متى تعترف الولايات المتحدة بنظام طالبان؟

مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

منذ سيطرة طالبان على العاصمة كابول فى منتصف أغسطس الماضى لم يخل الخطاب الأمريكى من الإشارة إلى شروط للاعتراف بنظام طالبان، والتى دارت فى جوهرها حول بناء نظام يقوم على تمثيل مختلف المكونات العرقية الأفغانية، ويحترم حقوق المرأة. وقد أُعيد تأكيد هذه الشروط عقب إعلان طالبان، فى 7 سبتمبر الحالى، حكومتها المشكلة تحت اسم حكومة تصريف الأعمال، وليس الحكومة الشاملة التى تحدثت عنها الحركة. السؤال هل سيظل الاعتراف الأمريكى مرهونا بالفعل بوفاء طالبان بهذه الشروط؟ تقديرى أن الاعتراف الأمريكى بنظام طالبان لن يتأخر كثيرا، ولن يرتبط بالشروط الأمريكية المعلنة. الاعتراف الأمريكى بالنظام الجديد فى أفغانستان هو جزء من لعبة سياسية…

محمد فايز فرحات
مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

منذ سيطرة طالبان على العاصمة كابول فى منتصف أغسطس الماضى لم يخل الخطاب الأمريكى من الإشارة إلى شروط للاعتراف بنظام طالبان، والتى دارت فى جوهرها حول بناء نظام يقوم على تمثيل مختلف المكونات العرقية الأفغانية، ويحترم حقوق المرأة. وقد أُعيد تأكيد هذه الشروط عقب إعلان طالبان، فى 7 سبتمبر الحالى، حكومتها المشكلة تحت اسم حكومة تصريف الأعمال، وليس الحكومة الشاملة التى تحدثت عنها الحركة. السؤال هل سيظل الاعتراف الأمريكى مرهونا بالفعل بوفاء طالبان بهذه الشروط؟

تقديرى أن الاعتراف الأمريكى بنظام طالبان لن يتأخر كثيرا، ولن يرتبط بالشروط الأمريكية المعلنة. الاعتراف الأمريكى بالنظام الجديد فى أفغانستان هو جزء من لعبة سياسية أكثر منه جزء من سياسة أمريكية لبناء نظام ديمقراطى فى أفغانستان. الولايات المتحدة التى فشلت فى بناء هذا النظام فى ظل وجود عسكرى مباشر لها فى أفغانستان لمدة عقدين كاملين ومتصلين، بل ووقعت فى العديد من الأخطاء السياسية الكبيرة هناك أضعفت من فرص بناء هذا النظام، لا يمكن قبول أنها مازالت تسعى إلى بناء هذا النظام بعد خروجها.

عوامل عديدة تجعل الاعتراف الأمريكى بنظام طالبان الجديد فى حكم المؤكد تقريبا. أول تلك العوامل يتعلق بموقع أفغانستان على أجندة المصالح الدولية والإقليمية خلال المرحلة المقبلة، على خلفية موقعها الجغرافى وثرواتها المعدنية، ما يجعلها نقطة تقاطع لعدد من المشروعات الدولية الكبيرة. لا يقتصر الأمر هنا على سعى الصين إلى ربط أفغانستان بممرات الحزام والطريق، سواء البرية أو الرقمية (الممر الاقتصادى الصين- باكستان، الممر الاقتصادى الصين – غرب آسيا، ممر وخان الرقمى، وممر الصين – باكستان للألياف البصرية)، لكنه يشمل مشروعات عدة لنقل مصادر الطاقة من إقليم وسط آسيا الذى يتسم بوفرة فى مصادر الطاقة إلى إقليم جنوب آسيا الذى يعانى عجزا مقابلا. ثم هناك أيضا مشروع محور الشمال الجنوب الذى تقف وراءه الهند وإيران وروسيا ودول آسيا الوسطى. بمعنى آخر، فإن أفغانستان ستكون وجهة ونقطة تقاطع لمصالح دولية، الأمر الذى سيضمن فى القريب اعترافا ودعما من جانب عدد كبير من قوى دولية وإقليمية مهمة، بعضها قد فتح بالفعل قنوات اتصال مباشرة مع طالبان بالتوازى مع بدء مفاوضات الدوحة بين طالبان والولايات المتحدة. ليس من المتوقع أن تترك الولايات المتحدة أفغانستان/ طالبان لتدير هذه اللعبة الكبيرة بعيدا عنها أو حتى فى ظل علاقة صراعية معها.

من ناحية أخرى، ورغم خروج الولايات المتحدة من أفغانستان، لكن هذا لا ينفى وجود مصالح أمريكية هناك، أضحت أكثر وضوحا عقب هذا الخروج. على رأس هذه المصالح مواجهة داعش. هذه المواجهة لن تفرضها اعتبارات المسئولية الأمريكية فى إطار الحرب على الإرهاب، لكنها قد تصبح جزءا من حماية الأمن القومى الأمريكى المباشر، فى حالة استهداف التنظيم أو إحدى ولاياته مصالح أمريكية خلال الفترة المقبلة، وهو سيناريو متوقع.

أما فيما يخض الشروط الأمريكية المطروحة للاعتراف بطالبان فإنها لا تعدو كونها – فى الأغلب – نوعا من ممارسة الضغوط السياسية لانتزاع بعض الامتيازات والتنازلات من الحركة. فضلا عن أنه لم يكن من اليسير تمرير اعتراف أمريكى سريع بطالبان فى ظل موجة الانتقادات الضخمة التى وُجهت لإدارة بايدن، لأسباب تتعلق بقرار الانسحاب من أفغانستان وطريقة الانسحاب، وعمليات الإجلاء وما ارتبط بها من حالة من الفوضى والارتباك، بل وإملاء طالبان شروطها بشأن الموعد النهائى للإجلاء ورفضها مده إلى ما بعد 31 أغسطس. كما أن صدور الاعتراف الأمريكى بهذه السرعة كان من شأنه جر سلسلة من الاعترافات المماثلة من جانب عدد كبير من الدول، ما كان يعنى منح طالبان مكافآت مجانية ضخمة. لكن من الناحية العملية مازالت الولايات المتحدة فى حاجة إلى سفارة (ضخمة) فى أفغانستان تقوم على إدارة المهام والمصالح الأمريكية هناك. عمليا، أيضا، هناك اتفاق سياسى موقع بين الطرفين (اتفاق فبراير 2020)، مازال قائما ومهما للولايات المتحدة بالنظر إلى ما يتضمنه من التزام مهم على طالبان باتخاذ مجموعة من الإجراءات لمنع أى جماعة أو فرد -بما فى ذلك تنظيم القاعدة- من استخدام أراضى أفغانستان لتهديد أمن الولايات المتحدة وحلفائها، وحدد الاتفاق هذه الإجراءات بالتفصيل.

يبقى فقط تغيير لغة الخطاب الأمريكى، وتبرير قرار الاعتراف، وتحديد اللحظة الزمنية المناسبة لإصدار هذا الاعتراف. عمليا لا توجد مشكلات فى تغيير لغة الخطاب الأمريكى، فهو خطاب مرتبط بالمصالح الأمريكية بالأساس، رغم الحرص على إعطاء وزن مُعتبر للمصالح والاعتبارات المعيارية أو القيمية، وعلى رأسها القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. وهناك أمثلة كثيرة جدا فى السياسية الأمريكية على الازدواجية والتناقض والتضحية بأى مصالح قيمية، بما فى ذلك أفغانستان نفسها. فقد تحولت الأهداف الأمريكية فى أفغانستان من القضاء على القاعدة وطالبان وبناء نظام ديمقراطى فى عهد بوش الابن، إلى مجرد ضمان الخروج الآمن للجنود فى عهد بايدن، مرورا بالحديث عن تفكيك (وليس القضاء) القاعدة وطالبان فى عهد أوباما.

نقلا عن الاهرام بتاريخ 15 سبتمبر 2021

محمد فايز فرحات
مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب