وحدة الدراسات الاقتصادية

تأثير أزمة الرقائق الإلكترونية على سوق السيارات

سلطت الأزمة الحالية للرقائق الإلكترونية مع الارتفاع في الطلب الحالي عليها الضوء على كيفية تأثر سوق السيارات واتجاهات الإنتاج والمبيعات للقطاع. والرقائق الإلكترونية هي أشباه موصلات صغيرة تعمل على نقل العمليات عبر الدوائر الإلكترونية، وتستخدم في كل وحدات التحكم بالسيارة. وزادت أهمية تلك الرقائق للسيارات الكهربائية التي تعتمد دوائرها بالكامل وأنظمة الأمان عليها. وتشتمل السيارات الجديدة على عشرات من الرقائق الإلكترونية. جدير بالذكر أنها أيضًا يتم استخدامها في جميع المنتجات الرقمية. ويناقش هذا المقال أسباب النقص العالمي في الرقائق الإلكترونية، وتأثيرها على سوق السيارات العالمي والمصري. أولًا- سبب أزمة الرقائق الإلكترونية: وفقًا لخبر بعنوان “لماذا يوجد نقص في الرقائق الإلكترونية…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

سلطت الأزمة الحالية للرقائق الإلكترونية مع الارتفاع في الطلب الحالي عليها الضوء على كيفية تأثر سوق السيارات واتجاهات الإنتاج والمبيعات للقطاع. والرقائق الإلكترونية هي أشباه موصلات صغيرة تعمل على نقل العمليات عبر الدوائر الإلكترونية، وتستخدم في كل وحدات التحكم بالسيارة. وزادت أهمية تلك الرقائق للسيارات الكهربائية التي تعتمد دوائرها بالكامل وأنظمة الأمان عليها. وتشتمل السيارات الجديدة على عشرات من الرقائق الإلكترونية. جدير بالذكر أنها أيضًا يتم استخدامها في جميع المنتجات الرقمية. ويناقش هذا المقال أسباب النقص العالمي في الرقائق الإلكترونية، وتأثيرها على سوق السيارات العالمي والمصري.

أولًا- سبب أزمة الرقائق الإلكترونية:

وفقًا لخبر بعنوان “لماذا يوجد نقص في الرقائق الإلكترونية للحواسيب الآلية “الكمبيوتر” والسيارات؟”، من بي بي سي في 5 فبراير 2021، ظهرت أزمة الرقائق الإلكترونية (أشباه الموصلات) في العام الماضي مع مكافحة مستخدمي الألعاب الإلكترونية في شراء بطاقات رسومية جديدة، وفشل أحدث أجهزة إكس بوكس وبلايستيشن في تلبية الطلب، ومع اضطرار شركة آبل إلى تأجيل موعد طرح أجهزة المحمول “الآيفون” الخاص بها. ثم بدأت الأزمة في التفاقم بسوق السيارات في عيد الميلاد “الكريسماس” من العام الماضي.

جاءت أزمة الرقائق الإلكترونية نتيجة لعدة أسباب. أولًا: مع بداية الجائحة ارتفع الطلب على الأجهزة الإلكترونية، مثل الحواسيب الآلية، لتسهيل العمل من المنزل. وفي الوقت نفسه، انخفض الطلب العالمي على السيارات. ونتيجة لذلك، قام صانعو الرقائق بتحويل خطوط إنتاجهم من قطاع السيارات إلى المنتجات الأخرى التي شهدت ارتفاعًا ضخمًا في الطلب. ولكن عادت مبيعات السيارات بسرعة أكبر مما كان متوقعًا في الربع الثالث من 2020، في حين ظل الطلب على الأجهزة الإلكترونية مرتفعًا، مما أدى إلى نقص في الرقائق الإلكترونية بشكل واضح في قطاع السيارات. ثانيًا: تميل صناعة السيارات إلى عدم تخزين الإمدادات، مما زاد من عدم قدرة القطاع على مواجهة النقص في الرقائق الإلكترونية حتى لبعض من الوقت. ومن المتوقع أن يستجيب منتجو الرقائق الإلكترونية للزيادة في الطلب برفع الأسعار بدلًا من زيادة الإنتاج بالشكل المطلوب. ثالثًا: لا تزال الولايات المتحدة تقود من حيث تطوير تصاميم المكونات، في حين أن تايوان وكوريا الجنوبية تسيطران على صناعة الرقائق الإلكترونية، حيث تنتج الدولتان نحو 83% من إجمالي الإنتاج العالمي لرقائق المعالجات و70% من رقائق الذاكرة. الأمر الذي يشير إلى عرضة القطاع لأن يواجه أساليب الاحتكار من قبل الدولتين الآسيويتين.

ثانيًا- كيفية تأثيرها على سوق السيارات العالمي:

وبناء على خبر “بي بي سي” المعنون “تويوتا تخفض إنتاجها بنحو 40% جراء أزمة نقص الرقائق الإلكترونية”، في 19 أغسطس 2021؛ فقد بدأت الشركات في تخفيض إنتاجها العالمي من السيارات. على سبيل المثال، أعلنت شركة تويوتا اليابانية (أكبر شركة لصناعة السيارات) عن تخفيض إنتاجها من السيارات في سبتمبر من 900 ألف سيارة المخطط لها سابقًا إلى 540 ألف سيارة فقط، أي بانخفاض بنسبة 40% في حجم إنتاجها. إضافة إلى ذلك، أعلنت شركة فولكس فاغن (ثاني أكبر منتج للسيارات في العالم) أنها قد تضطر أيضًا إلى خفض إنتاجها مرة أخرى بعد أن خفضته بالفعل في وقت سابق من العام الحالي، تمامًا كما خفضت العديد من الشركات الأخرى إنتاجها مثل: جنرال موتورز، وفورد، ونيسان، وبي إم دبليو، ورينو (والتي أعلنت عن تخفيض إنتاجها بنحو 100 ألف سيارة هذا العام)، وغيرهم. ولا تزال تتوقع شركة فولكس فاغن أن يكون المعروض من الرقائق الإلكترونية خلال الربع الثالث من العام الحالي محدودًا. ومن المتوقع أن تشهد الصين خسائر ضخمة في القطاع بسبب إنتاجها المرتفع من السيارات مقارنة بالدول الأخرى. إضافة إلى ذلك، توقعت شركة “أليكس بارتنرز” أن يشهد القطاع خسائر بحوالي 64 مليار دولار بسبب الانخفاض في الإنتاج (جدير بالذكر أن القطاع يحقق مبيعات بحوالي 2 تريليون دولار (.

ولكن من المتوقع أن يُظهر السوق بعض علامات التعافي، حيث إن الشركات (شركة تويوتا على سبيل المثال) تتجه الآن نحو بناء مخزونها من الرقائق الإلكترونية (أو أشباه الموصلات)، ونحو زيادة إنتاجها خلال الربع الرابع من العام الحالي لتعويض الانخفاض في الإنتاج في الربع الثالث من العام الحالي. في حين أن رئيس شركة إنتل لصناعة الرقائق “بات غيلسنغر” أعلن في شهر يوليو أن ذروة أزمة الرقائق لم تأتِ بعد، إذ من المتوقع أن يزداد النقص في النصف الثاني من العام الحالي بشكل أكبر، وأن من المتوقع أن يتطلب تعافي أزمة أشباه الموصلات عامًا أو عامين لتعود الإمدادات إلى حجمها الطبيعي، الأمر الذي تطلب التدخل السريع من قِبَل الحكومات، حيث أعلن الرئيس الأمريكي “جو بايدن” عن توقيعه أمرًا تنفيذيًا لمعالجة المشكلة، كما تعهد بالسعي للحصول على نحو 37 مليار دولار مخصصة لزيادة تصنيع الرقائق في الولايات المتحدة.

ثالثًا- الانعكاس على سوق السيارات المصري:

تأثر السوق المصري بأزمة الرقائق تمامًا كما هو الحال في باقي دول العالم مع اختلاف حجم التأثر. وفقًا لإنتربرايز “Enterprise”، في 6 مايو 2021، وبناء على الأمين العام لرابطة مصنعي السيارات “خالد سعد”، فقد أدى النقص في الرقائق الإلكترونية إلى خفض إنتاج السيارات خلال الفترة السابقة. كما أضاف “سعد” أن من الصعب تصنيع هذه الرقائق محليًا نظرًا لتعقيدها وعدم معرفة كيفية التصنيع “Know-how”. إضافة إلى ذلك، فإن النقص الحالي سيؤثر على خطة الحكومة لإحلال وتبديل السيارات للعمل بالغاز الطبيعي. هذا بالإضافة إلى أن أوقات الانتظار للسيارات أو الموديلات الجديدة سيرتفع (كما هو الحال بباقي دول العالم) مع ارتفاع أسعار السيارات بسبب ارتفاع أسعار الإنتاج والنقص في المعروض من السيارات.

وبشكل عام، فالمؤشر الجديد على قدرة تنافس الدول والمنتجين في القطاع هو قدرتهم على إنتاج الرقائق الإلكترونية وحجم مخزونهم منها، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغيير واضح في الحصة السوقية للاعبين في القطاع مع خروج البعض من المنافسة أو من القطاع، وبالتالي زيادة النزوع الاحتكاري في القطاع وتأثر القطاع عالميًا باستراتيجيات لاعبين بعينهم.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة