وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

حصاد مُكلف.. الأزمة اليمنية بين الدبلوماسية والعسكرة

ساهم استيلاء الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء (سبتمبر 2014) والمساعي المتواصلة من قبل الجماعة لتمديد نفوذها وإحكام سيطرتها على مساحات واسعه من اليمن، في تأجيج الصراع، كما تسبب في رفع التكلفة على كافة المستويات، إلى درجة أن الأزمة اليمنية باتت تُصنف بأنها أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، فوفقًا لعدد من التقديرات قُتل نحو 330 ألفًا جراء الصراع الدائر، علاوة على انتشار الأمراض والأوبئة، وتفاقم الأوضاع الإنسانية، إذ يحتاج ما يقرب من 24 مليون شخص لمساعدات إنسانية. وعليه، كانت الأعوام السبعة الماضية كفيلة بتعقيد المشهد، وفرض حالة من الالتباس في ظل المراوحة المستمرة بين الدبلوماسية ومحاولات التهدئة وتسوية الصراع وبين العسكرة…

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

ساهم استيلاء الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء (سبتمبر 2014) والمساعي المتواصلة من قبل الجماعة لتمديد نفوذها وإحكام سيطرتها على مساحات واسعه من اليمن، في تأجيج الصراع، كما تسبب في رفع التكلفة على كافة المستويات، إلى درجة أن الأزمة اليمنية باتت تُصنف بأنها أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، فوفقًا لعدد من التقديرات قُتل نحو 330 ألفًا جراء الصراع الدائر، علاوة على انتشار الأمراض والأوبئة، وتفاقم الأوضاع الإنسانية، إذ يحتاج ما يقرب من 24 مليون شخص لمساعدات إنسانية. وعليه، كانت الأعوام السبعة الماضية كفيلة بتعقيد المشهد، وفرض حالة من الالتباس في ظل المراوحة المستمرة بين الدبلوماسية ومحاولات التهدئة وتسوية الصراع وبين العسكرة وتوظيف الأدوات الخشنة لتحقيق مكاسب ميدانية من قبل الأطراف المنخرطة في الصراع.

مؤشرات التصعيد

تشهد الساحة اليمنية منذ مطلع العام الجاري تصعيدًا غير مسبوق، فبعد حالة من الهدوء النسبي والتصعيد المكتوم بين أطراف الأزمة، عادت مرة أخرى مؤشرات العسكرة لتسيطر على التفاعلات القائمة في اليمن، وقد تزامن هذا التصعيد مع جهود دولية وإقليمية مكثفة تستهدف وضع حد لهذا الصراع، والعمل على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتناحرة. ويمكن فهم تنامي مؤشرات العسكرة ومحاولة التمدد وتوسيع النفوذ الميداني من قبل الحوثيين كجزء من استراتيجية تجميع أوراق ضغط يمكن توظيفها في أية عملية تفاوضية مستقبلًا، وذلك انطلاقًا من فرضية أن مزيدًا من المكاسب الميدانية يضمن حضورًا أكبر في الترتيبات القادمة. ومن أجل تعزيز تلك الحظوظ المستقبلية شنت جماعة الحوثي تصعيدًا محسوبًا في الداخل اليمني، بالإضافة إلى تصعيد مماثل تجاه المملكة العربية السعودية. ويمكننا تحديد ملامح هذا التصعيد فيما يلي:

أولًا- توسيع النفوذ الميداني: سعت عناصر الحوثي عبر تفعيل أدواتها العسكرية لتمديد نفوذها وبسط سيطرتها على مساحات واسعه من البلاد، سواء من خلال العمل على إيجاد موطئ قدم في المناطق المحررة أو الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، أو عبر التمدد في مساحات إضافية، وقد كان إخضاع الحوثيين محافظة البيضاء لسيطرتهم الكاملة منتصف سبتمبر دليلًا على مساعي الجماعة لتحقيق تقدم ميداني قبل الدخول في أية تسويات، ويمكن أن تمنح سيطرة الحوثي على محافظة “البيضاء” الجماعة مجالًا للتقدم تجاه المحافظات الجنوبية، خاصة وأن الوضع الراهن يُسهل من مهمة الحوثيين بالتوجه نحو عدد من المحافظات المتاخمة للبيضاء ومن بينها: أبين، الضالع، لحج، وشبوة.

من ناحية أخرى، لا تزال جماعة الحوثي تضع محافظة “مأرب” وضمان حيازتها كإحدى أولوياتها، وذلك لعدد من الاعتبارات الرمزية والاستراتيجية؛ إذ تعتبر مأرب آخر معقل للحكومة الشرعية شمال اليمن، حيث مقر وزارة الدفاع وقيادة الجيش، علاوة على ما تتمتع به المحافظة من أهمية استراتيجية واقتصادية ناجمه من حقول النفط والغاز.

 كما تدور معارك أخرى في شبوة وعدد من المحاور بين الحوثيين والجيش اليمني، ومن المحتمل أن تستمر تلك المعارك ويتسع نطاقها في الفترات القادمة، خاصة في ظل إصرار الحوثيين على تغليب الأداة العسكرية على الحوار، الأمر الذي أكدته تصريحات “عبدالملك الحوثي” زعيم الجماعة في كلمة متلفزة أذاعتها، مطلع سبتمبر، قناة “المسيرة” التابعة للجماعة، والذي تعهد خلالها بالسيطرة على كافة المدن اليمنية الخاضعة لسيطرة الحكومة. ورغم التقدم الميداني فإن الضربات التي يوجهها التحالف العربي للحوثيين قد تحد من التقدم السريع للجماعة، وقد تمثل عائقًا أمام طموحات التوسع الميداني التي تسعى إليه.

ثانيًا- تمديد الهجمات للخارج: على غرار تكثيف الضربات العسكرية لمليشيا الحوثي في الداخل اليمني، تقوم الجماعة بتوسيع هجماتها الخارجية وضرباتها تجاه السعودية، وذلك من خلال استهداف عدد من المنشآت النفطية، والبنية التحتية الاستراتيجية، علاوة على المؤسسات الحيوية، إذ أصبحت السعودية ضمن بنك أهداف مليشيا الحوثي، وقد تصاعدت تلك الهجمات بصورة ملحوظة في الأشهر الماضية، وهو ما يمكن تفسيره وفقًا لجملة من الاعتبارات، يدور أولها في فلك الحملات الدعائية، حيث يرغب الحوثيون في إثبات قدرتهم على شن هجمات متزامنة في عدد من الجبهات الداخلية والخارجية. من ناحية أخرى، تستهدف الجماعة إلهاء السعودية وعناصر التحالف بهدف تخفيف الضربات الجوية ضد تمركزات الحوثيين في الداخل اليمني، مما يخدم استراتيجية الجماعة في التمدد بعدد من المحاور وضمان مزيد من السيطرة الميدانية.

ثالثًا- محاولة إرباك المشهد في الجنوب: شهدت الفترة الماضية تصعيدًا من قبل الحوثيين تجاه محافظات الجنوب، وذلك ضمن المساعي المتواصلة لإرباك المشهد، وقد برز ذلك في محاولة اختراق محافظة “شبوة” أو عبر استهداف قاعدة “العند” نهاية أغسطس الماضي، ويحمل الهجوم على تلك القاعدة عددًا من الرسائل، لعل أبرزها التأكيد على نية مليشيا الحوثي توسيع نفوذها خارج مناطق سيطرتها، علاوة على تأكيد قدرتها على تحقيق ضربات نوعية ضد المحاور الاستراتيجية، خاصة أن قاعدة العند يُنظر إليها باعتبارها صمام الأمان الجنوبي، وتشير تلك التحركات لوجود نية لدى الحوثيين للتمدد جنوبًا أو على أقل تقدير إحداث نوع من الخلل داخل الجبهة المناهضة لهم، وذلك عبر توظيف حالة عدم اليقين التي تسيطر على الجنوب اليمني، بالإضافة لغياب الثقة بين الحكومة وعناصر المجلس الانتقالي الجنوبي، فضلًا عن الاحتجاجات والتظاهرات التي اندلعت مؤخرًا في عدد من المدن اعتراضًا على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وسوء الخدمات.

محددات التهدئة

على الرغم من تنامي مؤشرات التصعيد على المستويين الداخلي والخارجي، إلا أن هناك مجموعة من المحددات التي قد تقود لفرض حالة من الهدوء، وذلك في ظل عدد من التفاعلات والترتيبات الإقليمية والدولية، وكذا الجهود الدبلوماسية الرامية لتسكين الصراع، وإيجاد صيغة لإيقاف الحرب المستمرة منذ سبعة أعوام، وهو ما يمكن الوقوف عليه فيما يلي:

أولًا- التفاهم الأمريكي الإيراني المحتمل: يمكن أن تنعكس جهود إحياء الاتفاق النووي بصورة مباشرة على الساحة اليمنية؛ إذ إن تسوية الأزمة مرهونة بشكل كبير بحدود التوافق المحتمل والصيغة المشتركة التي يمكن الوصول إليها بشأن الاتفاق النووي بين طهران وواشنطن، إذ إن رفع العقوبات على طهران قد يدفعها للضغط على الحوثيين للقبول بالجلوس على طاولة المفاوضات، والدخول في مسار التهدئة، وهو ما عبر عنه السيناتور الديمقراطي “كريس مورفي”، حيث اعتبر أن الاتفاق النووي الإيراني قد يكون عاملًا حاسمًا في تهدئة الأزمة اليمنية، معتبرًا أنه بدون الوصول لاتفاق قد يوظف الإيرانيون اليمن لتهديد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وهو ما يشير ضمنًا للعلاقة الترابطية بين الملفين، وعليه فإن حدوث انفراجة في مسار التسوية النهائية في اليمن قد يكون محكومًا بحدود التوافق بين واشنطن وطهران حول الصيغة النهائية للاتفاق المحتمل.

ثانيًا- بوادر التقارب السعودي الإيراني: دخلت الرياض وطهران مرحلة من التقارب الحذر من خلال عقد نحو أربع جولات من المباحثات المشتركة التي بدأت في العاصمة العراقية بغداد في إبريل الماضي، وتعكس المؤشرات وجود تقدم ملحوظ في تلك المباحثات، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الإيراني “حسين عبداللهيان” على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث أكد أن بلاده تجري محادثات بناءة مع السعودية، وقدمت اقتراحًا لإحلال السلام في اليمن، وعليه فمساعي بناء الثقة بين طهران والرياض قد تنعكس بشكل مباشر على الملف اليمني، إذ إن نجاح المباحثات –حال حدوثه- قد يساهم في عودة العلاقات الدبلوماسية، مما يؤثر بشكل مباشر على مستوى وطبيعة التفاهمات بين الطرفين على صعيد الأزمة اليمنية باعتبارهما القوى الإقليمية الأكثر انخراطًا في الأزمة عبر دعم إيران للحوثيين مقابل قيادة السعودية للتحالف العربي. ومن هنا يمكن أن تصبح تهدئة الأزمة اليمنية والتوصل لتسوية سياسية وتجميد النشاط العسكري جزءًا من الصفقة الكبرى، سواء ما يتعلق ببناء الثقة بين طهرن وواشنطن أو التفاهمات المحتملة بين الرياض وطهران.

ثالثًا- تصاعد الزخم الدبلوماسي: تشهد الفترات الماضية حراكًا دبلوماسيًا وجهودًا مكثفًة بهدف وضع حد للأزمة اليمنية، وقد برزت مؤشرات ذلك في موقف الإدارة الأمريكية المعلن، والرغبة في إنهاء الصراع. وعلى الرغم من إخفاق المقاربة الأمريكية أو على الأقل عدم القدرة على تحويل تلك الرغبات لممارسات فعلية على أرض الواقع؛ إلا أن عودة الاهتمام الأمريكي بهذا الصراع كفيلة بدفعه للأمام، خاصة أن إنهاء الصراع وإيجاد حل شامل ومستدام يأتي على سلم أولويات الولايات المتحدة الأمريكية، كما جاء على لسان وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن”، ويمكن أن تدخل الزيارة الأخيرة التي قام بها مستشار البيت الأبيض للأمن القومي “جايك سوليفان” للسعودية والإمارات نهاية سبتمبر الماضي ضمن هذا السياق.

من ناحية أخرى، تأتي مساعي مسقط ومحاولات تقريب وجهات النظر بين طرفي الأزمة ضمن التحركات الدبلوماسية التي تشهدها الأزمة، وقد شكّلت زيارة الوفد السلطاني للعاصمة اليمنية صنعاء في يونيو الماضي أبرز ملامح تلك الجهود، كونها أول زيارة رسمية لصنعاء منذ سيطرة الحوثيين عليها، كما أن مرافقة “محمد عبدالسلام” رئيس وفد صنعاء التفاوضي للوفد الُعماني تُعد دليلًا على حدود التوافق ولو ضمنيًا بين أطراف الأزمة، فمنذ عام 2016 لم يتمكن “عبدالسلام” من دخول اليمن بسبب سيطرة السعودية والتحالف على المجال الجوي، كما قد تسمح حالة الحياد العُمانية وموقفها غير المنحاز لأي طرف بلعب دور في تقريب وجهات النظر مستقبلًا.

رابعًا- التعويل على رؤية المبعوث الجديد: يُنظر لتعيين “هانز غروندبيرغ” مبعوثًا جديدًا للأمم المتحدة في اليمن، وخبرته في الملف التي تزيد على عشرة أعوام، كمحفز لدفع عملية السلام في المسار المأمول. فعلى الرغم من كونه رابع مبعوث أممي في اليمن منذ اندلاع الصراع؛ إلا أن هناك تعويلًا على قدرته في تحقيق انفراجة على خلاف سابقيه، خاصة أن “غروندبيرغ” عبر خلال الإحاطة الأولى له بمجلس الأمن في 10 سبتمبر الماضي، عن رؤية وفهم شامل لتعقيدات المشهد، كما أنه يتطلع لفرض مقاربة شاملة للحل لا تستبعد أحدًا ولا تقتصر فقط على الصراع الدائر بين الحوثيين والحكومة الشرعية في اليمن، بل تمتد لإشراك كافة الأطراف على الصعيدين الداخلي والخارجي.

 في الأخير، تدخل الأزمة اليمنية بتفاعلاتها الراهنة مرحلة أكثر ديناميكية، إذ تدور مُجمل التحركات بين مساعي التهدئة ومحاولات العسكرة، وتبقى كافة المقاربات مطروحة وبذات الفرص، إذ إن مؤشرات الحل وإحلال السلام تتزايد بالقدر ذاته الذي تتصاعد فيه جهود التمدد العسكري ومحاولات الحوثي توسيع نفوذه الميداني تجاه مناطق تمثل أهمية استراتيجية ومحورية.

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة