وحدة الدراسات العربية والإقليمية

كيف يمكن قراءة الموقف الفرنسي من الأحداث في تونس؟

في 25 من شهر يوليو، قرّر الرئيس التونسي “قيس سعيد” إعفاء هشام المشيشي من رئاسة الحكومة، وتجميد أعمال البرلمان لمدة 30 يوما، ورفع الحصانة عن أعضائه، تلاه إقالة عدد كبير من المسؤولين. وقد أتت تلك الخطوة بعد جمود سياسي طال أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والصحية التي تضرب البلاد بسبب تداعيات تفشيي فيروس كورونا المستجد. إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8.8 ٪ في عام 2020. وارتفع معدل البطالة من 15٪ إلى 18٪ في الربع الثاني من عام 2020 وفقًا لبيانات البنك الدولي وهو مستوى لم تصل إليه البلاد منذ ثورة 2011.كما نما الدين العام وفقًا لبيانات وزارة المالية، من 72.5٪ من…

الشيماء عرفات
باحث بوحدة الدراسات الأوروبية

في 25 من شهر يوليو، قرّر الرئيس التونسي “قيس سعيد” إعفاء هشام المشيشي من رئاسة الحكومة، وتجميد أعمال البرلمان لمدة 30 يوما، ورفع الحصانة عن أعضائه، تلاه إقالة عدد كبير من المسؤولين. وقد أتت تلك الخطوة بعد جمود سياسي طال أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والصحية التي تضرب البلاد بسبب تداعيات تفشيي فيروس كورونا المستجد. إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8.8 ٪ في عام 2020. وارتفع معدل البطالة من 15٪ إلى 18٪ في الربع الثاني من عام 2020 وفقًا لبيانات البنك الدولي وهو مستوى لم تصل إليه البلاد منذ ثورة 2011.كما نما الدين العام وفقًا لبيانات وزارة المالية، من 72.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي 2019 إلى 90٪ في عام 2020. وسجلت البلاد 19 ألف وفاة بسبب الفيروس، وهي من أعلى المعدلات في العالم.

واستقبلت حكومات الدول المختلفة قرارات الرئيس التونسي بردود أفعال، اتسم أغلبها “بالحذر”، والدعوة إلى اللجوء للحل السياسي للأزمة وعدم الانزلاق للتصعيد. وأتى في هذا السياق تصريح الحكومة الفرنسية على لسان وزير خارجيتها “جان إيف لودريان” الذي شدد في مكالمة هاتفية مع نظيره التونسي عثمان الجرندي “أهمية تعيين رئيس وزراء بسرعة وتشكيل حكومة تكون قادرة على تلبية تطلعات التونسيين” حسبما أفادت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية. وأكد أيضًا “ضرورة الحفاظ على الهدوء وسيادة القانون، والسماح بعودة المؤسسات الديمقراطية التونسية إلى عملها الطبيعي بشكل سريع”.

إلا أن الموقف الفرنسي يحمل في جنباته دوافع أعمق مما يُظهره تعليقها الرسمي، وهو ما يرجع إلى مصالحها المتشابكة بالمنطقة بشكل عام، وبتونس بشكل خاص، وهو ما سيتم إيضاحه، لمحاولة استقراء مقاربة توضح بوصلة الموقف الفرنسي بتونس إلى أين ستتجه.

أولاً: عمق العلاقات بين البلدين:

يمكن الاستدلال على مدى أهمية تونس لفرنسا بأنها كانت الوجهة الأولى لوزير الخارجية الفرنسي إلى العالم العربي وخارج القارة الأوروبية. ووفقًا لموقع وزارة الخارجية الفرنسية، تُعد فرنسا أول مزودي تونس بالاستثمارات الأجنبية المباشرة. وكذلك فإنها عام 2019 ظلت الشريك التجاري الأول لتونس، وبلغت حصة فرنسا نحو 29,1 %من الصادرات التونسية وبلغت حصتها من الواردات التونسية 14,3%. إلا أن هذا لا يمنع أن أداء فرنسا في مجال التصدير إلى تونس يسجل تراجعًا عامًا في حصتها من السوق لصالح بلدان ناشئة كالصين وتركيا. تعهدت فرنسا العام الماضي بإقراض تونس 350 مليون يورو، مع تسليم 100 مليون يورو حتى الآن. وتناقش تونس إعادة تدوير ديونها الفرنسية البالغة 831 مليون يورو.

وكان لفرنسا موقف واضح في دعم تونس في أزمتها الصحية الأخيرة، التي ساهمت في تفاقم الأزمة السياسية والاقتصادية بالبلاد، والتي وصفها بعض المحللين بمثابة دعم مبطن لتحركات الرئيس التونسي الأخيرة. إذ أقامت فرنسا “جسرًا بحريًا” لتوفير لقاحات كوفيد-19 والأكسجين الطبي لتونس. فصرّح وزير السياحة الفرنسي “جان بابتيست لوموين” لراديو “فرانس إنفو” أن فرنسا أرسلت 1.1 مليون جرعة لقاح إلى الدولة الواقعة في شمال أفريقيا. 

وشحنت البحرية الفرنسية ثلاث حاويات ضخمة من الأكسجين، حسبما كتب الوزير على تويتر. ومن المتوقع أن تستمر الشحنات البحرية حتى منتصف أغسطس، حيث ستأتي بالمعدات والأقنعة وغيرها من المواد اللازمة لمساعدة تونس على مواجهة الارتفاع الحاد في الإصابات ولجوء المرضى للمستشفيات، وقدمت فرنسا أيضًا دعمًا ماليًا لتونس في سياق الأزمة الصحية الناتجة عن تفشّي فيروس كورونا، إذ حشدت سريعًا لفائدتها قروضًا بقيمة 89 مليون يورو.

ثانيًا: مواجهة الإرهاب الإسلاموي

يُعد هذا الملف من أهم المحددات المحركة للسياسة الفرنسية تجاه منطقة شمال أفريقيا بشكل عام. وهو ما يرجع إلى أنها وفقًا للبيانات الرسمية لليوروبول، قد شهدت هجمات إرهابية أكثر من أي عضو آخر في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2014. وبالرغم من التقارب التونسي الفرنسي، إلا أن فرنسا تعرضت لهجمات إرهابية مؤثرة من قبل متطرفين من أصول تونسية، كان آخرها طعن التونسي “جمال قرشان ” شُرطية غير مسلحة عند مدخل مركز للشرطة في رامبوييه في أبريل الماضي. وكان أبرزها الهجوم الذي استهدف نيس في احتفالات يوم الباستيل 2016، والذي أسفر عن مقتل 86 شخصًا.  

ولم تسلم تونس كذلك من تبعات هذا الإرهاب. فقد كانت لديها أعلى نسبة في العالم مقارنة بعدد السكان للأفراد المنضمين إلى تنظيم داعش للقتال خارج بلادهم. بالإضافة إلى تعرضها للعديد من الهجمات الإرهابية التي ساهمت في إضعاف البلاد. ويتقارب الرئيسان الفرنسي والتونسي في مقاربتهما لمواجهة هذا النوع من الإرهاب المتستر بالدين. ففي أكتوبر 2020 أكد الرئيسان التونسي قيس سعيد والفرنسي إيمانويل ماكرون وجود الكثير ممن يتسترون بالدين الإسلامي في حين أنه لم يتم تجنيدهم بغرض الإساءة للإسلام فقط بل بهدف الإساءة للعلاقات التي تربط بين الشعوب والأمم.

وقد استتبع هذا التصريح بين الرئيسين زيارة لوزير الداخلية الفرنسي في نوفمبر 2020 في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي نفذه تونسي في مدينة نيس جنوبي البلاد، وأودى بحياة ثلاثة أشخاص، هدفها التوافق على إعادة عدد معين من الأشخاص يحملون جنسية هاتين الدولتين ويُشتبه في أنهم متطرفون، وهو ما يتسق مع اتفاق إطاري موقع بين البلدين عام 2008 وفقًا لتصريح وزير الداخلية التونسي. 

ثالثًا: احتواء التهديدات القادمة من ليبيا

إن التشابكات بين ليبيا وتونس تعد من أصعب التشابكات الصعب الفكاك منها؛ فعدم استقرار أي منهما يؤثر على الآخر بالتبعية. ويمكن الاستدلال على ذلك بعدد من المؤشرات أبرزها تقدير البنك الدولي أن الأزمة الليبية كانت وراء 24٪ من تباطؤ النمو الاقتصادي في تونس خلال 2011-2015. وبحسب مركز برشلونة للشؤون الدولية، فإن حوالي ثلاثة ملايين تونسي يعتمدون على ليبيا إما من تحويلات العمال التونسيين أو من أنشطة السوق السوداء في المنطقة الحدودية. هذا بالإضافة إلى ارتباط بعض الهجمات العنيفة التي تعرضت لها تونس بالوضع في ليبيا؛ فوفقًا لمراجعة قام بها المركز التونسي للأبحاث والدراسات حول الإرهاب، وجد أن 70 % من المتهمين التونسيين في قضايا الإرهاب قد تلقوا تدريبات في ليبيا، بالإضافة لاستفادة العديد من الإرهابيين من السيولة في تأمين الحدود بين البلدين ما قبل 2016 في القيام بعمليات داخل ليبيا كذلك.

ومن هنا تتضح أهمية تونس بالنسبة لفرنسا المتضررة من السيولة الأمنية في غرب ليبيا، والمعارضة للنفوذ التركي بها حيث تسعى إلى تعظيم نفوذها الأمني والعسكري بتونس مقابل النفوذ التركي والأمريكي الذي يتعارض مع مصالحها في ليبيا. وهذا الموقف يجعلها غير متوافقة مع توجهات حزب النهضة الذي سعى الرئيس التونسي في قراراته الأخيرة إلى تقليص نفوذه. إذ لم يخف حزب النهضة الإسلامي دعمه للإسلاميين في ليبيا؛ فقد هنأ راشد الغنوشي في مايو 2020 الرئيس السابق لحكومة الوفاق الوطني فايز السراج والجماعات الإسلامية في طرابلس على انتصارهم العسكري على الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر؛ والتي تعرضت تصريحاته لانتقادات شديدة من قبل المعارضة التونسية، بل وأثارت دعوات من أعضاء البرلمان لإقالته من منصب رئيس البرلمان. بالإضافة إلى أنه يتم اتهام الحركة في الوقت الحالي بتقديم مساهمة كبيرة وقت حكمها لتركيا من خلال تسهيل عملها في ليبيا، عبر تيسير مرور المسلحين والمتطرفين إلى ليبيا عبر الأراضي التونسية.مجمل القول، بهذا يمكن تبيان بوصلة الدعم الفرنسي إلى أين تتجه، حيث أنها وفقًا للمحددات السابق ذكرها، تتوافق والتحركات الأخيرة التي قام بها الرئيس التونسي “قيس سعيد” المناهض لنفوذ حركة النهضة الذي يعتبرها من أهم مسببات تردى الأوضاع بتونس.

نقلا عن إصدار تونس .. تصحيح المسار “خريف النهضة “
الشيماء عرفات
باحث بوحدة الدراسات الأوروبية