الحتمية الوطنية لثورة 23 يوليو 1952

مستشار المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

لا شك أن هذا اليوم يُعتبر من أهم صفحات النضال المصري في التاريخ الحديث، وتحديدًا منذ الاحتلال البريطاني لمصر لمدة سبعين عاما، اعتبارًا من يوليو 1882، حيث نجحت الثورة في معركتَيِ النضال، أولًا: لنَيْل الاستقلال، وثانيًا: لإجلاء قوات المستعمر البريطاني عن تراب الوطن، وهو ما لم تنجح فيه حركات النضال الوطني لعقود ممتدة وأكبرها ثورة 1919 بزعامة سعد زغلول، حيث حصلت مصر لاحقًا على ورقة إعلان الاستقلال 1922 عن بريطانيا والذي كان صوريًا. فما معنى الاستقلال مع بقاء الاحتلال العسكري البريطاني، مع السلطة الفوقية للمندوب السامي البريطاني فوق سلطة الدولة المصرية؟! لقد كان القاسم المشترك لعدم نجاح حركات النضال والثورات…

لواء دكتور/ محمد قشقوش
مستشار المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

لا شك أن هذا اليوم يُعتبر من أهم صفحات النضال المصري في التاريخ الحديث، وتحديدًا منذ الاحتلال البريطاني لمصر لمدة سبعين عاما، اعتبارًا من يوليو 1882، حيث نجحت الثورة في معركتَيِ النضال، أولًا: لنَيْل الاستقلال، وثانيًا: لإجلاء قوات المستعمر البريطاني عن تراب الوطن، وهو ما لم تنجح فيه حركات النضال الوطني لعقود ممتدة وأكبرها ثورة 1919 بزعامة سعد زغلول، حيث حصلت مصر لاحقًا على ورقة إعلان الاستقلال 1922 عن بريطانيا والذي كان صوريًا. فما معنى الاستقلال مع بقاء الاحتلال العسكري البريطاني، مع السلطة الفوقية للمندوب السامي البريطاني فوق سلطة الدولة المصرية؟!

لقد كان القاسم المشترك لعدم نجاح حركات النضال والثورات السابقة، هو عدم وجود جيش وطني مصري قوي يدعم تلك الثورات في وجه السلطة المُستظِلة بوجود القوة المستعمرة والمؤتمرة بأمرها، وفي وجه المُستعمر ذاته، وهو ما تحقق مع ثورة الجيش في يوليو 1952 بالأصالة عن نفسة وبالإنابة عن شعبه الذي التفّ حول ثورته منذ اللحظة الأولى ضد قيادة الجيش الملكي ثم الملك نفسه وصولًا لإجلاء الاستعمار البريطاني، الذي اعتاد المراوغة لعقود طويلة، لتبدأ المباحثات فورًا في أكتوبر 1953 ليغادر آخر جندي بريطاني تراب مصر في 18 يونيو 1956 ليصبح هذا اليوم عيدًا للجلاء.

ثم الالتفات إلى بناء مصر الحديثة التي أسست لها المبادئ الستة للثورة والتي كنّا نحفظها في مدارسنا وتراوحت بين: إقامة حياة ديمقراطية سليمة – جيش وطني قوي – وعدالة اجتماعية – والقضاء على الاستعمار – وعلى سيطرة رأس المال على السلطة – والإقطاع. ثم تأسيس مجتمع الكفاية والعدل، بالكفاية في الإنتاج والعدالة في التوزيع. 

وقبل أن نشرع في سرد الدوافع التي أوصلت إلى ثورة يوليو، علينا أن نذكر للتاريخ أسماء رجالها الأُوَل على قمة من لُقبوا بالضباط الأحرار، ثم تحولت التسمية إلى مجلس قيادة الثورة. وهم: اللواء محمد نجيب (البكباشي)، المقدم جمال عبدالناصر، يوسف صديق (الصاغ)، الرائد عبدالحكيم عامر، جمال وصلاح سالم، زكريا وخالد محيي الدين، أنور السادات، كمال الدين حسين، حسين الشافعي، عبداللطيف البغدادي، حسن إبراهيم، وهناك من تلوا هؤلاء الدور الثوري.

أهم الدوافع التي أوصلت إلى حتمية قيام ثورة يوليو 1952 

1- فشل جميع حركات النضال الوطني لنَيْل الاستقلال وإجلاء المستعمر البريطاني المتواطئ مع السلطة: بدءًا من ثورة عرابي 1888 التي انتهت بنفيه، والحركات الوطنية لمصطفى كامل ومحمد فريد، وصولًا إلى ثورة 1919 بزعامة سعد زغلول التي انتهت بنفيه أيضًا.

2- معاهدة 1936 ثم إلغاؤها في أكتوبر 1951: وقام بالتوقيع والإلغاء النحاس باشا رئيس وزراء مصر، وكان أهم بنودها تجميع القوات البريطانية من كل ربوع مصر في منطقة قناة السويس فقط، لتفادي الاحتكاك بالشعب وما أسفرت عنه المحاكم المختلطة من أحكام الإعدام شنقًا لمصريين في الإسكندرية ودنشواي، وكذلك فتح المدارس (الكليات) العسكرية أمام أبناء الطبقة المتوسطة وليس قصرًا على أبناء البشوات والحاشية ومن وصل والده إلى رتبة اللواء (باشا). وهؤلاء الملتحقون الجدد والوطنيون القدامى هم من أسسوا لثورة يوليو 1952.

3- إلغاء المعاهدة: ارتبط بعدم التزام الاستعمار البريطاني إعطاء الاستقلال، سواء بعد أن أُرغمت مصر على إعلان الحرب على ألمانيا بنهاية الحرب العالمية الثانية 1939-1945 ودعمها بريطانيا في معركة العلمين، حيث انتصرت بريطانيا، ولكنها حنثت بوعد الاستقلال. وكذلك دور بريطانيا في ضياع فلسطين، سواء بوعد بلفور 1917 والانتداب 1923 وقرار تقسيمها في الأمم المتحدة 1947 وأثناء ونهاية حرب فلسطين عام 1948. ويكفي أن نعرف أن قائد الفيلق العربي الأردني في تلك الحرب كان الجنرال البريطاني (كلوب)!

4- المرارة لدى الضباط الأحرار خلال حرب فلسطين وهزيمة الجيوش العربية: كانت مرارة مزدوجة عربية ومصرية، أما العربية فتعكس الواقع الممزق تحت الانتداب البريطاني والفرنسي، وما عكسته القوات الرمزية العربية المدفوعة لتلك الحرب دون خطة أو تسليح مناسب أو تنسيق أو حتى معلومات كافية عن العدو الإسرائيلي حتى من القيادات الفلسطينية الممزقة، وأيضًا دون قيادة محترفة لأكثر من جبهة، حيث أوكلت القيادة المشتركة إلى ملك الأردن عبدالله بن الحسين، وكانت قوات رمزية من (مصر، لبنان، سوريا، العراق، الأردن، السعودية)، وكان توازن القوى البشري والتسليحي لصالح إسرائيل وزاد خلال الهدنة.

أما المرارة المصرية، فبالإضافة إلى ما سبق، كانت موجهة بالدرجة الأولى ضد قيادة الجيش المصري ثم ضد الملك وحاشيته بصفته القائد الأعلى للجيش. فعندما سأل الملك وزير حربيته وقائد جيشه عن جاهزية القوات الذاهبة للقتال في فلسطين، أجاب بأن جلالته لا ينزعج فإنها “بمثابة نزهة عسكرية ضد بعض العصابات الإسرائيلية”. والحقيقة أنها لم تكن نزهة، كما أن تلك العصابات تحولت إلى جيش قوي التنظيم والتسليح منذ نهاية الحرب العالمية عام 1945، وعودة الفيلق اليهودي الداعم للحلفاء المنتصرين إلى فلسطين بأسلحة أفراده الشخصية، كأكبر هجرة مسلحة في التاريخ، لينقلب ميزان القوى لصالح اليهود المهاجرين ضد العرب الفلسطينيين أصحاب الأرض.

وكانت مرارة جمال عبدالناصر وبعض رفاقه مضاعفة، خاصة بعد حصار كتيبتهم في الفالوجا وكان عبدالناصر (أركان حربها) أي الرجل الثاني في القيادة.

5- الغليان في الشارع المصري وحتى إلغاء معاهدة 1936 في أكتوبر 1951: كان الشارع ضد الاستعمار والقصر معًا، فبريطانيا لم تزود الجيش باحتياجاته التسليحية للخلاف بين الدولتين، وحنث بريطانيا بوعدها بالاستقلال بعد دعم مصر لها في الحرب العالمية الثانية وخاصة معركة العلمين، مما أثر بالتقادم على صيانة الأسلحة والعمر الافتراضي لمعظم الزخائر، حيث انفجر بعضها داخل مواسير الإطلاق أو سقط على مقربة دون الوصول إلى الهدف، مما أصاب بعض قواتنا، وهو ما عُرف بقضية “الأسلحة الفاسدة”.

– قبل ذلك زاد الاقتتال بين الجناح العسكري للإخوان المسلمين الذي أسسه “عبدالرحمن السندي” تحت قيادة مؤسس الجماعة “حسن البنا”، وبين حكومتي “النقراشى” و”عبدالهادي” بشكل خاص. 

 – نشطت المقاومة المصرية المسلحة ضد المعسكرات البريطانية في منطقة القناة والتل الكبير، وكانت المرحلة الأولى هي الاستيلاء على أسلحة لقتال المستعمر، والثانية لإرسالها إلى فلسطين قبل قيام إسرائيل 1948. وكان الرد البريطاني عنيفًا بعد مقتل جنديين وإصابة تسعة، حيث هاجموا قسم شرطة الإسماعيلية وبلوكات الأمن بسبعة آلاف جندي مدعومين بالمدرعات، حيث قُتلت القوة الصغيرة بعد بسالة شهد بها الأعداء، وأسر الباقي، ليصبح 25 يناير 1952 عيدًا للشرطة. ثم احترقت القاهرة في اليوم التالي وقتل عدد من الأجانب وعمّت الفوضى والمظاهرات والقمع، من قِبل القصر والمستعمر معًا.

تبلوُر فكرة الثورة وحتميتها في وجدان الضباط الأحرار

من كل ما سبق تراكميًا، فقد تولد لدى مجموعة (تنظيم) الضباط الأحرار حتمية الثورة، واثقين أن الشعب والمقاومة سيؤيدونها ويلتفون حولها ويباركونها فور انطلاقها وهو ما كان. وكانت نقطة البداية هي إزاحة قيادة الجيش، حيث كان تقصيرها في حرب فلسطين ما زال ماثلًا حين دفع الجيش الثمن هزيمةً وشهداءَ ومصابين وخسائر.

تم تكليف الكتيبة 13 مدافع ماكينة (رشاشات متوسطة) بقيادة المقدم أحمد شوقي، وقاد العملية نائبه المقدم يوسف صديق، بمهمة الاستيلاء على وزارة الحربية والقيادة العامة بكوبري القبة، على أن يتم التنفيذ في الساعة الواحدة فجر 23 يوليو. ولكن لخطأ ما في التوقيتات، تحرك الرائد يوسف صديق مبكرًا قبل هذا التوقيت بساعات ليتم التنفيذ في الثانية عشرة، ولكن هذا الخطأ أنجح الثورة وأنقذ الضباط الأحرار من القبض عليهم طبقًا لأمر ملكي كان يُفترض تنفيذه بعد منتصف الليل، وهكذا نجحت المهمة وتم القبض والإبعاد لوزير الحربية وقائد الجيش وبعض كبار القادة وبعض الوزراء مع السيطرة على المرافق الهامة.

تمت إذاعة بيان الثورة من الإذاعة المصرية (4 شارع الشريفين) الذي كتبه المؤرخ الرائد جمال حماد، وأذاعه الرائد أنور السادات بتوقيع اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة. حيث عمّت الفرحة كل ربوع مصر بريفها وحضرها. ثم أعقب ذلك خطاب آخر بذات التوقيع إلى الملك فاروق بالتنازل عن عرش مصر إلى نجله القاصر (الطفل) الأمير أحمد فؤاد تحت الوصاية، على أن يغادر الملك مصر إلى الوجهة التي يختارها، وكانت إيطاليا، خلال يوم 26 يوليو، وهو ما تم من الإسكندرية على متن اليخت الملكي (المحروسة) الذي أصبح (الحرية). وهنا نسجل أن اللواء محمد نجيب الذي أُضيفت إليه رئاسة وزراء مصر، كان في وداع الملك على اليخت الذي كان قد بدأ الإبحار، لتكون لحظة فارقة في تاريخ الرجلين وفي تاريخ مصر الحديث. ولم تنسَ قيادة الثورة إبلاغ السفارات الأجنبية في القاهرة بأن رعاياهم وأموالهم في مأمن.

ولاحقًا، أُنهيت فترة الوصاية الملكية وتم إعلان مصر جمهورية في 18 يونيو 1953 برئاسة اللواء محمد نجيب، وتولى رئاسة الوزراء البكباشي جمال عبدالناصر الذي كان وزيرًا للداخلية، وقرب نهاية عام 1954 أصبح البكباشي جمال عبدالناصر رئيسًا للجمهورية، وغادر اللواء محمد نجيب إلى منزله الذي لم يغادره حتى وفاته.

بتولي الرئيس عبدالناصر رئاسة مصر، بدأت الثورة في تحقيق أهدافها، مثل: قانون الإصلاح الزراعي ضد الإقطاع بما له وما عليه، واتفاقية الجلاء وإنهاء الاستعمار على أرض مصر، والبدء في بناء جيش وطني قوي، وكذلك تأميم قناة السويس، والتصدي للعدوان الثلاثي، والوحدة مع سوريا قبل فشلها، وحملة اليمن، وصولًا إلى حرب عام 67 حيث توقفت القوة الدافعة للثورة والمشروع الناصري. حتى كان نصر رمضان أكتوبر 1973 المؤزر، لتبدأ مصر مرحلة جديدة في عالم جديد تحكمه المصالح والتحالفات وتوازنات القوى، ومفهوم جديد للأمن القومي المصري الشامل.

عاشت مصر حرة، قوية، آمنة، متطورة.

لواء دكتور/ محمد قشقوش
مستشار المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب