تنمية ومجتمع

الهجرة المناخية.. المحركات والأسباب

رصدت اللجنة الدولية المعنية بالتغير المناخي في الأمم المتحدة، في تقريرها الصادر في أغسطس 2021، أننا في أزمة حقيقية بفعل الأنشطة البشرية وزيادة الانبعاثات الكربونية التي تؤدي بنا بشكل متزايد نحو سيناريوهات الاحترار العالمي بأكثر من 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2030، وربما الوصول إلى أكثر من 2 درجة مئوية بحلول منتصف القرن. هذا فضلًا عن التغيرات المناخية الأخرى، مثل: نوبات الحرارة والجفاف، التصحر وإزاله الغابات، زيادة حموضة المحيطات، التقلبات في هطول الأمطار وشدتها، وانهيار الصفائح الجليدية، وغيرها من نوبات الطقس المتغيرة أو الظواهر المتطرفة، مما يشكل مخاطر كبيرة على الأمن الغذائي والأمن المائي لكثير من المناطق في العالم، وقد…

أمل إسماعيل
باحثة ببرنامج السياسات العامة

رصدت اللجنة الدولية المعنية بالتغير المناخي في الأمم المتحدة، في تقريرها الصادر في أغسطس 2021، أننا في أزمة حقيقية بفعل الأنشطة البشرية وزيادة الانبعاثات الكربونية التي تؤدي بنا بشكل متزايد نحو سيناريوهات الاحترار العالمي بأكثر من 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2030، وربما الوصول إلى أكثر من 2 درجة مئوية بحلول منتصف القرن. هذا فضلًا عن التغيرات المناخية الأخرى، مثل: نوبات الحرارة والجفاف، التصحر وإزاله الغابات، زيادة حموضة المحيطات، التقلبات في هطول الأمطار وشدتها، وانهيار الصفائح الجليدية، وغيرها من نوبات الطقس المتغيرة أو الظواهر المتطرفة، مما يشكل مخاطر كبيرة على الأمن الغذائي والأمن المائي لكثير من المناطق في العالم، وقد يؤدي أيضًا إلى فقدان التنوع البيولوجي بشكل لا رجعة فيه.

وقد أثارت كل هذه الأدلة بشأن الخطر المتزايد للتغيرات المناخية الجدل حول إمكانية أن يتسبب تغير المناخ في هجرات جماعية أو نزوح سكاني، من خلال تداعياته المتصاعدة على الزراعة والموارد المائية والبنية التحتية ومقومات الحياة، ولا سيما في العالم النامي. فالهجرة البيئية هي ظاهرة موجودة بالفعل، وقد حدد الخبراء التغيرات المناخية كمحرك رئيسي للهجرة من إفريقيا جنوب الصحراء إلى أوروبا، وكذلك كعامل مسبب لبعض الهجرات من أمريكا الوسطى إلى الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. ولكن ما مدى احتمالية السيناريوهات التي تدفع فيها التهديدات البيئية مئات الملايين من الأشخاص أو أكثر إلى الانتقال؟

ارتباط المناخ بحركة السكان تاريخيًا

على مر التاريخ لعبت تغيرات المناخ دورًا هامًا في تحركات السكان حسب هطول الأمطار وتوافر المياه، وخصوبة التربة الزراعية، ونوبات الحرارة والجفاف، وغيرها. وقد تغيرت أنماط المناخ العالمي خلال القرن الماضي، مما أدى إلى مزيد من الظواهر المناخية المتطرفة، تشمل الأعاصير والفيضانات وحرائق الغابات. ووفقًا لتقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، فإنه بالمعدل الحالي من المرجح أن تصل درجات الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة في وقت ما بين عامي 2030 و2052، مما سينتج عنه تأثيرات متتالية على الصفائح الجليدية، والنظم البيئية، والأنظمة الإنتاجية، وأن هذه التأثيرات لن تنتشر بالتساوي بين كل مناطق الأرض، فهناك مناطق حول العالم أكثر عرضة للتغيرات المناخية، وبالتالي فهي أكثر عرضة لنزوح السكان مثل إفريقيا وأمريكا اللاتينية والبلدان المعتمدة بشكل أكبر على الزراعة، وقد أوضحت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أنه من المرجح أن تؤدي زيادة تواتر وشدة المخاطر المناخية إلى تحفيز الناس على الهجرة عندما يكون السكان أكثر عرضة للخطر ولديهم قدرة أقل على التكيف.

محركات الهجرة المناخية

يمكن تقسيم الأحداث المناخية إلى أحداث سريعة الظهور وأخرى بطيئة الظهور، وتشمل الأحداث السريعة: الظواهر المناخية المتطرفة (مثل: الفيضانات، والعواصف، وموجات الحر والجفاف)، أما الأحداث البطيئة فهي تغيرات تدريجية في النظم المناخية (مثل: ارتفاع درجات الحرارة، أو تباين هطول الأمطار على المدى الطويل). وتشمل الأحداث الأخرى التي تحدث ببطء ارتفاع مستوى سطح البحر، وتحمض المحيطات، وانحسار الأنهار الجليدية، وتملح التربة، وتدهور الأراضي والغابات، وفقدان التنوع البيولوجي، والتصحر. وتشير الدلائل إلى أن الأحداث سريعة الظهور من المرجح أن تؤدي إلى نزوح قصير المدى متبوعًا بالعودة إلى مناطق المصدر مرة أخرى، بينما من المرجح أن تؤدي الأحداث البطيئة الحدوث إلى الهجرة الدائمة. ومع ذلك، يمكن للأحداث المتتالية سريعة الظهور أن تقلل من ارتباط الأسر بموطنها الأصلي بطرق قد تشجع الهجرة طويلة الأجل.

وتشير التقارير أيضًا إلى أن العوامل البيئية بما في ذلك المناخية قد تكون لها تأثيرات مباشرة على تحركات السكان، ولكن من المرجح أن تعمل من خلال محركات وسيطة، وهي العوامل الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية والسياسية، وخاصة عندما تؤثر على مستويات الدخل وسبل العيش، ونشوب الصراعات، وعدم الاستقرار الأمني. وبالتالي فإن العوامل البيئية نادرًا ما تعمل بمعزل عن غيرها من العوامل. فعلى سبيل المثال، فإن انعدام الأمن والنزاعات وعدم الاستقرار السياسي الذي ينتج عنه تدهور اقتصادي ونقص في الموارد والخدمات وتدهور في مستويات المعيشة، يمثل الدافع بشكل كبير جدًا في مناطق في إفريقيا نحو الهجرة. وهناك أمثلة أخرى على ضعف الدولة والهشاشة الاجتماعية التي يمكن أن تتجسد في الانتهاكات وحقوق الانسان ومستوى المعيشة المناسب لحياة لائقة، تشكل هي الأخرى عاملًا دافعًا نحو الهجرة. وقد أشار تقرير الأمم المتحدة للبيئة والأمن البشري إلى أن هناك أربعة عوامل أساسية دافعة للهجرة أو النزوح بشكل عام، منها عوامل خاصة بالهجرة للتعليم واستكمال الدراسة بنسبة 26%، وعوامل خاصة بالانتقال للبحث عن فرص عمل وتمثل النسبة الأكبر حوالي 37%، وشكلت العوامل بغرض العلاج أو الإجراءات الطبية وغيرها 19%، أما العوامل البيئية المرتبطة بالظواهر المناخية المختلفة فقد شكلت 18%. 

شكل (1): محركات الهجرة وفق تقرير الأمم المتحدة للبيئة والأمن البشري (UNU-EH)

الأسباب التي تؤدي إلى الهجرة المناخية

الأحداث المناخية المتطرفة التي حدثت أخيرًا من فيضانات وأعاصير وحرائق للغابات وانتشار للأوبئة، وأثرت على حياة الملايين من البشر، دفعت العالم نحو التفكير في التهديدات التي يواجهها المجتمع الدولي جراء تلك الأحداث، ومن بينها:

  • الهجرة البشرية على نطاق واسع بسبب ندرة الموارد، وزيادة تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، ولا سيما في البلدان النامية.
  • تكثيف المنافسة داخل الدول وفيما بينها على الغذاء والماء والطاقة والموارد الأخرى، لا سيما في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
  • زيادة تواتر وشدة تفشي الأمراض والأوبئة.
  • إضافة إلى ذلك، يؤدي النمو الاقتصادي السريع والتحضر إلى تسريع وتضخيم تأثير ودوافع تغير المناخ، فمن المتوقع أن ينمو الطلب على الطاقة بنسبة 66% بحلول عام 2040.

هل تختلف الهجرة المناخية في الدول النامية عن المتقدمة؟

قامت مجموعة كبيرة من الأبحاث بدراسة التأثير النسبي لعوامل المناخ في الدفع نحو الهجرة وتركز على ما يسمى “المسار الزراعي”، وهو المتعلق بالتدهور المستقبلي للأراضي المستخدمة في الزراعة، وتعطيل النظم الإيكولوجية الهشة، واستنفاد الموارد الطبيعية الثمينة مثل المياه العذبة وتأثيرها المباشر على حياة الناس من خلال التغيرات في الإنتاجية الزراعية، وتظهر التحليلات من هذا النوع في أجزاء من إفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، حيث درجات الحرارة المتزايدة أو الشديدة وتقلب هطول الأمطار والظواهر المتطرفة يمكن أن يؤثر سلبًا على غلات المحاصيل بطرق قد تحفز على الهجرة. ولا يزال المسار الزراعي هو الأكثر دراسة من حيث الروابط بين المناخ والهجرة، ولكن هناك أبحاث أيضًا حول أنظمة الرعي المعيشية في المناطق الساحلية فيما يتعلق بارتفاع مستوى سطح البحر، وفي مناطق الغابات، وفي المناطق الحضرية. وبالتالي غالبًا ما ترتبط الهجرة في الدول النامية بنقص في الموارد مثل: نقص موارد المياه والأمن الغذائي، والتصحر، وارتفاع درجات الحرارة، وعدم قدرة السكان على التكيف مع البيئة المحيطة.

أما الهجرة في الدول المتقدمة فأسبابها تختلف عن الدول النامية من حيث إن دخل الناس وسبل عيشهم أقل اعتمادًا على الظروف البيئية المحلية بسبب سلاسل التوريد الموسعة والدولية. ومع ذلك، هناك اهتمام متزايد بالمناطق المعرضة لتغير المناخ، وخاصة المناطق الساحلية، وكذلك مناطق الغابات المعرضة للحرائق والبيئات المشاطئة المعرضة للفيضانات في البلدان المتقدمة.

ظواهر تأثير تغير المناخ على هجرة السكان 

في عام 2018، قدر البنك الدولي أن ثلاث مناطق (أمريكا اللاتينية، وإفريقيا جنوب الصحراء، وجنوب شرق آسيا) ستولد 143 مليون مهاجر بسبب المناخ بحلول عام 2050. وفي عام 2017، تم تهجير 68.5 مليون شخص قسرًا. وفي حين أنه من الصعب التقدير، فإنّ ما يقرب من ثلث هؤلاء (22.5 مليونًا إلى 24 مليون شخص) تمت هجرتهم بسبب الأحداث المناخية “المفاجئة”، مثل الفيضانات وحرائق الغابات بعد الجفاف والعواصف الشديدة، أما الثلثان المتبقيان من حالات النزوح فهي نتائج أزمات إنسانية أخرى. وقد أصبح من الواضح أن تغير المناخ يساهم فيما يُسمى بالأحداث البطيئة مثل: التصحر، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتحمض المحيطات، وتلوث الهواء، وتحولات أنماط المطر، وفقدان التنوع البيولوجي، وسوف يؤدي هذا التدهور إلى تفاقم العديد من الأزمات الإنسانية، وقد يؤدي إلى هجرة المزيد من الأشخاص.

وحتى الآن، لا يوجد سوى عددٍ قليل من الحالات التي يكون فيها تغير المناخ هو العامل الوحيد الذي يحفز الهجرة، ففي جزر المحيط الهادئ -على سبيل المثال- يرتفع مستوى سطح البحر بمعدل 12 ملم سنويًا في غرب المحيط الهادئ، وقد غمر بالفعل ثماني جزر، وهناك اثنتان أخريان على وشك الاختفاء، مما أدى إلى موجة من الهجرة إلى البلدان الأكبر. وبحلول عام 2100، من المقدر أن 48 جزيرة ستختفي بسبب ارتفاع المحيط. كما تقلص حجم الجزر في ولايات ميكرونيزيا الموحدة بشكل كبير، وانجرفت إلى حالة غير صالحة للسكن، وتلوثت مياهها العذبة بسبب تدفق مياه البحر، واختفت في العقد الماضي.

وفي جنوب آسيا، يؤدي ارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع مستوى سطح البحر، وزيادة تواتر الأعاصير، والفيضانات في أنظمة الأنهار التي تغذيها ذوبان الأنهار الجليدية، وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة؛ إلى تفاقم أنماط الهجرة الداخلية والدولية الحالية، مما قاد البنك الدولي للتنبؤ بأن الاقتصاد الجماعي لجنوب آسيا (بنغلاديش، وبوتان، والهند، وجزر المالديف، ونيبال، وسريلانكا) سيفقد 1.8% من إجمالي الناتج المحلي السنوي بسبب تغير المناخ بحلول عام 2050.

ويواجه شمال غرب إفريقيا ارتفاع مستويات سطح البحر والجفاف والتصحر، مما يُساهم بشكل كبير في العدد الكبير بالفعل من المهاجرين الموسميين، الأمر الذي يضع ضغطًا إضافيًا على بلد المنشأ وبلدان المقصد والطرق التي يسلكها المهاجرون.

كيف يمكن أن تساعد أهداف التنمية المستدامة في الحد من الهجرة المناخية؟

في حين لا توجد أنظمة دولية ملزمة قانونيًا تحمي المهاجرين بسبب المناخ؛ إلا أن هناك مواثيق طوعية يمكن استخدامها لدعمهم. ومن الجدير بالذكر أن 193 دولة اعتمدت أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 (SDGs)، والتي تتناول كلًا من الهجرة وتغير المناخ، كما أن العديد من الأهداف الـ 169 التي حددتها أهداف التنمية المستدامة أهدافًا عامة يمكن استخدامها لحماية المهاجرين بسبب المناخ. حيث يحدد الهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة بشأن العمل المناخي العديد من الأهداف التي تعالج أزمة المناخ، ومنها:

  • تعزيز المرونة والقدرة على التكيف مع الأخطار ذات الصلة بالمناخ والكوارث الطبيعية في جميع البلدان.
  • دمج تدابير تغير المناخ في السياسات والاستراتيجيات والتخطيط الوطني.
  • تحسين التعليم والتوعية والقدرات البشرية والمؤسسية للتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه، والحد من تأثيره والإنذار المبكر.

على الرغم من أن أهداف التنمية المستدامة لا تربط بشكل صريح بين تغير المناخ والهجرة؛ فإن الهدف 7.10 من أهداف التنمية المستدامة يدعو إلى “تسهيل الهجرة المنظمة والآمنة والمسئولة للأشخاص، بما في ذلك الهجرة البيئية. ولتحقيق هذه الأهداف، ستكون هناك حاجة إلى مساعدات إنمائية ثنائية ومتعددة الأطراف واسعة النطاق، ولا سيما لإنشاء مجتمعات مرنة يمكنها الإبقاء على الناس في مجتمعاتهم، كما ستحتاج وكالات التنمية الدولية والمؤسسات المالية الإنمائية الدولية إلى إعادة توجيه مساعداتها الإنمائية لدمج أزمة المناخ الحالية، كما سيلزم توجيه المزيد من الموارد بشكل كبير إلى المؤسسات المسئولة عن مكافحة تغيرات المناخ، وصندوق المناخ الأخضر وغيرها.

أمل إسماعيل
باحثة ببرنامج السياسات العامة