وحدة الدراسات الاقتصادية

اتجاهات التجارة بين مصر والتجمعات الدولية خلال عام كورونا

تضررت التجارة الخارجية عالميًا خلال عام 2020 بفعل انتشار فيروس كورونا وما ترتب عليه من إرباك للسوق الدولية، حيث اتخذت جميع الدول بلا استثناء إجراءات احترازية هادفة لإيقاف حدة انتشار الوباء، مما أسفر عن توقف حركة السفر والطيران والتجارة.  وبناء عليه، انخفضت قيمة التجارة الخارجية بنحو 9% خلال 2020 مع انخفاض تجارة السلع بحوالي 6% وتجارة الخدمات بحوالي 16.5%، وكان تأثير الجائحة على التجارة العالمية أكثر حدة خلال النصف الأول من العام الماضي، حيث تراجعت بنحو 15% منذ يناير وحتى يونيو 2020، لتبدأ بعد ذلك بالتعافي بشكل طفيف في الربع الثالث وبشكل أكثر قوة بحلول الربع الرابع بفضل انتعاش تجارة…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تضررت التجارة الخارجية عالميًا خلال عام 2020 بفعل انتشار فيروس كورونا وما ترتب عليه من إرباك للسوق الدولية، حيث اتخذت جميع الدول بلا استثناء إجراءات احترازية هادفة لإيقاف حدة انتشار الوباء، مما أسفر عن توقف حركة السفر والطيران والتجارة. 

وبناء عليه، انخفضت قيمة التجارة الخارجية بنحو 9% خلال 2020 مع انخفاض تجارة السلع بحوالي 6% وتجارة الخدمات بحوالي 16.5%، وكان تأثير الجائحة على التجارة العالمية أكثر حدة خلال النصف الأول من العام الماضي، حيث تراجعت بنحو 15% منذ يناير وحتى يونيو 2020، لتبدأ بعد ذلك بالتعافي بشكل طفيف في الربع الثالث وبشكل أكثر قوة بحلول الربع الرابع بفضل انتعاش تجارة السلع العالمية.

بالتأكيد، طالت تلك التغييرات التجارة المصرية التي سجلت انخفاضًا في حجم تبادلها التجاري مع أبرز التجمعات الدولية رغم تحسن وضع الميزان التجاري بشكل عام بسبب العديد من الأسباب التي يحاول هذا المقال استعراضها تفصيلًا.

انكماش التجارة البينية مع التجمعات الدولية

أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في الخامس عشر من يونيو، النشرة السنوية للتجارة البينية المصرية مع التجمعات الدولية لعام 2020، والتي أظهرت تراجع التجارة الخارجية مع جميع التكتلات التي تتضمن مصر مثل “الأسكوا”، و”تجمع الساحل والصحراء”، و”الكوميسا”، و”مجموعة الخمس عشرة”، و”منطقة التجارة الحرة العربية”، وأخيرًا “مجموعة الثمانية الإسلامية النامية”، فضلًا عن انكماش التجارة مع التجمعات الدولية التي لا تتضمن مصر ومن أبرزها: “الاتحاد الأوروبي”، “الإفتا”، “النافتا”، “الآسيان”، “الميركوسور”. 

1-التجارة البينية مع التجمعات التي تتضمن مصر:

انخفض حجم التبادل التجاري مع التجمعات الدولية التي تتضمن مصر من 64.2 مليار دولار خلال 2019 إلى 57.6 مليار دولار في عام 2020، وهو ما يمثل انخفاضًا بنحو 10.2% على أساس سنوي، وهو ما يتبين من الشكل التالي:

الشكل (1): التجارة الخارجية مع التجمعات التي تتضمن مصر

يتضح من الشكل انخفاض حجم صادرات مصر إلى التجمعات سالفة الذكر من 30 مليار دولار خلال 2019 إلى 28 مليار دولار خلال العام الماضي بنسبة تراجع 6.66% على أساس سنوي، وهبط حجم الواردات من تلك التجمعات بنحو 13.4% من 34.2 مليار دولار لتسجل 29.6 مليار دولار بحلول نهاية 2020.

وجاءت صادرات مصر إلى منطقة التجارة الحرة العربية في المرتبة الأولى، يليها تجمع “الأسكوا” و”الكوميسا”، وهو ما يتبين من الشكل الآتي:

الشكل (2): الصادرات المصرية مع أبرز 3 تجمعات دولية

من الشكل السابق يمكن القول إن صادرات مصر لمنطقة التجارة الحرة العربية قد تراجعت إلى 9.8 مليارات دولار، وكذلك صادراتها إلى “الأسكوا” مسجلة 8 مليارات دولار، وأخيرًا انخفضت الصادرات المصرية إلى “الكوميسا” بنحو 9% وبلغت ملياري دولار.

في حين سجلت واردات مصر من تجمع منطقـة التجارة الحرة العربية المركز الأول، تليها مجموعة الخمس عشرة، ومن ثم تجمع الساحل والصحراء، وهو ما يوضحه الشكل البياني الآتي:

الشكل (3): الواردات المصرية مع أبرز 3 تجمعات دولية

يتبين من الشكل تراجع واردات مصر مع كلٍ من منطقة التجارة الحرة العربية بنحو 16.9% على أساس سنوي إلى 9.3 مليارات دولار، ومجموعة الخمس عشرة إلى 8.2 مليارات دولار، وأخيرًا تجمع الساحل والصحراء إلى 800 مليون دولار.

2-التجارة البينية مع التجمعات التي لا تتضمن مصر:

انخفض حجم التبادل التجاري مع التجمعات الدولية التي لا تتضمن مصر من 48.7 مليار دولار خلال 2019 إلى 43.6 مليار دولار بحلول 2020، وهو ما يمثل انخفاضًا بنحو 11.6% على أساس سنوي، وهو ما يُمكن توضيحه على النحو الآتي:

الشكل (4): التجارة الخارجية مع التجمعات التي لا تتضمن مصر

يتبين من الشكل السابق انخفاض حجم صادرات مصر إلى التجمعات سالفة الذكر بنحو 21.05% من 13.3 مليار دولار إلى 10.5 مليارات دولار خلال 2020، كما تراجعت الواردات من 35.4 مليار دولار لتسجل 33.1 مليار دولار خلال العام الماضي، مما يمثل تراجعًا بنسبة 6.49%.

واحتلت التجارة مع الاتحاد الأوروبي المركز الأول، يليه تجمع دول النافتا، وأخيرًا تجمع دول الآفتا، كما يتبين من الشكل الآتي:

الشكل (5): التجارة الخارجية مع أبرز 3 تجمعات دولية 

يتبين من الشكل انخفاض صادرات مصر إلى الاتحاد الأوروبي بنحو 31.9% مسجلة 7.2 مليارات دولار، و”النافتا” بنحو 23.3% إلى 2.3 مليار دولار، ولكن الصادرات إلى “الآفتا” ارتفعت بنحو 305.4% حتى 150.2 مليون دولار.

كما انخفضت الواردات المصرية من الاتحاد الأوروبي بنسبة 8.13% إلى 19.2 مليار دولار، وكذلك من “النافتا” بحوالي 1.81% إلى 5.4 مليارات دولار، ولكنها شهدت ارتفاعًا من “الآفتا” بحوالي 8.3% مسجلة 1.3 مليار دولار.

ويُمكن إرجاع ارتفاع حجم التبادل التجاري مع تجمع “الآفتا” –الذي يضم كلًا من أيسلندا، وليختنشتاين، والنرويج، وسويسرا- إلى مساعي مصر لتوطيد العلاقات الثنائية مع سويسرا في إطار حرصها على تفعيل الاتفاقية الموقّعة بين مصر ودول تجمع “الآفتا” من أجل تيسير نفاذ الصادرات المصرية إلى دول التجمع، لا سيما في القطاعات التي تمتلك مصر فيها ميزات وتنافسية وعلى رأسها السلع الزراعية، والمنتجات الغذائية، والمفروشات والملابس الجاهزة والبلاستيك والمنتجات الكيماوية، والزيوت العطرية والنباتات الطبية.

تقدم ملموس في الميزان التجاري المصري

شهدت أوضاع التجارة المصرية ككل تحسنًا خلال العام الماضي، حيث انخفض العجز في الميزان التجاري مع دول العالم بنحو 17% على أساس سنوي لتبلغ 38.291 مليار دولار مقارنة مع 46.225 مليار دولار خلال 2019. وقد حدث هذا التحسن رغم تداعيات فيروس كورونا، ورغم تراجع حجم التبادل التجاري مع التجمعات الدولية التي تضم أو لا تضم مصر وهو ما يُمكن تفسيره على النحو الآتي:

1-انخفاض الواردات بنسب كبيرة:

تراجعت الواردات بنسبة أكبر من الصادرات خلال العام الماضي وهو ما صب في مصلحة الميزان التجاري؛ إذ سجلت الصادرات المصرية غير البترولية تراجعًا طفيفًا بنسبة 1% إلى 25.295 مليار دولار مقابل 25.637 مليار دولار عام 2019، في حين شهدت الواردات تراجعًا كبيرًا بنسبة 12% مسجلة 63.587 مليار دولار مقابل 71.862 مليار دولار خلال عام 2019.

2-تشجيع سياسة الإحلال محل الواردات

بدأت مصر في الاهتمام بشكل غير مسبوق بتعميق التصنيع المحلي وتوفير مدخلات إنتاج مصرية تفي باحتياجات الصناعة الوطنية، وهو ما يسهم في الحد من الواردات، وزيادة القدرة التنافسية للمنتج المحلي وتحقيق التكامل بين سلاسل الإنتاج الوطنية للمساهمة في تطوير قاعدة صناعية مصرية متكامل، وظهرت أهمية هذه السياسة خاصة مع انتشار فيروس كورونا واضطراب سلاسل التوريد العالمية. وشهدت مصر خلال السنوات الأربع الماضية تسجيل 10 آلاف مصنع جديد لدى هيئة التنمية الصناعية.

وبناء على ذلك، اتخذت الدولة العديد من الإجراءات التي تصب في هذا الاتجاه، والتي كان من أبرزها توقيع بروتوكول التعاون بين الهيئة العربية للتصنيع وهيئة الطاقة الذرية بهدف تبادل الخبرات ودعم جهود الحكومة لزيادة نسب المكون المحلي والقيمة المضافة للمنتجات المصرية، وخفض الواردات وخلق الفرص التصديرية، فضلًا عن توقيع بروتوكول تعاون بين مركز تحديث الصناعة ومعهد بحوث الإلكترونيات في خطوة مهمة للاعتماد على المنتج المحلي في مجال الإلكترونيات.

وفي الختام، يُمكن القول إن الدولة المصرية استطاعت اتخاذ إجراءات ملموسة تهدف إلى إصلاح العجز في الميزان التجاري، ولهذا انخفض حجم العجز بشكل ملحوظ هذا العام مع تراجع التجارة الخارجية مع كلٍ من التجمعات الدولية التي تضم مصر أو التي لا تضمها.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة