ماذا لو لم تقم ثورة يوليو؟

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

تثير ذكرى ثورة 23 يوليو النقاش والمناظرات أكثر مما يثيره أي حدث سياسي في تاريخ مصر، والسبب في ذلك هو أن الثورة تركت أثرا عميقا على المجتمع والسياسة في مصر، وأيضا لأننا مازلنا نعيش في ظل ثورة يوليو بعد ما يقرب من سبعين عاما على حدوثها. فماذا لو أن ثورة يوليو لم تحدث، أو أنها لم تمر ببعض المنعطفات الرئيسية التي اجتازتها؟ ثورة يوليو هي نقطة تحول جذري في التاريخ المصري، صنعت واقعا جديدا تماما، فجعلت مما كان قبلها تاريخا، نحتفل به ولا نختلف عليه، مثلما احتفلنا بمئوية ثورة 1919 قبل عامين. أما ثورة يوليو فإننا نواصل الجدل حولها لأنها…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

تثير ذكرى ثورة 23 يوليو النقاش والمناظرات أكثر مما يثيره أي حدث سياسي في تاريخ مصر، والسبب في ذلك هو أن الثورة تركت أثرا عميقا على المجتمع والسياسة في مصر، وأيضا لأننا مازلنا نعيش في ظل ثورة يوليو بعد ما يقرب من سبعين عاما على حدوثها. فماذا لو أن ثورة يوليو لم تحدث، أو أنها لم تمر ببعض المنعطفات الرئيسية التي اجتازتها؟

ثورة يوليو هي نقطة تحول جذري في التاريخ المصري، صنعت واقعا جديدا تماما، فجعلت مما كان قبلها تاريخا، نحتفل به ولا نختلف عليه، مثلما احتفلنا بمئوية ثورة 1919 قبل عامين. أما ثورة يوليو فإننا نواصل الجدل حولها لأنها مازالت تعيش معنا في عالم السياسة، ولم تخرج بعد إلى مجلدات التاريخ.  

أسست الثورة صيغة محكمة لإدارة السلطة والعلاقة بين الدولة والمجتمع. فقد تعاقب على حكم مصر خلال السبعين عاما الاخيرة عديد أنظمة الحكم، لكل منها طريقته في إدارة سياسة البلاد، وتوجهاته التنموية، وسياسته الخارجية؛ ونصيبه من النجاح والفشل، لكنها جميعا تقع في إطار يوليو، وهو إطار مرن، سمح بتنوع كبير في التوجهات والاختيارات، دون مغادرة الخصائص والسمات الرئيسية للنظام.

ماذا لو أن الثورة لم تقم؟ سؤال يغري الكثيرين للتفكير فيه. كانت البلاد تمر بأزمة سياسية تزداد عمقا مع مرور الوقت؛ فهل أطلقت ثورة يوليو رصاصة الرحمة على نظام يحتضر، وهل أنقذت مصر من الدخول في مرحلة اضطراب وفشل سياسي حاد، أم أنها أجهضت نهوضا كان من المنتظر أن يعقب فترة التأزم السياسي؟ 

هل كانت الأزمة السياسية التي دخلتها مصر في الشهور الأخيرة السابقة على الثورة لتتواصل، ليتحول البلد إلى دولة فاشلة؟ كانت حرارة البلاد السياسية قد ارتفعت إلى مستوى غير مسبوق، فاختلطت فيها عوامل الثورة والانقلاب والفوضى. في أكتوبر 1951 قام النحاس باشا بإلغاء معاهدة 1936، وشرعت الحكومة في دعم الفدائيين الذين يحاربون الانجليز في منطقة القناة. كان في الأمر مفارقة كبيرة، فهاهي حكومة الوفد، بكبار الملاك والبدلات السموكن اللامعة، وبعد أكثر من ثلاثين عاما من أيام الشباب الثوري في 1919، ها هي تتقمص دور حكومة ثورية تدعم الكفاح المسلح. في الخامس والعشرين من يناير 1952 هاجمت قوات الاحتلال البريطاني مقر محافظة الإسماعلية واحتلته بعد معركة سقط فيها شهداء، لم يتلقوا أي دعم من الحكومة في القاهرة. في اليوم التالي اشتعلت النيران في وسط القاهرة التجاري، واحترق أكثر من 700 محل راقي ودار سينما ومطعم، فاضطر النحاس باشا لإعلان الأحكام العرفية، قبل أن يتم إخراجه من الحكم. بين يناير ويوليو من ذلك العام توالى على البلاد أربع حكومات، لم يتمكن أي منها من ممارسة السلطة فعلا، فقد كان زمام البلد يفلت من يد حكامه، بعد أن تحولت إلى بلد غير قابل للحكم.  

الأقرب للواقع والحقيقة هو أن الضباط الأحرار انقلبوا على نظام كانت آفاق تطوره مسدودة بشكل شبه تام، وأن استيلائهم على السلطة حمى مصر من الدخول في حالة انهيار السلطات العامة، وانتشار صراعات سياسية عنيفة، تقوض الاستقرار الاجتماعي والسياسي. 

لكن ماذا لو أن الضباط، بعد النجاح في طرد الملك، قاموا بإعادة كتابة الدستور، لتصبح البلاد ملكية دستورية حقيقية، بحيث يتم نزع سلطات الملك، ووضعها في يد البرلمان ورئيس الوزراء، أو أنهم قاموا بإلغاء الملكية كلية، وحولوا مصر إلى جمهورية برلمانية، يحكمها رئيس الوزراء المنتخب. لو أن شيئا من هذا قد حدث فالأرجح أن حزب الوفد كان ليعود لحكم البلاد لعدة سنوات تالية، مثلما حكم حزب المؤتمر في الهند طوال العشرين عاما التالية للاستقلال. 

لكن هل الهند هي النموذج الأفضل الذي على مصر الاقتداء به؟ في الهند نظام ديمقراطي مستمر بلا انقطاع منذ الاستقلال، إلا أنه لا يمكن اعتبار الهند نموذجا تنمويا ملهما، وربما يفيدنا أن نعلم أن متوسط دخل الفرد في مصر حاليا أكثر من مرة ونصف قدر متوسط دخل الفرد في الهند . أما عن الديمقراطية الهندية، فقد خلف حزب المؤتمر في حكم الهند أحزاب يمينية دينية، أهمها حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم حاليا هناك، معتمدا على إثارة التعصب الديني والطائفي لدى الأغلبية الهندوسية، بما يهدد بتقويض النظام العلماني الديمقراطي الموروث من زمن الكفاح الوطني من أجل الاستقلال. 

خلال العقد الأول من عمر نظام يوليو، تركزت السلطة في يد مؤسسات الحكم، فيما كانت هناك درجة مناسبة من الحرية الاقتصادية، وهامش ملائم لحرية التعبير والاختلاف على أرضية النظام، فكان هناك يمين ويسار، لكن على أرضية النظام ومن بين صفوفه. لقد تغير كل هذا في مطلع الستينيات عندما حدثت الانعطافة الاشتراكية، فتم تأميم الشركات الكبيرة والمتوسطة في الصناعة والتجارة والبنوك والتأمين والعقارات، وأعقب ذلك تأميم الصحف، فتم حرمان مصر من قطاع خاص ديناميكي، ومن صحافة متعددة الأصوات، تثري النقاش، وتنبه ضد المخاطر والمزالق. 

ماذا لو تم الحفاظ على الصيغة التي سادت في مصر خلال عقد الخمسينيات، والتي جمعت بين المركزية السياسية واقتصاد السوق ومساحة مناسبة لحرية التعبير؟ هل كان لهذه الصيغة تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة، وتجنب نكسات سياسية وعسكرية خطيرة؟ أظن أن نموذج مصر الخمسينيات يستحق منا إعادة تقييم، فقد نجد فيه دروسا مفيدة. 

ــــــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام 22 يوليو 2021

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب