وحدة الدراسات الأسيوية

مكاسب وتحديات: الشراكة الاستراتيجية بين الصين وإيران إلى أين؟

وقّعت كل من الصين وإيران اتفاقية استراتيجية عُنونت بـ”الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين جمهورية إيران الإسلامية وجمهورية الصين الشعبية”، في السابع والعشرين من مارس الماضي 2021، مدتها خمسة وعشرون عامًا، في العاصمة الإيرانية طهران. وتهدف الاتفاقية -حسب البيان المشترك بشأنها- إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية طويلة الأمد بين البلدين، فيما يتعلق بأكثر المجالات حيوية اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، وهو الأمر الذي يعني أن ثمة مصالح كبرى للبلدين تكمن وراء عقد هذه الاتفاقية في هذا التوقيت، بعد انتظار أو تعثر دام سبع سنوات منذ كتابة مسودتها الأولى عام 2016، حيث وُقّع الاتفاق في ظل ضغوط وعقوبات يتعرض لها الطرفان من قبل الولايات المتحدة…

رانيا مكرم
باحثة متخصصة في الشأن الإيراني بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجة

وقّعت كل من الصين وإيران اتفاقية استراتيجية عُنونت بـ”الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين جمهورية إيران الإسلامية وجمهورية الصين الشعبية”، في السابع والعشرين من مارس الماضي 2021، مدتها خمسة وعشرون عامًا، في العاصمة الإيرانية طهران. وتهدف الاتفاقية -حسب البيان المشترك بشأنها- إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية طويلة الأمد بين البلدين، فيما يتعلق بأكثر المجالات حيوية اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، وهو الأمر الذي يعني أن ثمة مصالح كبرى للبلدين تكمن وراء عقد هذه الاتفاقية في هذا التوقيت، بعد انتظار أو تعثر دام سبع سنوات منذ كتابة مسودتها الأولى عام 2016، حيث وُقّع الاتفاق في ظل ضغوط وعقوبات يتعرض لها الطرفان من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. بهدف تقويض نفوذهما، وتحجيم دورهما إقليميًا وعالميًا.

أولًا- أهم بنود الاتفاق:

حسب البيان المشترك الصادر عن البلدين، وما تم تسريبه من بنود مسودة الاتفاق، فإنه يمكن إجمال ما تضمنه الأخير، فيما يلي:

  1. المجال السياسي:

أكد البيان المشترك أن تعزيز العلاقات الثنائية ستكون أولوية السياسات الخارجية لكلا البلدين. بما يسهم في حماية السلام والاستقرار والتنمية على الصعيدين الإقليمي والعالمي. على أن يتم ذلك من خلال:

– تعزيز المشاورات السياسية بين كبار المسئولين: على أن يتم البحث في إنشاء آلية لاجتماعات سنوية تجمع وزيري الخارجية، وأخرى تشاورية دورية على مستوى نواب وزراء الخارجية. كما سيتم العمل على توسيع العلاقات بين البلدين على مستوى الحكومة المركزية والمحليات، وكذلك بين الجماعات والأحزاب السياسية بهدف تبادل الخبرات وتعزيز التفاعل بينهما. 

– دعم السياسات والأهداف المشتركة: حيث يشترك الجانبان في العديد من الرؤى السياسية التي تخص النسق العالمي، وبالتالي يلتزم الجانبان بالتأكيد على ضرورة الاتجاه نحو تعدد الأقطاب في النظام الدولي، والالتزام بالمبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما المتعلقة باحترام السيادة الوطنية، وسلامة الأراضي، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، ومعارضة استخدام أو التهديد بالقوة، وفرض عقوبات غير عادلة ضد الدول. كما يلتزم الطرفان بتعزيز المشاورات الثنائية حول القضايا الإقليمية الرئيسية.

التعاون فيما يخصّ حل أزمة الملف النووي الإيراني: أكد الجانبان على أهمية الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين إيران ودول مجموعة (5+1) بشأن خطة العمل المشتركة، إذ يسهم الاتفاق في ضمان سلمية الأنشطة النووية الإيرانية، ويدعم حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وفقًا لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. مع التأكيد على عمل الصين على تحديث وتطوير مفاعل “آراك” للماء الثقيل.

2- المجال الاقتصادي:

تضمن البيان التأكيد على دعم الصين لـ”خطة التنمية الإيرانية” من خلال إنماء العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتكامل إمكاناتهما الاقتصادية، في ظل وجود العديد من مجالات التعاون المشترك، في قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والصناعة، والتكنولوجيا، وصناعات النقل، وذلك من خلال الاستفادة من المزايا الاقتصادية النسبية لكلا الطرفين، حيث سيعمل الجانبان على تعزيز تعاونهما الثنائي في مجالات عدة من بينها:

– الصناعات النفطية والتحويلية: ومن أهمها الوقود الأحفوري، المتمثلة في النفط والغاز الطبيعي، ومنتجاتهما، مع إيلاء أنواع الطاقة المتجددة اهتمامًا خاصًا، وذلك عن طريق التمويل والاستثمار في المشاريع الأولية والتكميلية الخاصة بصناعات الطاقة والتعدين في إيران، على أن يقدم الجانب الإيراني التسهيلات والدعم المطلوبين في هذا الإطار. إلى جانب تبادل الخبرات وتدريب الكوادر فيما يخص الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

– خطوط النقل والتجارة: أشار البيان إلى أن إيران ستسعى إلى تنشيط مبادرة “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير” وذلك بتوقيع مذكرات تفاهم بين البلدين بشأن المبادرة، والذي ستلتزم بمقتضاه أيضًا الصين بالعمل على التمويل والاستثمار المتبادل في مختلف مجالات النقل والسكك الحديدية والموانئ الإيرانية، وتطوير منشآتها وبناها التحتية.

– القطاع البنكي والاستثماري: بموجب الاتفاق سيعمل الطرفان على تعزيز التبادل الاستثماري والتجاري في قطاعات والبنوك، والتمويل، وذلك على أساس مذكرة التفاهم الثنائية الموقّعة بين البلدين بشأن تعزيز التعاون الاستثماري والتعاون في تبادل المعرفة والتكنولوجيا، وكذلك في تدريب الموارد البشرية. لا سيما في إطار مشاركة إيران كـعضو مؤسس لبنك “آسيا للاستثمار”. 

3- المجال الثقافي: 

تعهد الجانبان على تعزيز دور لجنتيهما الثقافية المشتركة، والعمل على الارتقاء بمستوى التعاون الثقافي بينهما. وذلك من خلال تشجيع سفر مواطني البلدين، والتعاون في مجالات السياحة، والرياضة، والصحافة والإعلام. فضلًا عن التعاون في مجالات التعليم الأكاديمي، وتبادل الطلاب، والمعلمين.

4- المجال الأمني والدفاعي: 

وهو من أهم المجالات التي تضمنتها بنود الاتفاقية، وأكثرها إثارة للجدل، ومن أهم ما تضمنه الاتفاق في هذا الإطار:

– التعاون في المجال القضائي: من خلال تبادل الوفود القضائية رفيعة المستوى، ومؤسسات إنفاذ القانون، والتعاون في تنفيذ بنود معاهدة تسليم المجرمين، واتفاقيات المساعدة القضائية المتبادلة في القضايا الجنائية، وكذلك تعزيز آليات فض المنازعات المدنية والتجارية. وكذلك وضع قوانين من شأنها منع جرائم تهريب البضائع والمخدرات والمواد غير المشروعة، والحد من الجرائم المنظمة العابرة للحدود.

– التعاون في المجال العسكري: تعهد الجانبان بتعزيز الاتصال وتبادل المعلومات بين قواتهما المسلحة، من خلال آليات التعاون في مجالات تدريب الموارد البشرية، ومكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات، وكذلك الأسلحة والمعدات والتكنولوجيا.

ثانيًا- دلالات التوقيت:

لا تكمن أهمية الاتفاقية في مضمونها فقط، وإنما أيضًا في توقيت الإعلان عنها والتوقيع عليها، فلهذا التوقيت دلالات عدة لكلا البلدين، لعل أهمها:

1– دلالة توقيت توقيع الاتفاق بالنسبة لإيران:

امتلاك أوراق ضغط في تفاوضها على ملفها النووي: تهدف إيران من خلال عقد هذه الاتفاقية في هذا التوقيت، لتكثيف الضغوط على الإدارة الأمريكية، لا سيما فيما يتعلق بالمفاوضات غير المباشرة التي تجري من خلال وسطاء في الوقت الحالي، وكذلك أية تفاهمات قد يمكن الدخول فيها مباشرة مع واشنطن، وذلك في ظل إصرار الإدارة الأمريكية على توسيع بنود التفاوض لتشمل بعض الملفات الخلافية، مثل برنامج الصواريخ الباليستية، والنفوذ الإيراني في المنطقة.

التغلب على آثار الحصار الاقتصادي والعقوبات الأمريكية: تخضع إيران لضغوط اقتصادية متزايدة منذ سنوات جراء ملفها النووي، تسببت في تفاقم أوضاع مؤشراتها الاقتصادية، وحتى السنوات القليلة التي أعقبت الوصول إلى اتفاق نووي أممي مع إيران والرفع الجزئي للعقوبات المفروضة عليها، لم تمكنها من إحداث اختراق ملموس في هذا الإطار، وذلك قبل عودة هذه العقوبات مرة أخرى مع انسحاب الولايات المتحدة بشكل فردي من الاتفاق. وتمثل الاتفاقية مع الصين لإيران -في هذا السياق- فرصة للتأكيد على أن البدائل لا تزال متاحة أمامها، وأن الخيار الناجح في حال مزيدٍ من العقوبات أو في حال استمرارها سيكون التعاون الاستراتيجي مع أكثر من دولة.

– التأكيد على أهمية الدولة ومكاناتها بين حلفائها: حيث يشير توقيت الإعلان عن الاتفاقية المترافق مع عقوبات اقتصادية، وانتقادات سياسية موجهة لإيران بسبب العديد من الملفات، إلى أن إيران المعاقبة والمنتقدة لا تزال قادرة على بناء علاقات استراتيجية مع حلفائها، ومواجهة الضغوط المفروضة عليها.

2– دلالة توقيت الإعلان عن الاتفاق بالنسبة للصين:

– مواجهة الضغوط الأمريكية: يأتي الاتفاق في وقت تتصاعد فيه الخلافات بين الصين والولايات المتحدة، وصفها البعض بأنها أقرب للحرب الباردة بين الطرفين، لا سيما مع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة تجاريًا على الصين، كما يأتي الإعلان عن الاتفاقية عقب اجتماع ألاسكا غير الموفق بين وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، ونظيره الصيني يونج يي. حيث تسعى الولايات المتحدة والصين منذ بداية الأزمة بينهما إلى حشد الحلفاء، وبسط أكبر قدر من النفوذ، لا سيما مع اتجاه الإدارة الأمريكية إلى استراتيجية التحول آسيويًا، ومنافسة نفوذ الصين المتزايد في محيطها الإقليمي، والممتد لخارجه وفق استراتيجية الصين التوسعية.

كما تجدر الإشارة إلى أن الاتفاقية مع إيران تتواكب مع تقارب روسي ملحوظ، وأن ثمه توقعات بانضمام روسيا لبعض بنود الاتفاق، حيث قام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بزيارة بكين خلال شهري مارس ومايو من العام الجاري.

– التأكيد على سياسة الحياد والتوازن بين الحلفاء: تتمتع الصين بعلاقات اقتصادية جيدة مع العديد من الدول في المنطقة، فمع علاقاتها الاقتصادية الجيدة مع المملكة العربية السعودية والإمارات على سبيل المثال، بل وتفوق حجم تجارة الصين مع الدولتين، على مثيله مع إيران، تأتي الاتفاقية لتشير إلى أن أجندة الصين مفتوحة أمام العديد من الأطراف. وعلى الرغم مما يراه البعض من أن الاتفاقية مع إيران ستعمل على تقويض العلاقات مع باقي الدول التي لا تتمتع بعلاقات جيدة مع طهران، فإن الحياد الصيني يعد سيد الموقف في هذا السياق، إلى جانب استراتيجية التوسع التدريجي التي تنتهجها مع الحلفاء الموثوقين في المنطقة وخارجها. فمن الجدير بالذكر أن وزير الخارجية الصيني وانغ يي، قد قام بجولة للمنطقة، شملت كلًا من والإمارات والبحرين وعمان وتركيا والمملكة العربية السعودية، التي أتت فيها كمحطة مهمة، وشهدت الزيارة خطابًا وديًا واضحًا، وذلك قبل الاتجاه إلى إيران لتوقيع اتفاقية التعاون.

ثالثًا- المكاسب المتوقعة للطرفين من الاتفاق:

سعى الطرفان إلى تحقيق مكاسب عدة من وراء عقد الاتفاق ومن ثم التوقيع عليه، يمكن الإشارة إلى أهمها فيما يلي:

1- مكاسب إيران المتوقعة:

لا شك أن العزلة الدولية، والانتقادات الإقليمية، إلى جانب العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، قد أسهمت بشكل كبير في تدهور الأوضاع الداخلية في البلاد، اقتصاديًا واجتماعيًا، وبالتالي تعتبر الاتفاقية فرصة ومخرجًا للانفكاك من هذه الضغوط. ولعل أهم المكاسب المتوقع لإيران جنيها ما يلي:

– تحسين أوضاع الاقتصاد الإيراني: في ظل ارتباط الاتفاق مع الصين ارتباطًا وثيقًا بمبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ، والتي انضمت إليها بعض دول المنطقة؛ فإن الموقع الاستراتيجي لإيران، الممتد بين بحر قزوين والمحيط الهندي، سيجعل منها حجز زاوية إقليميًا في تلك المبادرة، لا سيما وأن لديها عددًا كبيرًا من الموانئ التجارية المهمة، ولديها منطقة حرة في جزيرة كيش، تلك الجزيرة التي يتوقع أن يكون لها دور مهم في هذا الاتفاق، كما تضمن الاتفاق في هذا السياق قيام الصين بتطوير وإنماء قطاعات النقل الإيرانية من موانئ وخطوط سكك حديدية، ومترو الأنفاق، وإنشاء منطقة تجارة حرة في ماكو شمال غرب إيران، بهدف خدمة المبادرة، وتأهيل إيران لتكون فاعلة فيها.

كما ستوفر السيولة المالية الصينية التي يتوقع أن تضخ في قطاعات الاقتصاد الإيرانية المتعددة، مساحة لالتقاط الاقتصاد الإيراني أنفاسه من العقوبات الأمريكية التي تطال قطاعات مهمة، لا سيما وأن الاتفاق قد خص قطاع الطاقة باهتمام كبير، سواء الطاقة الأحفورية، أو المتجددة بما فيها النووية، وكذلك الصناعات التحويلية والتعدين، وهو الأمر الذي يمكن معه لإيران استعادة مكانتها كمصدر للنفط ومصنع لمنتجاته حال انتهاء العقوبات الامريكية عليها إذا ما تم الاتفاق على عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه عام 2018. 

فطبقًا لتصريحات كبير المستشارين الاقتصاديين لآية الله خامنئي، علي آغا محمدي، فإن “إيران بحاجة إلى زيادة إنتاجها النفطي إلى 8.5 ملايين برميل يوميًا على الأقل من أجل أن تظل لاعبًا في سوق الطاقة”. ولهذا تظهر أهمية الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة. ويتوقع أن يسهم هذا التطوير في القطاعات الاقتصادية في خلق فرص عمل في ظل الارتفاع الحاد للبطالة.

ونظرًا لتأثر القطاع البنكي الإيراني بشدة بسبب عقوبات أممية طالته لسنوات، واستمرار العقوبات الأمريكية بشأنه، فإن اعتزام الصين إنشاء بنك صيني – إيراني مشترك، سيسهم بشكل كبير ومؤثر على مستويات النقد الأجنبي في البلاد، من خلال التخلص من هيمنة الدولار الأمريكي على السلع التجارية التي تستوردها إيران، كما سيساعد على تلقي الاقتصاد الإيراني العائدات النفطية المصدرة إلى الصين بالعملة الصينية اليوان، فيما تجدر الإشارة إلى أن أحد أهم الأهداف الاقتصادية بين الصين وإيران وكذلك روسيا هو إضعاف الدولار الأمريكي في التجارة والتمويل العالميين.

– تعزيز وضع إيران السياسي: يتوقع أن تحقق إيران مكاسب سياسية على أكثر من مستوى، تتمثل في خلق وتعميق ارتباط إيران بالبنية الاقتصادية التحتية مع بعض دول الإقليم من خلال برنامج مبادرة الحزام والطريق الطموحة، وهو الأمر الذي سيقود إلى خلق مصالح إقليمية تكون إيران طرفًا فيها، مما سيكسر من حدة العزلة المفروضة عليها بسبب سياستها في الإقليم، وتورطها في أكثر من ملف.

كما يتيح الاتفاق مع الصين توسيع التحالفات الخارجية والتمدد خارج الحدود الإيرانية، وهو هدف أساسي ورئيسي في الاستراتيجية السياسية لإيران. ويمكن القول إن الاتفاق الذي استغرق سبع سنوات للتوقيع عليه مع الصين، يُعزز من فكرة أن إيران قد أدركت صعوبة الانخراط مع الغرب في علاقات قوية، وبالتالي لم يعد الانخراط بدلًا من الغرب قابلًا للتأجيل، في ظل إدراك صناع القرار الإيرانيين أن ميزان القوى العالمي يتغير.

وفي ظل ما وصلت إليه مباحثات الملف النووي الإيراني، تسعى إيران إلى امتلاك أكثر من ورقة ضغط لتعزيز موقفها التفاوضي، ومن هنا ترى إيران أن الاتفاق مع الصين ربما يعزز موقف إيران إزاء الضغط للعودة إلى الاتفاق النووي، لا سيما مع الدعم الصيني لإيران في الأمم المتحدة. حيث وصفت إيران الصين بـ”صديقة الأوقات الصعبة” من خلال تصريحات وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف خلال لقاء نظيره الصيني، وانج يي، في 27 مارس 2021.

ومع توقّع أن تنعكس جهود تطوير القطاعات الاقتصادية الإيرانية على الأوضاع المعيشية في الداخل الإيراني، فإن أهم مكاسب النظام السياسي في إيران في هذا الإطار هو هدوء الداخل الإيراني، وتأييد الرأي العام له، لا سيما عقب ارتفاع حدة الانتقادات الموجهة للحكومة والنظام ككل بسبب تردي الأوضاع المعيشية، ودخول هذه الانتقادات مرحلة غير مسبوقة، تتمثل في انتقاد شخص المرشد الأعلى علي خامنئى، وحرق صوره في أكثر من مظاهرة شهدتها البلاد.

كما يتوقع أن يحقق الإصلاحيون من وراء هذا الاتفاق بعض المكاسب، حيث يسمح لهم بهامش سياسي يمكنهم من التواجد في مؤسسات الدولة خلال الفترة القادمة التي ستشهد استحقاقات انتخابية عدة، لا سيما مع الضغوط الحالية التي يتعرض لها التيار الإصلاحي، والإقصاء الواضح له من انتخابات الرئاسة القادمة، بعد رفض مجلس صيانة الدستور أهلية مرشحيه.

  1. – مكاسب الصين المتوقعة:

تشترك الصين مع إيران في عقوبات اقتصادية تفرضها على الولايات المتحدة الأمريكية، في وقت تسعى فيه بكين لبسط نفوذها عالميًا من خلال سياسات حيادية، واستراتيجيات اقتصادية، بغرض التوسع عالميًا دون ضجيج. ويعد الاتفاق طويل المدى مع إيران أحد خطوات تحقيق هذه الاستراتيجية، ومن المتوقع أن تتحصل الصين من وراء الاتفاق على بعض المكاسب، من أهمها:

– تعظيم دور الصين الاقتصادي عالميًا: يشير الخبراء إلى أن الاتفاق الصيني–الإيراني من شأنه أن ينقل الصين من التجارة إلى السيادة الاقتصادية في المنطقة، حال تم تفعيل مبادرة الحزام والطريق، حيث سيسمح الاتفاق بتعزيز التواجد الاقتصادي للصين في دول جوار إيران من خلال المناطق الحرة الإيرانية بعبدان وجزيرتي قشم وكيش، وموانئ بحر عمان، ومضيق هرمز. لا سيما في ظل ما يحظى به مشروع طريق الحرير الجديد بتفهم من دول الشرق الأوسط. ذلك الطريق الذي اشتركت فيه أكثر من 130 دولة.

 وتهدف الصين من خلاله إلى بناء طرق تربطها بباقي أنحاء العالم، وتسهيل وصول منتجاتها إلى الأسواق العالمية في آسيا وأوروبا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية والوسطى، مما يمكنها من توسيع نفوذها كقوة اقتصادية عالمية. كما سيفتح الطريق المجال أمام الحضور الصيني في الدول ذات الولاء لإيران.

ويسمح الاتفاق بشكل مباشر بحصول الصين على النفط الإيراني بأسعار مخفضة، كما يسمح أيضًا بشكل غير مباشر بحصول بكين على النفط من مصدري الشرق الأوسط، إذ يتوقع أن يسهم الاتفاق في تحسين مستويات التجارة مع الصين في المنطقة ككل، لا سيما مع تقليل واشنطن اعتمادها إلى حد ما على نفط الشرق الأوسط بسبب اعتمادها على النفط الصخري. 

– تعزيز وضع الصين العسكري: لا شك أن الصين تدرك حجم الفجوة العسكرية بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، ليس فيما يخص العتاد، إنما أيضًا في مجال القواعد العسكرية حول العالم، ففي الوقت الذي تمتلك فيه الولايات المتحدة قواعد عسكرية في 130 دولة حول العالم، تمتلك الصين قاعدة عسكرية واحدة في جيبوتي، أنشأتها عام 2017. وبالتالي يتيح الاتفاق للصين البدء في التوسع والانتشار العسكري التدريجي، بين حلفائها بدءًا من إيران.

– تعزيز دور الصين السياسي: غالبًا ما تفضل الصين استراتيجية الدولة الصديقة للجميع، وغير الحليفة لأحد، ولذلك لا توجد مواقف قوية للصين سياسيًا في أغلب القضايا الشائكة حول العالم، إلا إذا كانت تتعلق بشكل مباشر بمصالح الصين. ويمكن القول إن الصين ستعمل على بسط نفوذها السياسي من مدخل اقتصادي، عبر مد جسور التعاون مع دول المنطقة التي يمكن أن تستفيد من الاتفاق الصيني–الإيراني، لا سيما في ظل ما تشير إليه كتابات عدة عن رغبة الصين في الانخراط في قضايا منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا الصراع العربي الإسرائيلي، حيث تضع في أولوياتها المساعدة على وضع خريطة طريق لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل في هذه المنطقة. بدءًا من الوصول لاتفاق بشأن الملف النووي الإيراني، تلتزم فيه طهران بتعهداتها إزاء سلمية برنامجها النووي.

رابعًا- مستقبل الاتفاق الصيني-الإيراني:

تبدو بنود الاتفاق الموقع بين الصين وإيران طموحة إلى أقصى حد، على الرغم من عدم الإعلان عن خارطة الطريق لتنفيذ هذا الاتفاق لمدة 25 عامًا قادمة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاتفاق.

ويمكن القول إن الأهداف التي وُقّع لأجلها الاتفاق، وكذلك المكاسب المرجو تحقيقها من ورائه لكلا الطرفين، تعد في حد ذاتها ضمانًا أوليًا لتنفيذه، والالتزام به من قبل إيران والصين، في ظل وجود دوافع ومصالح مشتركة بينهما، إلا أن فرص نجاح الاتفاق في المستقبل تبقى مرهونة بعدد من المعوقات، وقدرة الطرفين على التعامل معها. من بين هذه المعوقات ما يلي:

– أن الاتفاق قام بالأساس كرد فعل على الضغوط التي يتعرض لها الطرفان من قبل الولايات المتحدة، وليس أدل على ذلك من تأخر التوقيع على الاتفاق لمدة 7 سنوات من كتابة مسودته الأولى، حيث سعت إيران للتواصل مع الغرب، غير أن هذه المساعي لم تقابل بنجاح يذكر، في حين حاولت الصين السير قدمًا في توسعة نفوذها الاقتصادي حول العالم في منافسة قوية وبما يشبه الحرب الباردة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فيما انتهي الأمر بعقوبات أمريكية تجارية على الصين، مست مصالح أقوى الشركات الصينية وأهمها. وبالتالي فإنه في حال التوصل إلى توافق إيراني مع الغرب، أو تفاهم صيني أمريكي، سيكون هناك احتمال لمراجعة الاتفاق.

– موقف الشارع الإيراني غير المرحب بالاتفاق، فضلًا عن الاتفاق الذي لم يعرض بعد على مجلس صيانة الدستور، ومجلس الشورى، ومؤسسات الدولة المعنية، والتي يتوقع أن تسجل اعتراضات على بعض بنودها، في إطار الخلاف بين توجهات التيار المعتدل الذي قاد الاتفاق ووقعه، وبين التيار المحافظ الذي فاز مرشحه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

– أن الصين تسعى من خلال الاتفاق لتحويل إيران إلى سوق للسلع الصينية، ومن ثم تسهيل توصيلها إلى منطقة الشرق الأوسط، وهو أمر يمكن أن يواجه الكثير من العثرات، في ظل رداءة المنتج الصيني المصدر إلى دول الشرق الأوسط، والصورة الذهنية السيئة للمنتجات الصينية، حتى في الداخل الإيراني الذي يفضل المنتج الياباني والألماني، نظرًا لجودته، وهو ما عبرت عنه الانتقادات التي طالت الاتفاق في الداخل الإيراني. 

– يرى المراقبون أن الصين بالرغم من توقيع الاتفاق مع إيران لا زالت متوجسة من الدخول بثقلها في المنطقة، نظرًا لعدم استقرارها، وكونها مسرحًا للعديد من الصراعات السياسية والمسلحة، فضلًا عن انسحابها خلال الفترة الماضية من عدد من المشروعات الاقتصادية في خطوة استباقية لتفادي عقوبات أمريكية جديدة، في حين أنه ليس للصين سوابق سياسية لمنافسة النفوذ الأمريكي في دولة ما.وفي النهاية، يمكن القول إن الاتفاق الصيني-الإيراني بقدر طموحه، وقيامه على أسس ومصالح مشتركة؛ بقدر ما يتوقع أن يكون مصيره مرهونًا بعوامل خارجية تتمثل في البيئة الدولية والإقليمية ومدى انخراط الطرفين فيهما، إلى جانب قدرة كل منهما على الوفاء بالتزاماته ناحية الآخر في ظل ارتفاع سقف مطالب كل منهما من الآخر.

رانيا مكرم
باحثة متخصصة في الشأن الإيراني بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجة