمًا ستقود إلى تفكيك الدولة. 

خلاصة القول، إن الصراع الإثني في إثيوبيا مستمر، والتنافس بين القوميات والإثنيات عبارة عن دائرة لم تكتمل حلقاتها، إلا بحق تقرير المصير. كما أن نموذج الدولة القومية معرض للخطر طالما استمرت هيمنة قومية واحدة على باقي القوميات.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية