وحدة الدراسات الاقتصادية

الهجرة العالمية في ظل كورونا

أثرت الجائحة بشكل مباشر على الهجرة العالمية مع تطبيق دول العالم سياسات الإغلاق والحد من حركة الأفراد من دولة إلى أخرى؛ الأمر الذي أدى -في النهاية- إلى كبح الإنجازات التي تم تحقيقها في العديد من أهداف التنمية المستدامة. ولكن على الرغم من تأثير الجائحة السلبي على الهجرة العالمية؛ إلا أن المهاجرين الدوليين لعبوا دورًا رئيسيًا في الحد من الآثار الاقتصادية الناجمة عن الجائحة. يناقش هذا المقال الوضع الحالي للهجرة العالمية، وكيفية تأثير الجائحة عليها. أولًا- الوضع الحالي للهجرة: وفقًا لبيانات أعداد المهاجرين الدوليين لبوابة بيانات الهجرة في مارس 2021، بلغت نسبة المهاجرين الدوليين من أكبر 20 دولة من حيث عدد…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أثرت الجائحة بشكل مباشر على الهجرة العالمية مع تطبيق دول العالم سياسات الإغلاق والحد من حركة الأفراد من دولة إلى أخرى؛ الأمر الذي أدى -في النهاية- إلى كبح الإنجازات التي تم تحقيقها في العديد من أهداف التنمية المستدامة. ولكن على الرغم من تأثير الجائحة السلبي على الهجرة العالمية؛ إلا أن المهاجرين الدوليين لعبوا دورًا رئيسيًا في الحد من الآثار الاقتصادية الناجمة عن الجائحة. يناقش هذا المقال الوضع الحالي للهجرة العالمية، وكيفية تأثير الجائحة عليها.

أولًا- الوضع الحالي للهجرة:

وفقًا لبيانات أعداد المهاجرين الدوليين لبوابة بيانات الهجرة في مارس 2021، بلغت نسبة المهاجرين الدوليين من أكبر 20 دولة من حيث عدد حالات الإصابات 31% من إجمالي المهاجرين الدوليين، ويمثلون 37% من إجمالي التحويلات المالية المرسلة إلى بلدانهم الأصلية في 2019 قبل بداية الجائحة.

شكل 1: نسبة المهاجرين الدوليين في منتصف 2020

القارةالعدد الإجمالي للمهاجرين الدوليين (بالمليون) 
أوروبا86.7 
آسيا85.6 
أمريكا الشمالية58.7 
إفريقيا25.4 
أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي14.8 
أوشيانا9.4 

المصدر: إدارة الشئون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة (2020).

وبناءً على بيانات إدارة الشئون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة في عام 2020، وكما هو موضح في الجدول رقم 1 والشكل رقم 1، بلغ إجمالي عدد المهاجرين الدوليين المقدر في منتصف عام 2020 نحو 280.6 مليون مهاجر دولي. يأتي هذا الرقم ارتفاعًا من 248 مليون مهاجر في 2015 ومن 220 مليون مهاجر في 2010، وهو ما يعد زيادة سنوية بنسبة 2.4%. ولكن على الرغم من الارتفاع في حجم المهاجرين الدوليين، إلا أن نسبتهم من إجمالي تعداد السكان عالميًا ظل مستقرًا في العقود الثلاثة الماضية من 1990 إلى 2020 عند معدلات تتراوح بين 2.8% و3.6%.

وتحتوي أوروبا على أكبر عدد من المهاجرين، حيث بلغ عددهم 86.7 مليون مهاجر دولي (حوالي 31% من إجمالي المهاجرين الدوليين). وتأتي آسيا كثاني أكبر قارة مضيفة للمهاجرين الدوليين، حيث بلغ عددهم 85.6 مليون مهاجر دولي (حوالي 31% من إجمالي المهاجرين الدوليين). وتليهم أمريكا الشمالية بفارق ضخم، حيث يبلغ عدد المهاجرين بها 58.7 مليون مهاجر دولي (أي 21% من إجمالي المهاجرين الدوليين). وتأتي إفريقيا في المرتبة الرابعة بإجمالي 25.4 مليون مهاجر دولي، وهو ما يشكل 9% من إجمالي المهاجرين الدوليين. ثم تأتي أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بإجمالي 14.8 مليون مهاجر دولي، وهو ما يشكل 5% من إجمالي المهاجرين. وأخيرًا أوشيانا بإجمالي 9.4 ملايين مهاجر دولي، وهو ما يشكل 3% من إجمالي المهاجرين الدوليين. جدير بالذكر أن 15% من بين إجمالي المهاجرين الدوليين البالغ عددهم 280.6 مليون مهاجر يبلغون أقل من 20 سنة، كما أن 73% يقعون في سن العمل (20-64)، في حين أن 12% يبلغون 65 أو أكبر سنًا.

ثانيًا- تأثير الجائحة على الهجرة الدولية:

كان تأثير الجائحة على الهجرة الدولية تأثيرًا مباشرًا، حيث فرضت العديد من الدول قيودًا على حركة الأفراد داخل وخارج البلاد منذ الإعلان عن وباء فيروس كورونا في مارس 2020. وتشير التقديرات إلى انخفاض حجم الهجرة الدولية في الفترة من منتصف 2019 إلى منتصف 2020 بنحو 2 مليون، وهو ما يرجع بشكل أساسي إلى افتراض الأمم المتحدة أن عدد المهاجرين الدوليين لم ينمُ في الفترة من 1 مارس 2020 إلى 1 يوليو 2020. إضافة إلى ذلك، فقد قدرت الأمم المتحدة الانخفاض في حجم تدفقات المهاجرين الدوليين إلى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (وهي من أكبر الدول المستضيفة للمهاجرين الدوليين، وخصوصًا المهاجرين الدوليين من جنوب آسيا وشرق إفريقيا) بنسبة 46% في النصف الأول من 2020، كما أنه من المتوقع أن يشهد عام 2020 أدنى مستوى تاريخي للهجرة إلى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث تأثرت دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالجائحة.

إضافة إلى ذلك، بسبب الانخفاض في تدفقات الهجرة وعودة حجم ضخم من العاملين بالخارج، فقد انعدمت تحويلات هؤلاء الأفراد لأسرهم والتي -وفقًا لبيانات البنك الدولي في 2019 ولبوابة بيانات الهجرة في 2021- فإن فردًا من كل 9 أفراد عالميًا يعتمد على تحويلات المهاجرين الدوليين، الأمر الذي سيؤثر على مستويات المعيشة لهذه الأسر وقدرتها على الإنفاق على محاور مثل التعليم والصحة والغذاء وغيرها. وتشكل التحويلات المرسلة من الولايات المتحدة ودول منطقة اليورو والمملكة المتحدة وكندا معًا حوالي 46% من إجمالي التحويلات الواردة للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في عام 2019. وبالتالي فمن المتوقع أن ترتفع معدلات الفقر وعدم المساواة في الدخل بين الدول.

جدير بالذكر أن الانخفاض في الهجرة الدولية له تأثير سلبي على الدول التي تعتبر الهجرة الدولية عاملًا أساسيًا للزيادة السكانية مثل ألمانيا، حيث أعلنت ألمانيا لأول مرة في العقد الماضي أنها لم تحقق معدلات نمو سنوي للتعداد السكاني في عام 2020 بسبب الانخفاض في تدفقات الهجرة الدولية.

علاوة على ذلك، بسبب قبول المهاجرين الدوليين العمل تحت ظروف صعبة وفي أعمال تتطلب عمالة كثيفة (وهي الأعمال التي تتطلب مهارات منخفضة)، فقد جاء تأثير الجائحة على المهاجرين الدوليين أعلى بشكل ضخم عن العمال المحليين. على سبيل المثال، اعتبارًا من 7 مايو 2020، فإن 75% من إجمالي حالات الإصابة بفيروس كورونا في المملكة العربية السعودية كانت بين المهاجرين الدوليين. هذا بالإضافة إلى عمل المهاجرين الدوليين في قطاعات أكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا مثل قطاع الرعاية الصحية. على سبيل المثال، فإن 33% من الأطباء و22% من الممرضات في المملكة المتحدة -وهي من أكثر الدول عددًا في حالات الإصابات- في 2015/2016 هم من العمال المهاجرين الدوليين أو الذين تمت ولادتهم في الخارج. كذلك فإن 30.2% من الأطباء و16.4% من الممرضين في الولايات المتحدة و20.2% من الأطباء و16.2% من الممرضين في ألمانيا و15.7% من الأطباء و6.6% من الممرضين في فرنسا في 2015/2016، هم من العمال المهاجرين الدوليين أو الذين تمت ولادتهم في الخارج، وفقًا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في 2019 للاتجاهات الحديثة للهجرة الدولية للأطباء والممرضين وطلاب الطب. إضافة إلى ذلك، فإن نسبة كبيرة أيضًا من العاملين المهاجرين الدوليين يعملون في وظائف تتطلب التعامل مع عدد كبير من الأفراد، كما هو الحال في قطاع الخدمات (وهو أيضًا قطاع يتطلب عمالة ذات مهارات منخفضة في أغلب الأحيان). ففي 7 دول من أكبر 20 دولة من حيث عدد حالات الإصابات بفيروس كورونا، بلغت نسبة العاملين في قطاع الخدمات والمبيعات أكثر من 13% من إجمالي العاملين بالقطاع لتصل هذه النسبة إلى 23.3% في الولايات المتحدة وإلى 19.5% في إسبانيا و19% في إيطاليا في 2015/2016، وفقًا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

أخيرًا، تضمنت جهود الحكومات والمنظمات الدولية للحد من الآثار الناجمة عن الجائحة على المهاجرين زيادة قدرتهم على الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية وإدراج المهاجرين في خطط الأزمات. على سبيل المثال، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة، فإن 68% من الحكومات توفر العديد من المساعدات للمواطنين المقيمين في الخارج في البلدان التي تمر بأزمات أو في فترات ما بعد الأزمات.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة