الإمبراطورية الأمريكية إلى أين؟

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقال مهم نبهنى له معالى الأمين العام لجامعة الدول العربية، السيد أحمد أبو الغيط، نشر حديثاً فى جريدة النيويورك تايمز الأمريكية تحت عنوان الإمبراطورية الأمريكية فى تراجع، المقال يلفت الانتباه إلى الجدل الذى يتصاعد منذ أسابيع فى وسائل الاعلام ومراكز الفكر بالولايات المتحدة حول مستقبل القوة الأمريكية فى العالم بعد الانسحاب من أفغانستان، والذى ارتبط فى كتابات الكثيرين باستخدام مصطلح الإمبراطورية الأمريكية. البعض يقارن حالة الولايات المتحدة اليوم بحالة بريطانيا (العظمي) فى أيامها الأخيرة، حيث كانت إمبراطوريتها فى حالة أشلاء ولكن جاءت أزمة السويس (العدوان الثلاثي) عام 1956، وأوضحت أن أيام الإمبراطورية البريطانية قد ولت. كما أسهمت حرب الاتحاد السوفيتى…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقال مهم نبهنى له معالى الأمين العام لجامعة الدول العربية، السيد أحمد أبو الغيط، نشر حديثاً فى جريدة النيويورك تايمز الأمريكية تحت عنوان الإمبراطورية الأمريكية فى تراجع، المقال يلفت الانتباه إلى الجدل الذى يتصاعد منذ أسابيع فى وسائل الاعلام ومراكز الفكر بالولايات المتحدة حول مستقبل القوة الأمريكية فى العالم بعد الانسحاب من أفغانستان، والذى ارتبط فى كتابات الكثيرين باستخدام مصطلح الإمبراطورية الأمريكية.


البعض يقارن حالة الولايات المتحدة اليوم بحالة بريطانيا (العظمي) فى أيامها الأخيرة، حيث كانت إمبراطوريتها فى حالة أشلاء ولكن جاءت أزمة السويس (العدوان الثلاثي) عام 1956، وأوضحت أن أيام الإمبراطورية البريطانية قد ولت. كما أسهمت حرب الاتحاد السوفيتى فى أفغانستان، والتى انتهت بسحب قواته العسكرية عام 1989، بعد حرب استمرت ما يقرب من 9 سنوات فى انهيار الاتحاد السوفيتي.


البعض يرى أن الانسحاب الأمريكى الأخير من أفغانستان يمثل أيضا نقطة البداية لتداعى الإمبراطورية الأمريكية، وأن مقولة أفغانستان مقبرة الإمبراطوريات ستثبت صحتها بالنسبة للولايات المتحدة كما حدث مع الاتحاد السوفيتي. أو كما كتب أحد المحللين الأمريكيين فإن تراجع أمريكا من أفغانستان هو على الأقل مهين مثل انسحاب الاتحاد السوفيتى فى عام 1989، وهو الحدث الذى أسهم فى نهاية إمبراطوريته والحكم الشيوعي.. انسحبت كلتا القوتين العظميين كخاسرتين، وذيلهما بين أرجلهما، تاركتين وراءهما الفوضي.


المقال الذى أشار إليه الأمين العام أحمد أبو الغيط، يتسم بدرجة كبيرة من العمق فى التعامل مع موضوع الإمبراطورية الأمريكية، ويرى أن الانسحاب الأمريكى من أفغانستان ليس بالضرورة مقدمة لانهيار إمبراطورى حقيقى للولايات المتحدة، ويذكر أن الفشل الأمريكى فى أفغانستان يشبه إلى حد كبير الإخفاقات التى تعرضت لها الإمبراطورية الرومانية فى أطرافها، وبعيدا عن روما نفسها، مثل الهزائم التى تعرض لها جنرالات الرومان فى صحارى بلاد ما بين النهرين أو الغابات الألمانية عندما تجاوز نفوذ الإمبراطورية قبضتها.


ويشير كاتب المقال روس دوتهات أن هناك ثلاث امبراطوريات أمريكية وليس إمبراطورية واحدة. هناك الإمبراطورية الداخلية أو الولايات المتحدة التى تكاد تكون قارة قائمة بذاتها. ثم هناك الإمبراطورية الخارجية والتى تتكون من المناطق التى احتلها الأمريكيون وأعادوا بناءها بعد الحرب العالمية الثانية، والتى تقع فى الأساس فى أوروبا الغربية، وحافة المحيط الهادي.


وأخيراً هناك امبراطورية العالم الأمريكى وهى المناطق التى توجد الولايات المتحدة فيها حول العالم بنفوذها الاقتصادى والعسكرى والثقافي. ويذكر أن معظم الهزائم التى تعرضت لها الولايات المتحدة تقع فى هذا النطاق الامبراطورى الثالث، سواء فى جنوب شرق آسيا فى الستينيات، ثم فى الشرق الأوسط، وآسيا الوسطى بعد 11 سبتمبر، وأن أسباب الهزائم فى هذا النطاق تنبع من الفكرة المتغطرسة القائلة بأن الولايات المتحدة تستطيع تمديد إمبراطوريتها الخارجية (النوع الثانى من الإمبراطورية) وجعل الترتيبات التى أنشأتها على غرار حلف الناتو، ذات طابع عالمي، وتطبيق نموذج اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية على فيتنام الجنوبية أو العراق أو أفغانستان.


ويذكر الكاتب أنه مادام لدى الولايات المتحدة الامبراطوريتين الأخريين لتعتمد عليهما، فلا يمكن القول إنها فى حالة انهيار إمبراطوري، وأن الوضع لا يزال أشبه بوضع الإمبراطورية الرومانية حيث خسرت روما حروبا على الحدود البعيدة، وهو وضع سيئ ولكنه قابل للتعافي.


ولكن المقال يشير أيضا إلى أن الهزائم على الحدود البعيدة قد يكون لها عواقب فى قلب الإمبراطورية وفى الإمبراطورية الخارجية، منها على سبيل المثال أن الشعور بالتدهور الامبراطورى المتسارع قد يوسع الانقسامات الأيديولوجية المتفاقمة بالفعل فى الداخل الأمريكي، ويزيد من حالة الاستقطاب. كما أنه قد يؤدى الى تشجيع منافسى الولايات المتحدة خاصة الصين على المزيد من التحدى لها.


هذه المشاعر قد تنمى أيضا التيارات الانعزالية فى الولايات المتحدة، والتى تدعو إلى تقليص الإمبراطورية العسكرية الأمريكية فى الخارج. ففى مقال حديث للكاتب والمحلل الأمريكي، جون دبليو وايتهيد، ذكر صراحة أن سحب القوات الأمريكية من أفغانستان لا يكفي، ويجب على الإمبراطورية الأمريكية إعادة جميع القوات إلى الوطن، ووضع نهاية للحروب التى لا نهاية لها، وذكر أن الإمبراطورية العسكرية الامريكية تتضمن ما يقرب من 800 قاعدة فى الخارج، وتعمل بتكلفة تزيد على 156 مليار دولار سنوياً.


كاتب آخر تحدث عن ان مشكلة المشروع الامبراطورى الامريكى تتعلق بسؤال ما هو هدف وعائد هذا الاستثمار الإمبراطوري، وكيف يقارن الدافع الإمبريالى لأمريكا مع دوافع الإمبراطوريات السابقة؟ ويذكر الكاتب أن الأثينيين أرادوا البحر، وأراد الرومان القارات، وأراد البريطانيون التجارة، وأراد البيزنطيون جعل المزيد من المسيحيين، وأراد السوفيت جعل المزيد من الشيوعيين. والسؤال ماذا يريد الأمريكيون؟


خلاصة الجدل السابق هو أن البعض يرى ان انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان يمثل بداية منعطف أكبر سيؤدى لنهاية الإمبراطورية الامريكية كما كان الحال مع امبراطوريات سابقة. وجهة النظر الثانية ترى أن الولايات المتحدة تعانى الإرهاق الامبراطوري، ولكن من السابق لأوانه الحديث عن نهاية الإمبراطورية الامريكية، وسوف تعيد تأكيد نفسها قريبًا فى مكان آخر لتظهر للعالم أنها لا تزال تتمتع بالقوة، كما يظهر الآن فى التحالف الاسترالى الانجليزى الامريكى فى مواجهة الصين، ولكنها بالتأكيد لن تكون كما كانت قبل، واتفق مع وجهة النظر الثانية.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر