تنمية ومجتمع

“التباعد الآمن”: مستقبل السفر عقب جائحة كورونا

أثّرت جائحة كورونا على حركة السياحة العالمية؛ مما دفع الحكومات لاتخاذ إجراءات في محاولة لاستعادة معدلات الحركة السياحية قبل الجائحة، فكثفت من استخدام التكنولوجيا للحفاظ على صحة وأمن السائح. وقد أظهرت الأزمة الحاجة لتسريع عملية التطوير الرقمية في عدة مجالات أساسية، أهمها تحفيز الطلب على السفر، وإجراءات الصحة والنظافة Hygiene، والابتكار والرقمنة، والاستدامة، مما يضع صناعة السفر والسياحة أمام تحديات ناتجة عن حداثة التطور الرقمي في هذا القطاع. وتضع هذه التطورات السريعة قطاع السفر والسياحة المصري أمام تحديات إضافية، فسوف تكون عليه ملاحقة هذه التطورات، ووضع مزيد من الاستثمارات في مجال التطوير الرقمي والتحديث التكنولوجي. السفر والتوسع في استخدام التكنولوجيا…

رحمه حسن
باحث بالمرصد المصري

أثّرت جائحة كورونا على حركة السياحة العالمية؛ مما دفع الحكومات لاتخاذ إجراءات في محاولة لاستعادة معدلات الحركة السياحية قبل الجائحة، فكثفت من استخدام التكنولوجيا للحفاظ على صحة وأمن السائح. وقد أظهرت الأزمة الحاجة لتسريع عملية التطوير الرقمية في عدة مجالات أساسية، أهمها تحفيز الطلب على السفر، وإجراءات الصحة والنظافة Hygiene، والابتكار والرقمنة، والاستدامة، مما يضع صناعة السفر والسياحة أمام تحديات ناتجة عن حداثة التطور الرقمي في هذا القطاع. وتضع هذه التطورات السريعة قطاع السفر والسياحة المصري أمام تحديات إضافية، فسوف تكون عليه ملاحقة هذه التطورات، ووضع مزيد من الاستثمارات في مجال التطوير الرقمي والتحديث التكنولوجي.

السفر والتوسع في استخدام التكنولوجيا في ظل كورونا

أدت الجائحة ومتطلبات البقاء في المنزل إلى تسريع التحول الرقمي، حيث أصبح المزيد من المستهلكين بارعين في استخدام الحلول التكنولوجية في الحياة اليومية بما في ذلك التسوق عبر الإنترنت والاجتماعات الافتراضية. وقد كشف استطلاع للرأي أُجري في أبريل 2020 أن 30٪ من المستجيبين استخدموا طرق الدفع غير التلامسية Touchless ومؤتمرات الفيديو لأول مرة، مع توقع 70٪ الاستمرار في مثل هذه الإجراءات بعد التعافي، كما ارتفع معدل عقد المؤتمرات عبر الإنترنت بنسبة 85٪ تقريبًا بين يناير وأبريل 2020، وكشفت دراسة استقصائية أن 44٪ من المسافرين قد زادوا من الوقت الذي يقضونه في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، بينما أبرز استطلاع آخر أن 81٪ من الأمريكيين يرغبون في استخدام تطبيق الهاتف المحمول الخاص بالفندق للحجوزات، وأن هناك اهتمامًا متزايدًا بالواقع الافتراضي أو الواقع المعزز أيضًا في تخطيط الرحلات ولمساعدة الشركات في التواصل مع جمهور أوسع.

تكنولوجيا التباعد الآمن

يتوقع زيادة رغبة المسافرين بتقليل اتصالاتهم الجسدية، والتي ظهرت في عدة مظاهر، مثل:

عمليات الدفع بدون تلامس: أوضحت البيانات المتاحة لمؤسسة فيزا Visa في الولايات المتحدة، أن “63٪ من المستهلكين يستخدمون عمليات الدفع بدون تلامس والبطاقات لأسباب تتعلق بالسلامة والنظافة”، كما يرغب المسافرون في تقليل اتصالهم من خلال عرض قوائم السفر على أجهزتهم واستخدام الهاتف المحمول بدءًا من عملية تسجيل الوصول إلى الوصول لغرفهم الفندقية.

معلومات السفر: أطلق مجلس السياحة والسفر العالمي WTTC مبادرة لتوفير رحلات آمنة للسائحين تتماشى مع مفهوم العمليات الخالية من المستندات، وقامت المفوضية الأوروبية بإنشاء موقع إلكتروني يضم خريطة تفاعلية تجمع المعلومات من الدول الأعضاء وقطاع السياحة والسفر حول الحدود والسفر والمقاصد السياحية والسلامة والظروف الصحية في المكان الذي ينوون الذهاب إليه والخدمات السياحية المتاحة من أجل طمأنتهم إلى أن قواعد الصحة والسلامة العامة المعمول بها تحترم نفس المعايير عبر الدول المختلفة.

المنصة الرقمية الموحدة Digital Innovation Hubs: تقدم المفوضية الأوروبية من خلالها دعمًا لشركات السياحة المحلية لمساعدتها على التعامل مع الحقائق الجديدة لموسم السياحة، مثل: مراقبة أعمال التطهير والتنظيف، وإدارة التجمعات وأنظمة الحجز الذكية. ومن خلال شبكة الصحة الإلكترونية يمكن للشركات والحكومات أيضًا استخدام الحلول الرقمية لأغراض التخطيط وإدارة تدفق السياح وتحديد الحد الأقصى لعدد الزائرين للمواقع الثقافية والتراثية أو تخطيط الوقت لأولئك الذين يعتزمون زيارة متحف أو تناول العشاء في مطعم.

التقنيات الرقمية ومكافحة الوباء: من خلال برامج تتبع الاتصال، واستخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات في مراقبة التباعد المادي خاصة في الأماكن التي تتدفق فيها السياحة بانتظام مع احترام متطلبات الخصوصية وقواعد حماية البيانات والاستخدام الطوعي لهذه التطبيقات، كما سيشهد القطاع تسارعًا في الابتكارات بمجال الصحة والسلامة، بدءًا من التصوير الحراري إلى الرشاشات الكهروستاتيكية، وروبوتات التطهير التي تعمل بالطاقة فوق البنفسجية أيضًا للتعقيم الذاتي.

الهوية الرقمية وتحديد الهوية البيومترية: وفقًا لاتحاد النقل الجوي الدولي، فإن 45٪ من الركاب على استعداد للتخلي عن جوازات سفرهم الورقية واستخدام الهوية البيومترية أو القياسات الحيوية التي تعتمد على الخصائص الفسيولوجية الفريدة للإنسان للتحقق من شخصيته. وعليه فقد طور اتحاد النقل الجوي الدولي (IATA) مشروع “الهوية الواحدة” One ID الخاص به، والذي يقترح إنشاء رمز حيوي واحد كهوية رقمية للراكب، كما نفذت Royal Caribbean Cruises تقنية القياسات الحيوية لتبسيط إجراءات تسجيل الوصول والصعود إلى الطائرة.

وأظهر هذا التطور الحاجة للدعم الحكومي للوجهات الناشئة لإعادة تنشيط السياحة والتكيف مع الطلب المتطور من خلال استثمارات البنية التحتية الرقمية واستراتيجيات التسويق الفعالة للوجهات لجذب السياحة. بينما يتعين على الشركات أن تلعب دورًا من خلال رفع المهارات الرقمية للقوى العاملة المحلية، كما أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص والمجتمع ستكون أساسية لضمان النمو المستدام والشامل لهذه الوجهات.

تكنولوجيا المدن السياحية

طوّرت المفوضية الأوروبية مفهوم “المدن السياحية الذكية” من خلال إطلاق مبادرة “العاصمة الأوروبية للسياحة الذكية” والتي أطلقتها منذ عام 2019، وزادت أهميتها مع جائحة كورونا. ويجمع مفهوم السياحة الذكية بين مفاهيم الاستدامة والرقمنة والسياحة الميسرة أو سهولة الوصول، والتراث الثقافي والإبداعي. وقد فازت مدينة جوتنبرج السويدية عام 2020 بجائزة فئة الاستدامة، وذلك من خلال تطبيق الخريطة الذكية بمشاركة المجتمع المحلي في الصناعة، مما يعزز من مفهوم الاقتصاد التشاركي المستدام، وأطلقت تطبيق “Min Stad” وهو نموذج مدينة ثلاثي الأبعاد، كما تعتمد مدينة جوتنبرج بنسبة 60٪ على أساس النفايات/الحرارة المعاد تدويرها بغرض التدفئة. وكانت المدينة رائدة في إصدار السندات الخضراء، وأصبح 92٪ من فنادق المدينة و100٪ من مرافق الاجتماعات معتمدة الآن بيئيًا.

وفازت مالجا الإسبانية: عام 2020 بجائزة المدن الذكية في فئة سهولة الوصول، من خلال دمج مفاهيم الاستدامة والابتكار والثقافة في خططها الاستراتيجية لسنوات عديدة، وتتمتع المدينة بقطاع رقمي رفيع المستوى. وهذا يشمل الحديقة التكنولوجية الأندلسية (PTA). وعلى مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، تحولت المدينة إلى “مدينة المتاحف” مع ما يزيد عن 30 متحفًا للزيارة.

وفازت بريدا الهولندية بجائزة العاصمة الأوروبية للسياحة الذكية 2020 في فئة إمكانية الوصول، حيث تُستخدم الرسوم المتحركة لإلقاء الضوء على المباني الشهيرة في المدينة، وتوفير أجنحة خاصة للأشخاص ذوي الإعاقة و”خرائط طرق” بطريقة برايل للمكفوفين.

مشاكل الخصوصية الرقمية

يظل المسافرون حذرين بشأن مخاطر الإنترنت وخصوصية البيانات؛ خاصةً مع ظهور تطبيقات تتبع جهات الاتصال. وعلى الرغم من أن معظم الأستراليين أيدوا مبادرة تتبع جهات الاتصال في البلاد؛ إلا أن 16٪ فقط قاموا بتنزيل تطبيق COVIDsafe بعد أسبوع من إطلاقه، مع 80٪ ذكروا مخاوف تتعلق بالخصوصية فيما يتعلق بملكية البيانات والوصول إليها.

وسوف تُعطي الشركات الأولوية لحماية بيانات المستهلك، والهجمات الإلكترونية، ولإيجاد طرق لضمان الأمن السيبراني، كما ستحتاج الشركات إلى التكيف مع التشريعات المتغيرة التي تهدف إلى حماية المعلومات الشخصية، مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) في الاتحاد الأوروبي والمنطقة الاقتصادية الأوروبية، وعلى المستوى الوطني أصدرت الدولة المصرية القانون رقم 151 لسنة 2020 لحماية البيانات الشخصية وتعزيز سبل التجارة الإلكترونية.

ومن المتوقع أن يتم الاستثمار في الأمن السيبراني مع تزايد خطر الهجمات الإلكترونية على القطاع، وستستفيد الشركات من التعاون عبر القطاعات لصياغة معايير دولية للأمن السيبراني الأمثل وخصوصية البيانات، كما ستحتاج الشركات إلى تطوير القدرات التقنية والرقمية وتطوير قدرات الموظفين، ويجب أن تهدف الحكومات إلى زيادة الوعي حول المخاطر الإلكترونية الرئيسية التي تواجه القطاع وتبادل المعرفة، وانتهاج أفضل الممارسات بين مجموعات أصحاب المصلحة.

تقليل الفجوة الرقمية

تزايدت الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والنامية وكذلك داخل البلدان ذاتها عقب جائحة كورونا؛ مما زاد من الفجوة القائمة بالفعل. وبالتالي، ستستفيد الوجهات في الدول المتقدمة بشكل أكبر من تفاوت تلك الموارد، بالاعتماد على البنية التحتية الرقمية الحالية لزيادة استخدام التقنيات الرقمية؛ وبالتالي تعزيز قدرتهم على جذب المسافرين، مما يسلط الضوء على حاجة الحكومات إلى طرح الجيل التالي من تقنيات المعلومات والاتصالات وضمان وصولها للجميع بالشراكة مع القطاع الخاص، وبينما يعمل القطاع على سد الفجوة الرقمية، يجب أن تكون كافة المقاصد السياحية على المستوى الوطني جزءًا من التنمية من خلال تبني المعرفة والابتكارات المحلية، ولا سيما مع النمو المتوقع للسياحة المجتمعية التي يشارك فيها المجتمع المحلي في عملية التنمية بنحو 10 ٪ قبل عام 2023. فعلى سبيل المثال، أنشأت شركة Safaricom الكينية حلًا مبتكرًا لمعالجة نقص الوصول إلى الخدمات المالية في المناطق الريفية، والسماح للسكان بشراء السلع وصرف الرواتب ودفع الضرائب وتلقي المنح من خلال التوسع في خدمة تحويل الأموال عبر الهاتف المحمول.

وتنتج هذه التطورات مفاهيم جديدة كفرصة تسويقية تروج المدن بها لنفسها، وللمنافسة في ظل عالم رقمي متنامي، مع تعزيز سبل الاستدامة في المدن والحضر، مع الحفاظ على التراث والاستفادة من تجارب الدول، لجعل المقصد السياحي المصري يطابق المعايير العالمية التي يمكن بها استعادة الحركة السياحية لسابق عهدها، مع إمكانية تطبيق مبادرة عاصمة السياحة الذكية بين المحافظات المصرية إذا ما تم الاتجاه نحو مواجهة تحديات البنية التحتية للمدن السياحية، والعمل على تطويرها، وابتكار سلاسل قيمة متطورة للسائح، مع تطوير البنية الرقمية وتطبيق مفهوم إتاحة الوصول، مع الحفاظ على خصوصية البيانات وتحقيق أمان السائحين من خلال تطبيق منظومة تأمين الأجانب الإلكترونية، ورفع كفاءة الإنترنت في الفنادق المصرية، مع التوسع في التسويق الإلكتروني وتدريب العاملين للتعامل مع التقنيات الحديثة، وتشجيع ريادة الأعمال ودراسة دور الاقتصاد التشاركي في دعم الاقتصاد الرسمي، مع تطور استخدام تقنيات الذكاء الصناعي لتحسين تجربة السائحين.

المصادر

  • Olyver wayman,”THE FUTURE OF TRAVEL & TOURISM IN THE WAKE OF COVID-19″, wttc, Septemper 2020.
  • European commission, “COMMUNICATION FROM THE COMMISSION TO THE EUROPEAN PARLIAMENT, THE COUNCIL, THE EUROPEAN ECONOMIC AND SOCIAL COMMITTEE AND THE COMMITTEE OF THE REGIONS – Tourism and transport in 2020 and beyond ” Brussels, 13.5.2020.
  • European Commission, “An EU initiative to reward innovative and smart tourism in European Cities!” 2020.
  • Ghada Ali Abd Elmoaty Mohamed, “Smart Technology Applications in Tourism and Hospitality Industry of The New Administrative Capital, Egypt.”, Journal Of Assosiation of Arab Uni. For Tourism &Hospitality Vol.19, 2020.
رحمه حسن
باحث بالمرصد المصري