مصر بين التغير المناخى والطاقة النظيفة

عضو الهيئة الاستشارية

تتطلع مصر إلى استضافة قمة الأمم المتحدة للمناخ، المقرر عقدها فى العام المقبل 2022 نيابة عن أفريقيا، وفق ما أعلنه الرئيس السيسى فى كلمته أمام اجتماع رؤساء الدول والحكومات حول المناخ برعاية الأمم المتحدة الاثنين الماضى. وهو تطلع قائم بالأساس على اهتمام مصر باحتواء الآثار المتوقعة للتغير المناخى، رغم كونها لا تشارك إلا بنسبة ضئيلة جداً لا تزيد على 6 من الألف من الانبعاثات الكربونية عالمياً، التى تُعد المسبب الأساسى لارتفاع درجة حرارة الأرض وما يلحقه من تداعيات التصحر والعواصف الشديدة والأمطار الهائلة والفيضانات، والأهم ارتفاع مستوى البحر ما يهدد البلدان الشاطئية، ومن بينها مصر. وهو تطلع قائم أيضاً على…

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

تتطلع مصر إلى استضافة قمة الأمم المتحدة للمناخ، المقرر عقدها فى العام المقبل 2022 نيابة عن أفريقيا، وفق ما أعلنه الرئيس السيسى فى كلمته أمام اجتماع رؤساء الدول والحكومات حول المناخ برعاية الأمم المتحدة الاثنين الماضى. وهو تطلع قائم بالأساس على اهتمام مصر باحتواء الآثار المتوقعة للتغير المناخى، رغم كونها لا تشارك إلا بنسبة ضئيلة جداً لا تزيد على 6 من الألف من الانبعاثات الكربونية عالمياً، التى تُعد المسبب الأساسى لارتفاع درجة حرارة الأرض وما يلحقه من تداعيات التصحر والعواصف الشديدة والأمطار الهائلة والفيضانات، والأهم ارتفاع مستوى البحر ما يهدد البلدان الشاطئية، ومن بينها مصر.

وهو تطلع قائم أيضاً على الإيمان بضرورة دخول مصر عصر الطاقة النظيفة والمتجددة بقوة، نظراً للعلاقة الوثيقة بين التوسع فى استخدامات الطاقة المتجددة من جانب، والحفاظ على البيئة وبناء ما يُعرف بالاقتصاد الأخضر، ومن ثم خفض انبعاثات التلوث الكربونى من جهة أخرى، وبالتالى مكافحة مسببات التغير المناخى، والتكيف مع نتائجه من جانب آخر.

ومن المصادفات أنه فى الساعة التى تحدّث فيها الرئيس السيسى أمام قادة الدول ورؤساء الحكومات فى اجتماع التغير المناخى، كانت هناك ورشة عمل حول آفاق تحول الطاقة فى مصر، نظّمها مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ومكتب مؤسسة فردريش ايبرت بالقاهرة، وشاركت فيها وزيرة التعاون الدولى رانيا المشاط، ورئيس مجلس إدارة الأهرام عبدالمحسن سلامة ولفيف من الخبراء المصريين والأكاديميين فى مجال الطاقة المتجددة بأنواعها المختلفة. وقد خُصصت لمناقشة دور مؤسسات التمويل المحلية والدولية من خلال ابتكار وسائل تمويل مستحدثة لتعميق التحول إلى الطاقة النظيفة، والحفاظ على البيئة، والتكيف مع متطلبات التغير المناخى.

وفى كلمة الوزيرة رانيا المشاط تم استعراض الجهود المصرية لتعزيز دور التمويل التنموى الاستثمارى الذى يشجع التعافى الأخضر من خلال الالتزام بالمعايير الدولية، وأهمها الشفافية والحوكمة واستخدام الطاقة المتجددة، وإدماج القطاع الخاص فى الاستثمار فى مشروعات إنتاج الطاقة النظيفة، واستخدام التقنيات الرقمية فى المشروعات التنموية. ووفقاً للوزيرة تستهدف استراتيجية الطاقة المتكاملة الوصول إلى نسبة 40 فى المائة من الطاقة المتجددة فى العام 2035، والوصول إلى نسبة 100 فى المائة من الاستثمارات العامة فى كل جوانب الاقتصاد الأخضر، وهى الآن فى حدود 30 فى المائة وحسب.

ونظراً لأن الحلقة النقاشية كانت مخصصة لبحث دور مؤسسات التمويل المحلية والدولية، فقد ركزت مشاركات ممثلى عدد من البنوك المصرية واتحاد الصناعات على شرح الأساليب المعتمدة لتمويل المشروعات التنموية الجديدة التى تراعى متطلبات الاستدامة البيئية عبر ابتكار وسائل تمويل غير تقليدية، وبما يتناسب مع طبيعتها المختلفة عن المشروعات التقليدية، فضلاً عن تأهيل الكوادر البنكية، وإعدادها للتعامل مع هذه النوعية من المشروعات وتقديم الاستشارات التمويلية المناسبة للمستثمرين، وإنشاء إدارات خاصة بالمبادرات التى يحددها البنك المركزى فى هذا الشأن.

والمعروف أن البنك المركزى يلعب دوراً مهماً فى تحقيق أهداف استراتيجية التحول إلى الاقتصاد الأخضر، وله العديد من المبادرات الرئيسية، مثل تمويل تحوُّل السيارات إلى وقود الغاز، والاستثمار فى صناعة السيارات الكهربائية ومحطات الشحن الخاصة بها. وعملياً فقد تبين أن هناك عدة معوقات يجب معالجتها ما دامت هناك إرادة حقيقية على الصعيد الرسمى لإنجاز عملية التحول إلى الاقتصاد الأخضر فى غضون عقد ونصف على الأكثر. ومن تلك المعوقات تأخر إعداد الكوادر البنكية التى تلتزم بالوسائل المستحدثة لتمويل مشروعات الطاقة النظيفة إنتاجاً واستهلاكاً، وغياب أو محدودية ابتكار وسائل لتوجيه صغار المستثمرين لاستخدام التقنيات الجديدة.

أما مجتمعياً، فثمة قلة وعى مجتمعى بضرورة مراعاة الجوانب البيئية فى السلوك الحياتى اليومى، لا سيما ما يتعلق باستخدام الأجهزة الكهربائية، وأهمية وضع إطار قانونى واضح لعمل المكاتب الاستشارية التى تعمل فى مجال الطاقة النظيفة وبما يسهم فى تحديث عملها، وبالتالى إخراج المكاتب غير المؤهلة من العمل فى هذا المجال، وتوظيف الأبحاث الأكاديمية فى الجامعات التى تقدم أفكاراً مبتكرة لتقنيات الطاقة المتجددة وتحويلها إلى براءات اختراع قابلة للتسويق والتطبيق فى مصر والخارج.

والواضح أن السياسات الحكومية، وإن ركزت على الدفع بمشروعات الطاقة النظيفة، كإنشاء محطات توليد الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية، والدخول فى معترك إنتاج الهيدروجين الأخضر، الذى يُستخرج من الماء بعد تحليله كهربائياً، وهو أحد أنواع الطاقات النظيفة المستحدثة والمقدَّر لها أن تكون عصب الاقتصادات المتقدمة فى غضون عقد من الآن، فإن قضية وعى المجتمع تُعد رئيسية فى نجاح تلك التحولات. وجزء من هذا الوعى المجتمعى يرتبط أساساً بأن يدرك المواطن العادى مخاطر التغير المناخى، وأنه لا بديل عن التحول إلى الطاقة المتجددة، من خلال محفزات تمويلية حقيقية تدفعه إلى بناء محطات إنتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية فوق أسطح العمارات، وتوفير التمويل المُيسر لها من قبَل البنوك الوطنية، ومراعاة أكواد البناء البيئية فى مشروعات الإسكان، وتحويل المبادرات الرئاسية، لا سيما تلك الخاصة باستخدام الغاز الطبيعى فى المنازل نظير مبلغ 30 جنيهاً، ولمدة عشر سنوات، إلى واقع عملى، عبر توجيه الشركات والإدارات المحلية إلى الالتزام بهذه المبادرة وتسهيل الإجراءات والموافقات.

إذ لا يُعقل أن يُطلب من المواطن حين يتقدم للحصول على خط غاز إلى شقته أن يأتى بموافقة سبع جهات حكومية من بينها شركات الكهرباء والصرف الصحى والطرق والنقل وغيرها، وكل منها تطلب مبالغ فوق الطاقة، غير التكلفة المُبالغ فيها التى تطلبها شركة الغاز نفسها، ما يدفع المواطن للعزوف عن مغامرة إنفاق آلاف الجنيهات للتحول إلى الغاز، فضلاً عما يثار داخله بأن المبادرات الرئاسية والحكومية لا تتجاوز لحظة الإعلان عنها، ما يؤدى بدوره إلى فجوة ثقة مع الدولة ليست مطلوبة بأى شكل من الأشكال. والأمل أن تراعى الحكومة وضع معايير صارمة تلتزم بها شركات الغاز والكهرباء، وأيضاً البنوك الوطنية، لتيسير تحوُّل المواطنين إلى الغاز والطاقة الشمسية بأقل التكاليف والأعباء.

إن تطلع مصر لاستضافة قمة التغير المناخى فى العام المقبل لا بد أن يكون محفزاً أكبر لكل الجهات الرسمية والمدنية ذات الصلة بالطاقة النظيفة، لكى نقدم نموذجاً رائداً فى هذا المجال، يمكن ترويجه للمشاركين فى القمة، وهم العالم أجمع، وبما يحقق ريادة فعلية مدعومة بسلوك مجتمعى على أرض الواقع.

نقلا عن جريدة الوطن بتاريخ23 سبتمبر 2021

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب