وحدة الدراسات الأوروبية

الجيش الفرنسي في مواجهة ماكرون والتأسلم السياسي (١)

فوجئ الرأي العام الفرنسي، يوم ٢١ أبريل 2021، ومعه نخبة الحكم بخطاب مفتوح وقعه أكثر من ألف ومائتي ضابط أغلبهم على المعاش أو في الاستيداع، وبعضهم وعددهم ١٨ في الخدمة. نُشر الخطاب في موقعين، موقع مجلة “قيم معاصرة” المقربة من اليمين، ومدونة عسكرية مغمورة باسم “ميدان/الأسلحة”. يرسم هذا الخطاب صورة سوداء لواقع فرنسا ونخبتها، ويقول إن الجيش قد يضطر للتدخل لإصلاح الأوضاع إن ظلت النخب عاجزة عن التعامل مع الأزمة. وبعد نشر الخطاب بقليل دعت مارين لوبن زعيمة التجمع الوطني (يمين متطرف) الموقعين عليه إلى الانضمام إليها لأن تشخيصهم للوضع كتشخيصها. ركّزت ردود فعل معسكر الرئيس والنخبة وأقصى اليسار على…

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

فوجئ الرأي العام الفرنسي، يوم ٢١ أبريل 2021، ومعه نخبة الحكم بخطاب مفتوح وقعه أكثر من ألف ومائتي ضابط أغلبهم على المعاش أو في الاستيداع، وبعضهم وعددهم ١٨ في الخدمة. نُشر الخطاب في موقعين، موقع مجلة “قيم معاصرة” المقربة من اليمين، ومدونة عسكرية مغمورة باسم “ميدان/الأسلحة”. يرسم هذا الخطاب صورة سوداء لواقع فرنسا ونخبتها، ويقول إن الجيش قد يضطر للتدخل لإصلاح الأوضاع إن ظلت النخب عاجزة عن التعامل مع الأزمة. وبعد نشر الخطاب بقليل دعت مارين لوبن زعيمة التجمع الوطني (يمين متطرف) الموقعين عليه إلى الانضمام إليها لأن تشخيصهم للوضع كتشخيصها.

ركّزت ردود فعل معسكر الرئيس والنخبة وأقصى اليسار على كون محرر الخطاب وهو الموقع الرئيسي (وهو متقاعد من الدرك) صاحب أفكار هي أفكار اليمين المتطرف، وعلى كونه انتمى تنظيميًا إلى هذا الحزب في التسعينيات حيث كان المسئول عن تأمين المظاهرات والفعاليات، واعتبر هذا المعسكر الخطاب مناورة لهذا الحزب تثبت أنه لم يعتنق الديمقراطية رغم ادعائه ذلك، وأنه ما زال يؤمن بالاستيلاء على السلطة بالقوة. والمشكلة أن الخطاب لا يحتوي على دعوة صريحة للتمرد أو للتدخل العسكري، بل تنبأ بإمكانية حدوثه، وقالت مجلة “قيم معاصرة” دفاعًا عن الخطاب ومحرريه إن قيادة الجيش تدرس سيناريوهات تنهار فيها الشرطة وتضطر هي إلى التدخل في الضواحي والأحياء الفقيرة، وأن القيادة والضباط لا يريدون وصول الأمر عند هذا الحد، لأنهم يدركون أن تدخل الجيش لن يحل المشكلة، وأن قصد الخطاب كان تنبيهيًا، وأن فرنسا تتجه بسرعة مجنونة إلى وضع يستلزم هذا التدخل.

وعبرت وزيرة الدفاع عن عزمها توقيعَ عقوبة صارمة على من وقّع على الخطاب، لا سيما إن كان في الخدمة، وقال رئيس الأركان إن الجيش خاضع للسلطة المدنية، ولا يتدخل في السياسة (وفي الماضي دافع هذا الضابط عن ضرورة الاعتراف للجيش بالحق في إبداء الرأي). ومن ناحيتها، شددت مارين لوبن على كون وصف الموقّعين للواقع هو وصف أغلبية الفرنسيين له، وأيدتها في هذا استطلاعات الرأي العام التي بينت أن ثلاثة أرباع الرأي العام يشاركهم في تشخيص “تفسخ المجتمع”، و٥٨٪ قالوا إنهم يؤيدون الخطاب والعسكريين الذي حرروه (أي إنهم يرون أن الضباط كانوا محقين عندما قرروا الكلام)، و٤٩٪ من الرأي العام يؤيد مبدأ تدخل الجيش حتى بدون أوامر لإعادة النظام (أي لا يمانعون في انقلاب). والرقم الأخير مخيف جدًا، ولا تتخطى نسبة المؤيدين لإجراءات عقابية ضد الموقعين ٣٧٪. ويقلل البعض من أهمية هذه الأرقام، قائلين إن المواطنين لا يدرون معنى مصطلحات مثل “انقلاب” أو “حرب أهلية”.

وبعدها بأيام -لا صلة بين الواقعتين- نُشر خبر مفاده أن مركزًا للفكر اسمه “مركز تفكير القيادات المشتركة”، يوم ١٤ إبريل، أصدر وثيقة استراتيجية وهي دراسة من ٢١ صفحة موضوعها “من أجل استراتيجية شاملة لمواجهة التأسلم السياسي وخطر انفجار فرنسا”، حررها ٢١ ضابطًا، قدمها المركز لرؤساء المجموعات البرلمانية في كل من مجلس الأمة ومجلس الشيوخ ولوزارات الدفاع والداخلية والتعليم ولوزيرة الدولة المشرفة على الخدمة الوطنية. ووفقًا لموقع “صوت ضابط الدرك” فإن محرري الخطة الاستراتيجية من كبار الضباط السابقين، بعضهم تولى في الماضى مناصب عملياتية رفيعة، أحدهم كان قائد الفرقة ٢٧ لجنود جبال الألب وهي فرقة نخبة، وآخر كان المساعد الأول للحاكم العسكري لباريس، وثالث كان قائد قوة الطيران الخفيفة الملحقة بالقوات البرية.. إلخ.

هؤلاء الضباط لهم انتماءات سياسية مختلفة، وكل منهم له صوت مسموع في أوساط جماعة الشئون الاستراتيجية والعسكرية. وأخيرًا وليس آخرًا من ناحية يقول الموقع إن المركز الذي كتب الوثيقة “مدعوم بقوة” من قبل ثلاثة تجمعات أو جمعيات غير سياسية لها وزن كبير في الأوساط العسكرية، وهي جمعية/ منظمة دعم الجيش الفرنسي، وجمعية خريجي مدرسة سان سير العسكرية (وهي وست بوينت الفرنسية)، والجمعية الوطنية للضباط المتقاعدين. ومن ناحية أخرى، يكتب الموقع أن عددًا من الذين ساهموا في تحضير الدراسة منخرطون في مجموعة اسمها “حراس الساحة العامة”، مكونة من عدد من الضباط الكبار، ولم يقل الموقع إن هذه المجموعة ذاع صيتها في أواخر سنة ٢٠١٣ بعد ما نشرت “مانيفستو لدعم جيوش في فرنسا” انتقدت فيه انتقادات بالغة القسوة سياسات الدفاع والنخب المدنية المشرفة على وزارة الدفاع، واختلف حول تقييمه المراقبون، بعضهم اعتبر أن الاتهام الرئيسي (تغليب غبي للاعتبارات المالية وضرورات ضغط الإنفاق) في محله، والبعض الآخر استاء من العنف اللفظي للمانيفستو، فمثلًا قيل فيه: “لقد انتقلت القوة العسكرية، في صمت وإنكار، من مكانة مؤسسة ذات سيادة كبرى إلى كونها شركة خدمات يدفع لها ثمن على حسب المهمة”، وأضافوا: “يُطلب من الجندي، الذي تم تقليص دوره إلى دور خادم الجمهورية الذي يضطلع بالأعمال الشاقة والمرهقة، يطلب منه إراقة دمائه في ظل صمت وعدم مبالاة (الجميع)، إراقة دمائه والخضوع للقواعد الصارمة لواجب خدمة الدولة، وهو واجب هجرته إلى حد كبير تلك (النخب) التي يُفترض أنها التزمت به وطبقته على نفسها قبل أن تفرضه. لم يعد من الممكن إخفاء هذه الكارثة البعيدة تحت طفاية “واجب الكتمان وعدم البوح بالأسرار”، وهو التزام مريح (للنخبة)، فسكوت الجندي يسمح في النهاية لكل المتهربين من مسئولياتهم تجاه الأمة بالاستمرار في نهجهم وفي البقاء متمتعين بامتيازات الإدارة العليا. “إنه لمن الخطأ الفادح التضحية بالجناح العسكري لفرنسا تحت رحمة أيديولوجيات لن تدوم وبعض الحرج المالي”.

باختصار الضباط الذين قدموا الدراسة يجمعون بين الخبرة اللازمة وبعضهم/ أغلبهم له “ماضٍ” في نقد علني وقاسٍ للسلطات المدنية وإدارتها شئون المؤسسة العسكرية، ولا يسمح الاطلاع على المواقع الاجتماعية تحديد مدى شعبيتهم داخل المؤسسة ولكن من الواضح أن لهم بصفة عامة مؤيدين ومعارضين (منهم من يقول إن المحررين للمانيفستو لم يحتجوا إلا عندما تم تخفيض رواتب الضباط الكبار)، وإن حصولهم الحالي على تأييد ثلاث جمعيات لها وزنها يقوي موقفهم. أظنهم –دون دعم استطلاعات رأي- يعكسون رأيًا موجودًا بقوة في الأوساط العسكرية.

وبين حين وآخر يتحدث البعض عن إمكانية ترشيح ضابط كبير سابق لرئاسة الجمهورية في الانتخابات القادمة. هذا الضابط هو رئيس الأركان السابق الجنرال “بيير دو فيليه” الشقيق الأصغر للسياسي “فيليب دو فيليه” المحسوب على اليمين الذي أصدر مؤخرًا كتابًا دعا فيه إلى “تمرد” ضد مشروعات منسوبة لكبار الرأسماليين وللسلطة (استغلال الخوف من الجائحة لتبرير ثم رقابة من نوع جديد)، وحذر فيه من أفول فرنسا، وتخيل فيه محكمة شعبية ضد الرئيس ماكرون. أما الجنرال فكتب كتابًا رأى فيه أن انهيار كافة السلطات المادية والمعنوية وحدة الانقسامات الداخلية سبب أزمة فرنسا، وأن توحيد الصفوف ضرورة إن رغبت فرنسا في كسب معركتها مع التأسلم السياسي. هذه المعركة -وفقًا له- ستستمر “جيلًا كاملًا” وتتطلب التركيز على التربية والتعليم، وتقوية الروابط بين الأجيال المتعاقبة (يفسر هذا من خلال الاستعانة بكتاب فوركيه الذي يرى أن انهيار المرجعية الثقافية عقد الحوار بين الأجيال)، وإعادة الهيبة لكل ما هو سيادي.

لا يوجد ارتباط بين الوقائع الثلاث المذكورة، ولا تنسيق بين الفاعلين، ولهذا السبب بعينه فإن المشترك بينها جدير بالتأمل.

نبدأ بالخطاب المفتوح الصادر يوم ٢١ إبريل، ونبرز أولًا عدوانية عنوانه “من أجل استرداد شرف حكامنا”، وطبعًا لا يُسترد إلا المفقود. ثم يقول الخطاب إن فرنسا تواجه أخطار (بالجمع) وجودية. ويحدد قائلًا إن:

١- هناك قوى (يقصد أقصى اليسار) اتخذت شعار محاربة العنصرية وهي في الواقع تسعى إلى تفكيك فرنسا، وإلى زرع الكراهية بين مكونات الأمة الإثنية والطائفية. وتسعى إلى دفع الكل إلى كراهية تاريخ فرنسا ورموزها وثقافتها.

٢- قوى أخرى وهي حاملة لواء التأسلم السياسي تسعى إلى تجييش “جحافل الضواحي” (باللغة الفرنسية التعبير سخيف جدًا ويوحي ببربرية الضواحي) لانتزاع أراضٍ وفصلها عن فرنسا وإخضاعها لقواعد وأحكام لا دعوى لها بالدستور الفرنسي، بل تخالفه مخالفة واضحة، ويضيف الخطاب: يحق لكل فرنسي مهما كانت معتقداته أن يذهب إلى أي مكان في فرنسا، ولا يمكن قبول وجود أراضٍ فرنسية لا يُطبق فيها القانون الفرنسي، ويشيرون إلى مقتل مدرس على يد متطرف.

٣- ارتفاع معدلات العنف أثناء المظاهرات، فالشرطة -وفقًا لهم- تقمع بوحشية المتظاهرين السلميين، بينما تعجز عن مواجهة من يعتدون على المحلات والمرافق والممتلكات العامة والخاصة ويحرقونها (يقصد البلاك بلوك).

ثم يقول الخطاب إن القوانين اللازمة للتصدي لمثل هذا التفسخ موجودة، وإن ما هو غير متوافر هو الشجاعة والإصرار على تطبيقها. نخبة الحكم تخشى المواجهة وتتردد، ولم يعد هذا مقبولًا، فالوقت تأخر كثيرًا ومع مرور كل يوم ترتفع مخاطر اندلاع حرب أهلية، وأخيرًا هناك الجملة التي تسببت في الجدل: “لو لم يقم الحكام بواجبهم سينتشر التسيب إلى أن يحدث انفجار ويتدخل الجيش العامل لحماية المواطنين والقيم الحضارية”، وهي جملة يمكن أن تُفهم بطريقتين: سيحدث انفجار يجبر الجيش على التدخل، أو التسيب سيتسبب في انفجار سيتمثل في تدخل الجيش، ثم يختتم البيان محذرًا من أن مماطلة الحكام ستؤدي إلى حرب أهلية ومن وقوع آلاف من الضحايا.

أكدت استطلاعات الرأي أن ثلاثة أرباع الرأي العام توافق على تشخيص الموقعين للحالة الفرنسية، تفسخ وتفكك وتدهور مريع في الأمن وفي حال الجبهة الداخلية، وعجز النخبة وربما عدم إحساسها بالمسئولية، وأن نصف الرأي العام لا يعترض على فكرة الانقلاب. وفي الواقع الوضع العام مقلق جدًا، فقد أثبتت مظاهرات أول مايو الماضي أن النقابات لم تعد قادرة على الحشد. الأحزاب -ربما باستثناء التجمع القومي- في حالة مزرية مع تراجع عدد الأعضاء الفعليين، المجتمع فقد عموده الفقري (الثقافتين الكاثوليكية والشيوعية) وأصبح مكونًا من جزر صغيرة لا تتواصل، ويسود في الكثير منها فردية. الأمن العام في تدهور دائم مع ارتفاع معدلات الجريمة بكافة أشكالها. الشرطة تعجز عن منع العنف البالغ من قبل المتظاهرين، وتدهور الأداء الاقتصادي واختفاء جزء كبير من الصناعات، وتراجع العدالة الاجتماعية، وارتفاع مريع لمعدلات الفقر. هناك جدل عام يغلب عليه التفاهة والمعارك الجانبية العبثية، كل هذا ولم تظهر بعد الآثار الاجتماعية والاقتصادية للجائحة، وقد بيننا بعض هذه الجوانب في أوراق سابقة وسنعود إلى غيرها لاحقًا.

المشكلة طبعًا في صاحب أو أصحاب هذا الخطاب وفي توقيته وفي تصوره المفترض أن تدخلًا عسكريًا يستطيع إصلاح الأمور. علينا أولًا أن نقول إن هناك ثلاثة وعشرين ألف ضابط، منهم ٥٣ لواء وقعوا على الخطاب، إلى جانب الـ١٢٠٠ الذين وافقوا على نشر أسمائهم، وهذا يُعتبر مؤشرًا على “مزاج” قطاعات هامة من المؤسسة العسكرية. فمن المعروف أن ٤٠٪ من الضباط والجنود ينتخبون مارين لوبن منذ الجولة الأولى، ومن ناحية أخرى فإن محرر الخطاب معروف لأنه كان في وقت ما مسئول تأمين مظاهرات وفعاليات حزب مارين لوبين التجمع الوطني، وابتعد قليلًا عن الحزب ولكن المراقبين المطلعين يرون في الخطاب مناورة من الحزب اليميني قَصد منها أمورًا عدة:

أولها: زرع فكرة أن مارين لوبين حماية أفضل للنظام الديمقراطي الجمهوري من ماكرون.

ثانيها: أن لها مؤيدين في الدولة وفي الأجهزة السيادية، لا سيما في الجيش والشرطة، أي إن الآلة الحكومية لن تتوقف إن وصلت إلى الحكم.

ثالثها: أن هناك أغلبية كبيرة تؤيد تشخيصها (أفول فرنسا)، وأن مقاومة هذا الأفول يقتضي الدفاع عن الثقافة الوطنية وتاريخ الدولة وتوحيد الصفوف، في حين أن موقف الرئيس ماكرون من الثقافة الفرنسية ومن تاريخ فرنسا أكثر وسطية، فهو قال مثلًا إن استعمار الجزائر كان جريمة ضد الإنسانية، وطلب تقارير تنطوي على نقد لأداء فرنسا في مستعمراتها السابقة وفي إفريقيا. وقال منذ سنوات إنه لا يوجد شيء اسمه الثقافة الفرنسية، وقال مؤخرًا إنه يؤمن بأن المجتمع يعاني من وجود “امتياز أبيض”، أي إن الأمور أسهل بكثير لأصحاب البشرة البيضاء، وهذا ما يقوله أقصى اليسار في أحوال تفشل محاولة التوفيق/التلفيق بين مقولات اليمين واليسار المتطرفين وتثير غضب كل الأطراف.

اتفق أنصار ماكرون على القول إن هذا الخطاب يثبت للمرة الألف أن حزب مارين لوبين يتظاهر باعتناق الديمقراطية ولكنه لم يتخلّ عن إعجابه بالانقلابات وبعسكرة الحياة المدنية وبمشروع فاشي، ولست متأكدًا أن هذا الرد هو الأمثل. لا سيما وأن أغلب تصريحات مارين لوبن الأخيرة تعكس توجهًا إلى الوسط لاكتساب المصداقية لا انعطافًا إلى مزيد من اليمينية، ولديها هي فرصة فعلية للفوز بالرئاسة في الانتخابات المقبلة، أي لا مصلحة لها حاليًا في انقلاب، وعلى العموم يبدو لي أن شروط نجاح تدخل عسكري غير متوافرة حاليًا، فلا الوضع بلغ من السوء حدًا غير محتمل، ولا يوجد ظهير مدني لمثل هذا التدخل، ولا يوجد قائد عسكري له شرعية وقبول “عابر الطبقات” كشارل دي جول. صحيح أن الرأي العام يُكنّ للمؤسسة العسكرية احترامًا كبيرًا في حد ذاته (٧٧٪) وكبيرًا جدًا إن قورن بشعبية الأحزاب (٣٤٪) أو الإعلام (أقل من ٢٠٪)، ولكنني أظن أنه يرى فيها “جزيرة فيها قيم نبيلة” وليست ممثلًا للمجتمع.

ننتقل بعد ذلك إلى الوثيقة الاستراتيجية التي حررها ٢١ ضابطًا كبيرًا وقاموا بتسليمها إلى المسئولين، عنوانها كما أسلفنا “من أجل استراتيجية شاملة ضد التأسلم السياسي”، ويحرصون على كتابة: الحرب ضد التأسلم السياسي ليست حربًا ضد الإسلام، بل دفاعًا عنه. ثم يضيفون أن للتأسلم استراتيجية دولية، وأن فرنسا هدف أساسي لها لأنها مركز ثقل بالمعنى الدارج في لغة الاستراتيجية العسكرية، فبها نسبة عالية من المسلمين، وهي حاملة لمشروع يناقض تمامًا المشروع المتأسلم، لأنها أكثر الدول حرصًا على الفصل بين الدين والسياسة أو بين الدين والدولة، ويلاحظون أن فرنسا فشلت في منع التأسلم من تجنيد مسلمين فرنسيين أو من التأثير على رؤى مسلمين فرنسيين للعالم، ويقولون إن فرنسا في حالة ضعف بالغ، فالمواطنون لا يحترمون القانون والمشكلة تتفاقم يوميًا، والأمن ينهار، وفرنسا عاجزة عن التعامل الإيجابي مع تاريخها، وعن صياغة مشروع مستقبلي يجمع المواطنين. ويكتبون أن على فرنسا أن تدافع عن نفسها، وأنها -حين تدافع عن نفسها- فإنها تدافع عن كل العالم غير الإسلامي (!!!) وعن مواطنيها المسلمين لأن الصيغة العلمانية وفقًا لهم تحمي كل المؤمنين وتقبل على قدم المساواة وتعترف بكل المعتقدات وتحمي المؤمنين وغيرهم من المتطرفين.

ثم يقولون إن فرنسا تشاهد تطورات تشبه ما حدث في الجزائر وتركيا، وأن تزمت وتعصب المتأسلمين يؤثران بقوة على مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، ويمارس المتأسلمون ضغوطًا قوية في كل الفضاءات (عدد كبير من الأحياء والضواحي/المصانع/المرافق/المدارس/المستشفيات.. إلخ) لفرض التزام الجميع بتصوراتهم عن الحلال والحرام، ويلاحقون قضائيًا من يعترض، متهمين إياه بالإسلاموفوبيا، ولهم علاقات مع الجريمة المنظمة. للمتأسلمين حلفاء في القوى السياسية والجامعة والإدارة العامة والقضاء، وهناك من يدعو إلى التساهل معهم ويعذرهم، ويشاركهم في كراهية القيم الغربية وفي الترويج لعنصرية مضادة تعادي الرجل الأبيض، حيث يتفاوض المتأسلمون باستمرار مع المحليات ومع الوزارات ومع الاتحاد الأوروبي ليحصلوا على دعم ومميزات دون أي مقابل سوى وعد مبهم بالحفاظ على السلام الاجتماعي.. إلخ، ويختتمون هذه الفقرات قائلين إن هناك ضواحي بالكامل لا تحكمها الدولة، بل المتأسلمون أو تجار المخدرات، مستشهدين بكلام رئيس جمهورية سابق (هولاند) الذي قال إن خطر التقسيم يهدد فرنسا.

يلاحظ -وسنفصل في الجزء الثاني من الدراسة- أن هذا التوصيف للخطر يقلل نسبيًا من شأن الإرهاب، فالضباط يرونه “منفرًا” ولا يخدم المشروع المتأسلم، بل يساهم في تنبيه الناس، ويقدرون أن فرنسا شأنها شأن غيرها لديها أدوات للتعامل معه. وفي المقابل، هذا التوصيف يجعل من الإخوان المسلمين عدوًا محوريًا.

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية