الفصل الشرقي من حروب المياه

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

فى منتصف شهور الصيف القائظ الحرارة أعلنت العراق على نحو مفاجئ الأحد الماضى، أن إيران قطعت عنها المياه بشكل كامل، أو بمعنى أدق أن الإطلاقات المائية القادمة للعراق من إيران بلغت «صفر». هذا بحسب ألفاظ وزير الموارد المائية «مهدى الحمدانى»، الذى لوّح للمرة الأولى فى تاريخ العلاقة ما بين البلدين باللجوء إلى المجتمع الدولى، فى حال استمر الوضع على ما هو عليه. الوزير «الحمدانى» فى حديثه يشير إلى تحكم إيران فى سريان المياه العذبة، بأنهار «سيروان» و«الكارون» و«الكرخة» التى تمد المشرق العراقى بالكامل بالمياه، وإن ظلت محافظة «ديالى» بمساحتها الشاسعة أكبر المتضررين، فيما تجابهه من جفاف خانق على خلفية الحجز…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

فى منتصف شهور الصيف القائظ الحرارة أعلنت العراق على نحو مفاجئ الأحد الماضى، أن إيران قطعت عنها المياه بشكل كامل، أو بمعنى أدق أن الإطلاقات المائية القادمة للعراق من إيران بلغت «صفر». هذا بحسب ألفاظ وزير الموارد المائية «مهدى الحمدانى»، الذى لوّح للمرة الأولى فى تاريخ العلاقة ما بين البلدين باللجوء إلى المجتمع الدولى، فى حال استمر الوضع على ما هو عليه. الوزير «الحمدانى» فى حديثه يشير إلى تحكم إيران فى سريان المياه العذبة، بأنهار «سيروان» و«الكارون» و«الكرخة» التى تمد المشرق العراقى بالكامل بالمياه، وإن ظلت محافظة «ديالى» بمساحتها الشاسعة أكبر المتضررين، فيما تجابهه من جفاف خانق على خلفية الحجز الإيرانى المباغت لتدفق مياه الشرب والزراعة إليها. الأمر لم يكن وليد هذا الأسبوع بالتأكيد، فقد استبق الجانب العراقى هذا العجز المائى الفادح، بطلب لقاء مع الجانب الإيرانى لتسوية أمور التدفق المائى وضمان الحفاظ على منسوبها الآمن، على الأقل التى تغطى احتياجات المواطن العراقى الأساسية، كان يفترض أن يجرى هذا اللقاء الثنائى منتصف يونيو الماضى، إلا أن طهران قامت بتأجيله متذرعة بالانتخابات الرئاسية ووعدت بإتمامه بمجرد الانتهاء منها، إلا أن ذلك لم يتحقق. ويبدو أنه جرى تكرار للطلب العراقى مؤخراً قوبل بتجاهل إيرانى، ما دفع الوزير العراقى إلى أن يذهب لمحافظة ديالى المحاذية لإيران لمعاينة الأزمة على الطبيعة، ويطلق تصريحه اللافت من على أراضيها فى خطاب ربما يخرج لأول مرة فى طيات العلاقة الاستثنائية المنسوجة بين الجارتين. إشارة الوزير تناولت رفض إيران الانصياع لاتفاقيات تقاسم أضرار شح المياه الإقليمية، باعتبار الأخيرة لم تبد أى تجاوب ومضت فى عملية قطع المياه عن أنهار وجداول «سيروان» و«الكارون» و«الكرخة». وهذا المسلك هو الذى نقل مشهد الصراع المكتوم الذى جرى ما بين العراق وإيران العام الماضى، وشاركت فيه «ديالى» ما جرى فى البصرة ومنطقة «شط العرب»، إلى نفاد صبر عراقى ظاهر وتعاطٍ حكومى متقدم معه فى التهديد باللجوء للمحافل الدولية، من أجل بحث كيفية تنظيم استحصالها على حقوقها المائية.قد تبدو الحكومة العراقية فى وضعية أفضل هذا العام، فيما يخص توفير الاحتياطيات والبدائل التى تمكنها من استيعاب أزمة المواطنين بشكل جزئى، لكن المعطيات على الأرض تعطى صورة قاتمة للمستقبل القريب، فى حال أضفنا تركيا وسلوكياتها المشابهة. لهذا تدق الحكومة العراقية ناقوس الضرورة الآنية لتوقيع اتفاقيات مع كل من إيران وتركيا، وفى إعلان لا يخلو من الصراحة ذكرت حكومة العراق أنها لم تتلقَّ رداً من كلتا الدولتين بهذا الشأن. مما يصور الوضع على أنه تجمع لنذر أزمات خانقة تشكل مشهداً افتتاحياً لـ«حرب مياه»، تستهدف العراق منذ سنوات بنظام الخطوة خطوة وتخرج هذا العام للنور بهذه الصورة الضاغطة. ففيما يخص إيران تمثل المياه القادمة من أراضيها نحو (35%) من مجمل الموارد المائية للعراق سنوياً، التى تقدر تاريخياً بحوالى (70 مليار متر مكعب) فى حين لم تتجاوز (45 ملياراً) فى عام 2015، وفق تقارير وزارة التخطيط العراقية وبمعدل تناقص متوقع قد يصل بهذه الموارد إلى حوالى (30 مليار متر مكعب) بحلول عام 2035. الأضرار الواسعة التى تتعرض لها العراق فى هذه الحرب المعقدة، لم تؤثر فقط على كمية المياه الواصلة للعراق وإن ظلت هى المهدد الرئيسى المباشر، بل أدت أيضاً إلى زيادة نسبة الملوحة وتلوثها فى مناطق عدة، وهو ما تسبب فى تدهور كبير للإنتاجية الزراعية وبالتبعية تصحر الأراضى. يمثل مشروع «شرق الأناضول» التركى المكون من (22 سداً) متوسطاً وكبيراً، أكبر خصم فعلى من المياه التى ظلت تنساب إلى العراق عبر التاريخ، لكن مؤخراً عندما قامت إيران بدورها بتنفيذ مشروعات على الأنهار المشتركة مع العراق، بغرض تحويل مجرى بعض الروافد إلى داخل أراضيها، بدأت الأزمة المائية تكشر عن أنيابها عبر هذا التدهور الفادح الذى ظهر هذا العام. وأيضاً فيما يخص التشارك مع إيران، تأتى مياه شط العرب التى تتكون من مياه الأنهار الأربعة الكبرى «دجلة» و«الفرات» و«الكرخة» و«الكارون»، التى تظل مهددة طوال الوقت بظاهرة المد والجزر الطبيعية، حيث تمتزج وفقها بمياه البحر التى تتسبب برفع مناسيب المياه فى الشط أو خفضها تبعاً لتلك الظاهرة الأزلية. وقد نشبت صراعات تاريخية بين البلدين بسبب تلك المنطقة حيث ظل كل منهما يعتبرها القضية الخلافية الأولى بينهما، فى أوقات لم تكن العلاقات بينهما على ما هى عليه الآن «افتراضاً»، على أثرها وقّع البلدان «اتفاقية الجزائر» عام 1975، شملت تنظيم الحدود وتقاسم المياه فى الجنوب العراقى الذى صار اليوم بعد تبدل طبيعة المنطقة، الأكثر عرضة لأزمات المياه فى مجمل الأراضى العراقية.ما صار يلقى بظلاله على مجمل المشهد، ويجر مكوناته إلى ما يقارب «الحرب» غير المعلنة، هو ما يجرى على هامش أزمة المياه وتزامناً معها. فقد قامت مؤخراً الميليشيات المسلحة والعديد منها له ارتباطات معلنة وغير معلنة مع الجانب الإيرانى، باستهداف ممنهج لمشروعات البنية التحتية، بالأخص منها المنشآت المائية والكهربائية بهدف الضغط على أعصاب النظام العراقى، كما جرى الأمر فى استهداف خط الطاقة المغذى لمشروع مياه «الكرخ» شمال بغداد، مما تسبب فى قطع مياه الشرب عن المواطنين لفترة طويلة فضلاً عن تكبد الدولة لخسائر مادية كبيرة.هذا واحد من عشرات النماذج المماثلة التى تقع اليوم بوتيرة غير اعتيادية على هذا النحو، مما جعل التفسيرات العراقية يدور أغلبها حول الرغبة الخفية فى إصابة النظام الحالى بالحرج أمام مواطنيه، خاصة وهو يقوم بأكبر عملية ترميم للإخفاقات السابقة عبر تجديد شبكات الخدمات فى عموم العراق، فى وقت بدأ العد العكسى للانتخابات المقبلة. لذلك خرج النظام عن تحفظه، فى ظل تساؤل المواطنين عن التزامن الغريب بين استهداف منشآت الخدمة للمواطنين، وبين قرار طهران بغلق صنابير المياه عن عموم شرق العراق.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب