وحدة الدراسات الأفريقية

من الدفاع إلى الهجوم: أسباب انتقال الحرب من تيجراي لأمهرا

انتقل الصراع في شمال إثيوبيا من إقليم تيجراي إلى إقليم أمهرا، في مشهد جديد يجسد التنافس التاريخي بين قوميتي الأمهرا والتيجراي، وهو تنافس قديم وليس بجديد على المشهد السياسي الإثيوبي، فالعداوة بين القوميتين لديها جذور طويلة الأمد، ولكن حاليًا تقترب بسرعة من حرب كبرى ربما تنتهي بكارثة حقيقية، قد تهدد بقاء الدولة في إثيوبيا. وبينما تتبادل كل من الحكومة الفيدرالية الإثيوبية الحالية المدفوعة بتوجهات القوميين الأمهرا، وجبهة تحرير تيجراي، الاتهامات بالمسئولية عن بدء الصراع القائم، لا يبدو هناك أفق لتسوية الأزمة، لا سيما بعد أن حقق التيجراي مكاسب مهمة في مواجهة الجيش الإثيوبي، وبدأوا في استعادة التفوق العسكري وزاد طموحهم…

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية

انتقل الصراع في شمال إثيوبيا من إقليم تيجراي إلى إقليم أمهرا، في مشهد جديد يجسد التنافس التاريخي بين قوميتي الأمهرا والتيجراي، وهو تنافس قديم وليس بجديد على المشهد السياسي الإثيوبي، فالعداوة بين القوميتين لديها جذور طويلة الأمد، ولكن حاليًا تقترب بسرعة من حرب كبرى ربما تنتهي بكارثة حقيقية، قد تهدد بقاء الدولة في إثيوبيا. وبينما تتبادل كل من الحكومة الفيدرالية الإثيوبية الحالية المدفوعة بتوجهات القوميين الأمهرا، وجبهة تحرير تيجراي، الاتهامات بالمسئولية عن بدء الصراع القائم، لا يبدو هناك أفق لتسوية الأزمة، لا سيما بعد أن حقق التيجراي مكاسب مهمة في مواجهة الجيش الإثيوبي، وبدأوا في استعادة التفوق العسكري وزاد طموحهم لاستعادة مكانتهم التي أفقدهم إياها آبي أحمد منذ وصوله إلى السلطة. 

الصراع القديم ومكاسب التيجراي الجديدة

تاريخيًا يدور الصراع بين التيجراي حول بسط السيطرة على الأرض القابلة للزراعة، حيث تعتبر منطقة غرب تيجراي التي تقع على حدود أمهرا أحد المطامع لقومية الأمهرا، فأراضي قومية الأمهرا تتميز بتضاريس وجبال صخرية لا تعد مثالية للزراعة. يضاف هذا إلى الصراع السياسي والتنافس التاريخي وهيمنة الأمهرا على السلطة مؤخرًا في ظل تولي آبي أحمد الحكم، وانتهاجهم سياسة الاضطهاد والعزل التعسفي من الوظائف، ومحاكمات غير قانونية، وإلصاق التهم بقومية التيجراي، الأمر الذي عمّق من الاختلافات، وهو ما قاد في النهاية إلى شن الحكومة الفيدرالية حربها على تيجراي في نوفمبر 2020.

وتنظر الآن قوات دفاع تيجراي إلى منطقة الحمرة الواقعة في أقصى شمال غرب الإقليم باعتبارها هدفًا استراتيجيًا، والمنفذ الدولي الوحيد لهم، من أجل كسر الحصار المفروض منذ تسعة أشهر، فضلًا عن أنها تشكل مثلثًا للحدود الدولية بين كل من السودان وإريتريا وإثيوبيا، حيث يفصل بينهم نهر (سيتيت) الموسمي. وإذا تمكنت قوات دفاع تيجراي مستقبلًا من استرداد مدينة الحمرة تكون حققت مكاسب منها أهمها فتح ممر مستدام لوصول المساعدات الإنسانية والإغاثية عبر السودان، وامتلاك منفذ يتيح للقيادات التيجرانية السفر إلى الخارج والعودة مرة أخرى بشكل آمن، وإبطال اشتراط الحكومة الإثيوبية دخول مواد الإغاثة عن طريق الطائرات، وبالتالي تجنب تفتيشها في مطار (بولي) الدولي، هذا بجانب تحقيق انتصار معنوي في التعامل مع المجتمع الدولي والإقليمي.

استنفار الأمهرا استعدادًا لمعركة مصيرية

بعد أن سيطرت قوات دفاع تيجراي على مناطق في جنوب وغرب تيجراي، أصدرت حكومة إقليم أمهرا (في 13 من يوليو 2021) بيانًا أعلنت فيه التعبئة العامة لشعب أمهرا لمعركة الوجود الكبرى أو لرد الغزو الكبير الذي يتعرضون له من قبل قوات دفاع تيجراي. وذكر البيان أن على كل من له خبرة سابقة من قومية الأمهرا بالعمل العسكري أو الأمني وحتى المتقاعدين الإسراع بتسجيل أسمائهم لدى مراكز مخصصة للدفاع عن مكتسبات قومية الأمهرا، فضلًا عن مناشدة البيان للشباب الذهاب إلى مراكز التدريب، وطلب من عموم قومية الأمهرا في الداخل والخارج القيام بدورهم للمساهمة بما يستطيعون في مساعدة قوميتهم. وطالب البيان الحكومة الفيدرالية بجميع مكوناتها والشعب الإثيوبي عامة الوقوف مع قومية أمهرا في هذه المعركة للبقاء الوجودي، باعتبارها معركة الدفاع عن الدولة الإثيوبية ووحدتها.

وفي السياق ذاته، طالب حاكم الإقليم أجيناهو تشاجر عبر تغريدة على تويتر جنرالات الأمهرا المتقاعدين وكبار ضباط الصف الالتحاق بمعركة وجود أمهرا. وفي وقت سابق كانت وسائل إعلام إثيوبية موالية للأمهرا قد نفت دخول قوات دفاع تيجراي إلى بعض المدن في جنوب تيجراي (مثل: كورم، وألماتا، وماطبري)، مشيرة إلى أن قوات أمهرا انسحبت منها بحجة أن الذين يتقدمون صوف القتال من قوات دفاع تيجراي هم أطفال ونساء. وفي تصريحات تالية وصف حاكم إقليم أمهرا الإثيوبي أجيناهو تشاجر قومية تيجراي بأنهم أعداء لجميع الشعوب الإثيوبية، ويجب شن حرب شاملة والقضاء عليهم حتى يعيش الشعب الإثيوبي في أمان، وذلك في لقاء بثه التلفزيون الرسمي للدولة الإثيوبية في 25 من يوليو 2021. وأضاف خلاله أنه لن تنعم إثيوبيا بأمان طالما قومية تيجراي ضمن المكون الإثيوبي.

اتساع ميدان المعارك

لا تخفى طبيعة التحالف بين رئيس الوزراء آبي أحمد والقوميين الأمهرا، باعتبار الأمهرا حاضنة سياسية وثقافية لمشروع المركزية الذي يتبناه آبي أحمد بدلًا من مشروع الفيدرالية الإثنية الذي يقره دستور البلاد الصادر عام 1995. هذا الوضع يُشكل فرصةً سانحة لحشد جبهة تحرير تيجراي أنصارها لمشروعها لاستعادة السلطة وإسقاط آبي أحمد من خلال فتح جبهات صراع متعددة تستنزف بها ما تبقى من القدرات العسكرية للحكومة المركزية.

فبعيدًا عن الصراع الحاد بين النخب الحاكمة في إقليمي تيجراي وأمهرا، لا تزال العديد من الأسباب الموضوعية لتصاعد الصراع وتمدده قائمة في الوقت الراهن، وفي مقدمتها مشكلة ترسيم الحدود بين الأقاليم الإثيوبية، وهو ما فاقم منه فشل آبي أحمد في تأسيس مفوضية خاصة لمعالجة الحدود كان قد أعلن عنها بعد فوزه برئاسة الوزراء، وذلك على خلفية اعتراض قومية الأمهرا على هذه المفوضية، لا سيما أن تأسيس هذه المفوضية كان يحمل تهديدًا ضمنيًا بترحيل حوالي 5 ملايين من قومية الأمهرا من أقاليم أخرى مجاورة كتيجراي وبني شنقول وأوروميا، كانوا قد استولوا فيها على أراضٍ زراعية من غير صكوك تستند عليها تبعيتهم وامتلاكهم لهذه الأراضي. وبينما تقود قوات دفاع تيجراي حربًا شرسة مع القوات الخاصة لإقليم أمهرا ومليشيات (فانو) ذات التوجهات القومية الأمهرية المتطرفة، بهدف السيطرة على الأراضي الزراعية؛ يمكن للجبهات المسلحة في إقليمي أوروميا وبني شنقول أن تنخرط سريعًا في الصراع نفسه في ظل تلاقي المصالح التكتيكية.

ويُنذر استمرار الصراع بين الأمهرا والتيجراي بكارثة إنسانية كبرى. فمن المتوقع في ضوء استمرار الحرب أن تضرب المجاعة إقليم أمهرا بعد فقدانهم للموسم الزراعي الحالي بعد موسم الأمطار. وربما تستغل جبهة تحرير بني شنقول، انشغال الأمهرا في حربهم مع قوات دفاع تيجراي، والتوغل بسرعة إلى مناطق استراتيجية داخل الإقليم، بغية تحقيق مكاسب تجعلهم في موقع أقوى لدعم مطالبهم المستمرة بتقرير المصير.

وقد بدأت جبهة تحرير أوروميا OLF في تصعيد عدائها تجاه الحكومة الإثيوبية، متهمة إياها باستخدام الأطفال كجنود في حربها ضد قومية التيجراي، في بيان أصدرته في 23 من يوليو 2021، أكدت فيه أن حزب الازدهار الحاكم (Prosperity Party) قام بعمليات تجنيد إجبارية للأوروميين القسري وشملت العديد من المقاطعات مثل (بورانا، غوجي، يلوبابو، غرب شوا)، بالإضافة إلى مناطق واقعة تحت سيطرة العاصمة الإثيوبية (فيني فني، بايل، شرق بيل، غرب أرسي).

كل هذه الملابسات قد تتيح فرصة لتحالف بين التيجراي والعناصر المعادية للحكومة المركزية من قوميات متعددة في مقدمتها: العفر، بني شنقول، الأورومو، والغامبيلا، وحتمًا سوف تتغير المعادلة في ميزان القوة لتسقط حكومة القوميين الأمهرا. إن الصراع الداخلي في إثيوبيا لن يتوقف بسهولة، وحتى لو فرضت القوى الغربية التصالح والتوافق على الأطراف المتصارعة سيبقى اتفاقًا هشًا حيث سرعان ما ستبدأ الخلافات حول السلطة مرة أخرى.

صلاح خليل
باحث بمركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية