وحدة الدراسات الأوروبية

ما بعد ميركل: هل تقود البراجماتية مسار العلاقات الأمريكية-الألمانية؟

فيما يبدو أنها آخر زيارة خارجية لها مع اقتراب نهاية ولايتها التي استمرت نحو 16 عامًا، وصلت المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” للولايات المتحدة يوم الخميس الخامس عشر من يوليو 2021، لتكون أول رئيسة حكومة أوروبية تزور الولايات المتحدة في عهد إدارة الرئيس “جو بايدن” في محاولة تمثل خطوة إيجابية في مسار العلاقات الثنائية بين الجانبين بل والعلاقات عبر الأطلسي، كونها محاولة لرأب الصدع الذي أحدثته الإدارة السابقة بقيادة الرئيس “دونالد ترامب” الذي انتهج سياسة “أمريكا أولًا”، منتقدًا الحلفاء الأوروبيين وألمانيا تحديدًا وسياساتهم تجاه الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالتجارة والأمن والدفاع، وهو ما أدى إلى توتر العلاقات التي قد وصلت…

آية عبد العزيز
باحثة بوحدة الدراسات الأوروبية

فيما يبدو أنها آخر زيارة خارجية لها مع اقتراب نهاية ولايتها التي استمرت نحو 16 عامًا، وصلت المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” للولايات المتحدة يوم الخميس الخامس عشر من يوليو 2021، لتكون أول رئيسة حكومة أوروبية تزور الولايات المتحدة في عهد إدارة الرئيس “جو بايدن” في محاولة تمثل خطوة إيجابية في مسار العلاقات الثنائية بين الجانبين بل والعلاقات عبر الأطلسي، كونها محاولة لرأب الصدع الذي أحدثته الإدارة السابقة بقيادة الرئيس “دونالد ترامب” الذي انتهج سياسة “أمريكا أولًا”، منتقدًا الحلفاء الأوروبيين وألمانيا تحديدًا وسياساتهم تجاه الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالتجارة والأمن والدفاع، وهو ما أدى إلى توتر العلاقات التي قد وصلت في بعض الأحيان إلى حد الصدام، وفرض عقوبات على خط الأنابيب الروسي الألماني “نورد ستريم-2″، والتهديد بفرض رسوم جمركية على بعض الواردات الألمانية، والتلويح بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي “الناتو”، والضغط عليها للالتزام بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي في ميزانية الناتو، علاوة على إعلانه تقليص عدد القوات الموجودة في ألمانيا إلى 25 ألف جندي؛ حيث يتمركز ما يقرب من 34500 جندي أمريكي في أربع ولايات ألمانية: 18459 جنديًا في ولاية راينلاند-بفالتس، و3036 جنديًا في ولاية بادن-فورتمبرغ، و11689 جنديًا في ولاية بافاريا، و2471 في ولاية هيسن، بينما يبلغ العدد الإجمالي نحو 50 ألف جندي شاملًا عدد الموظفين المدنيين الإداريين.

أبرز الملفات

بدأت الزيارة بمقابلة نائب الرئيس الأمريكي “كامالا هاريس” في مقر إقامتها بالمرصد البحري الأمريكي، قبل الانتقال إلى البيت الأبيض لإجراء محادثات مع الرئيس “بايدن”. وفي هذا السياق، تحدثت “ميركل” عن الفيضانات التي تواجهها بلادها والتداعيات التي نتجت عنها، في المقابل عبر “بايدن” عن تعازيه في ضحايا الفيضانات، بجانب مناقشة: 

خط الأنابيب “نورد ستريم-2″؛ حيث لم يتفق الجانبان بشأن المشروع الذي تعارضه الولايات المتحدة حتى الآن، وقالت مصادر إن الإدارة الأمريكية قدرت أنها لن تقدر على إقناع ألمانيا بتغيير موقفها، وأنه من الأفضل طلب موقف ألماني أكثر تشددًا مع موسكو في الملفات الأخرى. وتعهد الطرفان بالتصدي للتحركات الروسية، وعلى منع موسكو من توظيف الطاقة كآلية جيواستراتيجية تخدم بها مصالحها، من خلال الضغط على الحلفاء أو على أوكرانيا. فيما أوضحت “ميركل” أن “نورد ستريم 2 هو مشروع إضافي، وبالتأكيد هو ليس مشروعًا يهدف لأن يحل محل أي ترانزيت عبر أوكرانيا”.

العلاقات مع روسيا: ركز الجانبان على الهجمات الإلكترونية الروسية، والتأكيد على الالتزام بحماية الحلفاء، كما صرح “بايدن” خلال المؤتمر الصحفي مع “ميركل” قائلًا: “نقف معًا وسنواصل الوقوف معًا للدفاع عن حلفائنا من الجناح الشرقي في حلف شمال الأطلسي ضد العدوان الروسي”.

 (كوفيد-19): ما زالت التداعيات الناجمة عن الجائحة تُخيم على العلاقات؛ إذ قال “بايدن” إن إدارته تدرس متى سيتم الرجوع عن قرار حظر السفر المفروض على الأوروبيين إلى واشنطن قريبًا. في المقابل أكدت “ميركل” أن القرار يجب أن يكون مستدامًا. 

براءات اختراع لقاح (كوفيد-19): طالب عدد من المنظمات الحقوقية والمُشرعين الديمقراطيين “بايدن” بالعمل على حث ألمانيا على التنازل عن براءات اختراع لقاحات (كوفيد-19) لتوسيع نطاق الإنتاج، وناقش الجانبان هذه النقطة ولكن من الواضح أنهم لم يتوصلوا إلى حل؛ إذ تُعارض “ميركل” هذا التنازل لأنه وفقًا لها غير فعال.

العلاقات مع الصين: ناقش الزعيمان الصعود الاقتصادي لبكين، فما زالوا مُختلفين حول التعاطي مع الصين، نتيجة اختلاف تصوراتهم تجاهها، ولكنهم متوافقون حول مواجهة الانتهاكات الصينية التي تقوض مبادئ الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وهنا أشارت “ميركل” إلى ضرورة تكافؤ الفرص في التجارة مع الصين. 

الانسحاب الأمريكي من أفغانستان: صرحت “ميركل” بأن شراكة ألمانيا هناك كانت جيدة، ولكنها لم تتمكن من بناء أمة كما تود، ولكن “على مدى سنوات عديدة، عملنا معًا في أفغانستان، وتمكنا -إلى حد ما- من احتواء الأخطار الإرهابية”.

منطقة الساحل الإفريقي: عبرت “ميركل” عن امتنانها للجهود الأمريكية في احتواء وصد وتيرة الإرهاب هناك، الذي يُمثل تحديًا كبيرًا لألمانيا وأوروبا، والدول الإفريقية. 

لقد حملت الزيارة الوداعية في طياتها رسالة ودية تجسدت في إشارة “بايدن” إلى أنه “سيفتقد رؤيتها في القمم الدولية المُقبلة، ووصفها بأنها “صديقة عظيمة، وصديقة شخصية، وصديقة للولايات المتحدة”. في المقابل قالت “ميركل”: “أنا أقدر الصداقة”. كما حملت رسالة رمزية مهمة تتبلور في رد اعتبار “ميركل” لدى الإدارة الجديدة، ونخبة واشنطن السياسية والعلمية، بعد سنوات من الصدام وعدم التقدير الذي حظيت به “ميركل” من قبل إدارة “ترامب”، بجانب أنها تأكيد على إحياء العلاقات مرة ثانية وتخفيف حدة التوتر بينهما، والحرص على تقديم رسائل طمأنينة لبعضهما بعضًا للوقوف على مساحة متوافقة لتعزيز التعاون، وتجاوز الخلافات، وهو ما تجلى في مناقشة عدد من الملفات محل الاهتمام المشترك، دون اتخاذ أي قرارات متعلقة بها لديها تبعات طويلة المدى، وخاصة مع اقتراب نهاية ولاية “ميركل”.

نهج استباقي

واجهت العلاقات الأمريكية الألمانية عددًا من العثرات المتتالية نتيجة عدم التوافق بين الجانبين على إدارة بعض الملفات على الصعيد الإقليمي والدولي، واختلاف جذري في الثقافة الاستراتيجية لكل منهما، بجانب سعيهما إلى الحفاظ على مصالحهما، فأولوياتهما الوطنية تفوقت على المصالح البينية في بعض الأحيان، فضلًا عن انعكاس العلاقات الشخصية بين قادة البلدين على العلاقات. فمنذ قدوم “ميركل” في عام 2005، شهدت العلاقات الأمريكية الألمانية عددًا من التحولات، ففي عهد الرئيس “جورج بوش الابن” كانت العلاقات مستقرة إلى حد ما بعد حالة الصدام التي وقعت بين “بوش” والمستشار “شرودر” بشأن غزو العراق.

ومع تولي “باراك أوباما” كانت العلاقات تسير بوتيرة مستقرة؛ حيث وصف “ميركل” بأنها “الشريك المتميز”. كما منحها وسام “الحرية الرئاسي” خلال زيارتها في عام 2011، ولكنها لم تخلُ بشكل كامل من التوتر. فعلى سبيل المثال، غضبت “ميركل” من الأنباء التي انتشرت حول مراقبة هاتفها من قبل وكالة الأمن القومي الأمريكي في عام 2013. ومع قدوم “دونالد ترامب” عانت العلاقات من عدد من العثرات التي انعكست بشكل سلبي على مسارها. ولكن مع تولي “جو بايدن” ما زالت الأوضاع قيد التشكل، ولكنها حتى الآن في مسار يسمح للطرفين بالتعاون بدون صدام علني، وبالفعل فقد استبق “بايدن” الزيارة بعدد من الآليات التي ساهمت في خفض التوتر تتجسد أبرزها في: 

  • “عودة أمريكا”: حاول “بايدن” استعادة مكانة الولايات المتحدة التي من وجهة نظره تضررت نتيجة سياسات “ترامب”، على مستوى الخطاب السياسي الذي ارتكز على التعددية والاتحاد كوسيلة لمواجهة التحديات العالمية، وأما على مستوى الأفعال فقد أعلن العودة لاتفاق باريس، ومنظمة الصحة العالمية، وتمديد معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية الجديدة مع روسيا، واستئناف المحادثات مع إيران بشأن البرنامج النووي، بجانب الدفاع عن الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، والتأكيد على أهمية التعاون متعدد الأطراف تحت مظلة المؤسسات الدولية، كتمهيد لعودة الثقة في الولايات المتحدة كحليف استراتيجي، وقوى عالمية ذات تأثير على مسار التفاعلات الدولية. 
  • تعزيز التعاون العسكري: أعلنت إدارة “بايدن” عن رغبتها في تجميد القرار الخاص بتقليص عدد القوات الأمريكية في ألمانيا، وهو ما صرح به “جاك سوليفان” مستشار الأمن القومي الأمريكي في الرابع من فبراير 2021، وتم التأكيد على ذلك إبان زيارة “لويد أوستن” وزير الدفاع الأمريكي لبرلين ولقائه نظيرته الألمانية “أنيجريت كرامب كارنباور” في الثالث عشر من أبريل 2021، علاوة على زيادته بمقدار 500 جندي في منطقة “فيسبادن”، لتعزيز التنسيق العسكري بينهم والردع والدفاع الأوروبي، والتزامًا من واشنطن تجاه ألمانيا وحلفائها في الناتو. وفيما يتعلق بالإنفاق الدفاعي، لم تتراجع الإدارة الجديدة عن قرارها بضرورة التزام ألمانيا بزيادة إنفاقها العسكري إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي في ميزانية الناتو، ولكنها حتى الآن لم تضغط عليها أو تتبنى لهجة حادة تجاه برلين على غرار ما قام به “ترامب”. ومن ناحيتها تقول برلين إن ميزانيتها الدفاعية أضخم ميزانية في أوروبا، وإن الأولوية يجب أن تكون لرفع كفاءة قواتها المتدهورة فعلًا، ودعم قدراتها على العمل المشترك مع الحلفاء.
  • ألمانيا شريك أفضل: صرح وزير الخارجية الأمريكية “أنتوني بلينكن”، إبان مؤتمر صحفي مع “ميركل” خلال زيارته لألمانيا التي كانت وجهته الأولى في جولته الأوروبية التي شملت فرنسا وإيطاليا، في الثالث والعشرين من يونيو 2021، بأنه “يعتقد أن من الإنصاف القول إنّ الولايات المتحدة ليس لديها شريك وصديق أفضل من ألمانيا في العالم”. كما التقى نظيره الألماني “هايكو ماس”، وناقشا بعض القضايا ذات الاهتمام المشترك مثل الموقف من “نورد ستريم-2″، موضحًا موقف بلاده من المشروع الذي يُثير عددًا من المخاوف لدى واشنطن بشأن روسيا، قائلًا: “ألمانيا والولايات المتحدة سيواصلان الوقوف معًا ضد أي أنشطة خطرة أو استفزازية من جانب روسيا، سواء بشأن التعدي على الأراضي الأوكرانية، أو سجن المعارض الروسي “أليكسي نافالني”، أو نشر معلومات مُضللة في ديمقراطياتنا”، وذلك خلال المؤتمر صحفي مع “ماس”. في المقابل، أعرب “ماس” عن أن بلاده ستبذل جهودها لمعالجة هذه المخاوف قائلًا: “إننا ندرك التطلعات في واشنطن، ومن المهم للغاية بالنسبة لنا أن نحقق نتائج يمكن لواشنطن أيضًا التعامل معها”. 
  • التراجع عن عقوبات “نورد ستريم-2”: ما زال خط الأنابيب الألماني-الروسي الذي تبلغ تكلفته ما يقرب من 11 مليار دولار، ويُوشك على الانتهاء، يُعرقل العلاقات؛ حيث تُصر “ميركل” على أن المشروع اقتصادي ولا يشكل خطرًا على تنويع مصادر الطاقة، فيما تتخوف الولايات المتحدة من تبعية الحلفاء لروسيا نتيجة اعتمادهم على الغاز الروسي، وهو ما أدى إلى تعرض المشروع والشركات العاملة فيه إلى عقوبات، ولكن مع قدوم الإدارة الجديدة التي ما زالت مُعترضة تراجعت الولايات المتحدة عن العقوبات المفروضة عليه لأسباب تتعلق بالأمن القومي. وقد جاءت هذه الخطوة في تقرير عن العقوبات الروسية قدمته وزارة الخارجية إلى الكونجرس في العشرين من مايو حيث تم توضيح أن “شركة “نورد ستريم 2 آي جي” ورئيسها التنفيذي “ماتياس وارنيغ” يشاركان في نشاط خاضع للعقوبات بموجب القانون الأمريكي، لكن الإدارة سترفع أو تتنازل عن العقوبات لأسباب تتعلق بالأمن القومي”. وهو ما رحبت به “ميركل”، واعتبره “ماس” “خطوة بناءة”. وكما قلنا أعلاه فإن الإدارة الأمريكية تعتقد أن الضغط في هذا الملف لن يجدي، فإلغاء المشروع -إن حدث- سيُجبر الحكومة الألمانية على دفع تعويضات هائلة للشركات التي استثمرت فيه، ولذلك لن تتنازل ألمانيا عنه، والأكثر حصافة هو الضغط الشديد على ألمانيا في ملفات أخرى.

ويلاحظ أن زيارة ميركل رغم أهميتها الفعلية والرمزية ليست المؤشر الوحيد على الدفء العائد، فزيارات المسئولين الألمان لواشنطن أصبحت كثيفة. مثلًا تلك التي قام بها “هندريك رويلر” كبير المستشارين الاقتصاديين، حيث التقى و”جيك سوليفان” مستشار الأمن القومي الأمريكي، و”كاثرين تاي” الممثلة التجارية لمناقشة مشروع “نورد ستريم -2″، والعلاقات الاقتصادية بين الجانبين التي تواجه عددًا من التحديات وذلك وفقًا لمجموعة Funke الإعلامية في ألمانيا.

بالإضافة إلى زيارة وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس” يوم الثالث عشر من يوليو لتستمر ثلاثة أيام زار خلالها منشأة لإنتاج اللقاح تابعة لشركة “فايزر”، بمدينة ديترويت، لتفقدها دون التعليق على الخلاف حول براءات اختراع اللقاحات. وبعدها توجه نحو مجلس الأمن بنيويورك لحضور الاجتماع الخاص بالأزمة الليبية، قائلًا: “نحن بحاجة إلى فاعلين دوليين للتعاون، وسحب جميع المرتزقة والجنود الأجانب”. 

وأخيرًا توجّه قائد القوات الجوية الألمانية إلى واشنطن لبحث سبل التعاون.

دوافع عدّة

تسعى إدارة “جو بايدن” لتكوين حائط صد لمواجهة التحديات المُتلاحقة التي قد تقوض مكانة القوى الغربية، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، وذلك في سياق تغير موازين القوى، لذا فقد سعت إلى خلق عدد من الفرص لتعزيز الحوار مع ألمانيا، مُستهدفة بذلك: 

  • مواجهة النفوذ الصيني: مثَّل صعود الصين في النظام العالمي كقوة اقتصادية تهديدًا لمكانة الولايات المتحدة، بل أصبحت منافسًا لها في العديد من القضايا، علاوة على تنامي نفوذها وعلاقاتها في وسط وشرق أوروبا من خلال مبادرة 17 + 1، فمن بين البلدان السبعة عشر، وُقعت عشر مذكرات تفاهم مع الصين بشأن مبادرة الحزام والطريق مع: المجر، ورومانيا، وجمهورية التشيك، وبولندا، وسلوفاكيا في عام 2015، ولاتفيا في عام 2016، اليونان، والبرتغال، والنمسا في عام 2018، وإيطاليا في عام 2019. كما دفعت “ميركل” إبان رئاستها للاتحاد الأوروبي لإبرام اتفاقية شاملة للاستثمار بين الصين والاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2020. فيما أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لألمانيا، وتُصر برلين على أهمية التعاون مع الصين في القضايا العالمية، مثل تغير المناخ والجائحة. لذا ترغب الولايات المتحدة في حث ألمانيا على مواجهة النفوذ الصيني المُتنامي، وانتهاكات حقوق الإنسان والحريات الأساسية في هونج كونج، وشينجيانج، بدون الدخول في مواجهة عسكرية، أو احتوائها أو تقييدها، ولأن تحركاتها من وجهة نظرها تشكل تحديًا للنظام العالمي ولا بد من الحفاظ عليه.
  • الردع الروسي: يتبنى “بايدن” لغة شديدة اللهجة تجاه الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” منذ توليه وصلت إلى حد وصفه بأنه “قاتل”، وسيدفع ثمن محاولته لتقويض الانتخابات الأمريكية، علاوة على اتهام موسكو بتنفيذ عدد من الهجمات الإلكترونية التي استهدفت المؤسسات الأمريكية، وهو ما أدى إلى طرد الولايات المتحدة الدبلوماسيين الروس منها، وفرض عقوبات عليها ردًا على هذه الهجمات. كما أن القمة التي جمعت بين “بايدن” و”بوتين” لم تسفر عن تحول في العلاقات، إلا أنها ساهمت في خفض حالة العداء بينهما، ولكن ما زالت موسكو تمثل تحديًا لحلفاء واشنطن وأوكرانيا التي ما زالت تتعرض لتهديد روسي على حدودها. لذا يسعى “بايدن” إلى تعزيز التعاون مع ألمانيا التي تدعي أن علاقاتها مع روسيا في إطار التعاون الاقتصادي، وأنها تنتقد الانتهاكات التي تقوم بها روسيا تجاه دول الجوار، وأيدت العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على المسئولين الروس، بالإضافة إلى إدانة الكرملين محاولةَ اغتيال المعارض الروسي “أليكسي نافالني”. 
  • تقوية المحور الأطلسي: أكد “بايدن” على ضرورة التنسيق بين الحلفاء، موضحًا أهمية الناتو لمصالحهم، إلا أنه يواجه عددًا من التحديات الجديدة في التعامل مع روسيا والصين، لذا تعد ألمانيا حليفًا قويًا ترغب الولايات المتحدة في رأب الصدع الذي أحدثه “ترامب” معهم. والاستفادة من الإمكانيات الجيواستراتيجية واللوجستية المتواجدة على الأراضي الألمانية لمواجهة التحديات المتنامية التي تواجههم؛ حيث تعد ألمانيا من أهم وأكبر قاعدة للتواجد الأمريكي في أوروبا، ومركزًا للانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا وعدد من المناطق الأخرى، مثل فريق اللواء القتالي المدرع الأمريكي الذي يتم نشره في بولندا، ومن مقر القيادة المشتركة في قاعدة “شتوتجارت” ينسق الأمريكيون والأوروبيون عملياتهم في إفريقيا. كما تمثل قاعدة “جوافنوهر” أكبر منشأة للتدريب تابعة للناتو في أوروبا. فيما تعد قاعدة “رامشتاين” الجوية الواقعة في ولاية رينانيا بلاتينا –القاعدة المركزية للناتو الخاصة بوحدات التدريب- مركز انطلاق لوجستيًا للعمليات في الشرق الأوسط أو أوروبا الشرقية أو إفريقيا. علاوة على تواجد أكبر مركز طبي عسكري متقدم خارج الولايات المتحدة في “لاندستور” بالقرب من “رامشتاين” لرعاية الجنود الأمريكيين الجرحى العائدين من العراق وأفغانستان، فضلًا عن القوات العسكرية الألمانية لخضوع المركز للقوانين والأنظمة الألمانية.

أخيرًا، من المتوقع أن تنعكس الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية تجاه ألمانيا في الآونة الأخيرة على مسار العلاقات بشكل نسبي، كما ستتوقف فعاليتها على ما الذي ستقدمه ألمانيا في المقابل للولايات المتحدة والقوى الأوروبية وفي مقدمتهم أوكرانيا وبولندا، علاوة على مدى قدرتها على بلورة تصور واضح بشأن روسيا والصين لتحديد نهج متوافق عليه يمكن تبنيه في سياق التحولات العالمية المُتلاحقة. 

ومن المتوقع أن تكون الزيارة الأخيرة إعادة تقييم للعلاقات وتمهيدًا لمرحلة ما بعد “ميركل”، خاصة إذا تولى “أرمين لاشيت” -السياسي المحافظ- رئيس حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، الذي يصف نفسه مرشح الاستمرارية، منصب المستشار كخليفة لـ”ميركل”، إذ من الواضح أنه سيركز على الاتحاد الأوروبي وتقوية العلاقات عبر الأطلسي، والالتزام بزيادة الإنفاق العسكري، وتعزيز التعاون مع الولايات المتحدة في القضايا محل الاهتمام المشترك. وفيما يتعلق بروسيا فإنه يرفض وقف مشروع “نورد ستريم-2″، ولكن هذا لا يعني عدم انتقاده للتعاطي الروسي مع “نافالني”. أما الصين فمن المتوقع أن يستمر على نهج “ميركل” بشأن إدانة الانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان دون التأثير على العلاقات التجارية بين الجانبين.

آية عبد العزيز
باحثة بوحدة الدراسات الأوروبية