أكتوبريات السياسة والسلاح النووى

رئيس الهيئة الإستشارية

من الضروريات على جميع المصريين معرفة حجم التأثير الذى فعلته حرب أكتوبر المجيدة ليس فقط على قضية تحرير الأرض المحتلة، وإنما كيف غيرت من المعادلة العربية الإسرائيلية، والنظام الإقليمى والدولى أيضًا. الحرب جعلت للاحتلال ثمنًا لا تستطيع إسرائيل دفعه، خاصة أن الحرب لم تُظهر «التقصير» والعورات الاستراتيجية فقط، وإنما أعادت الفحص والدراسة لكل ما سبق من صمود مصر فى مواجهة هزيمة ظن الإسرائيليون أنها سوف تكون آخر الحروب. بدأ المصريون الحرب فورًا فى رأس العش وفى تدمير المدمرة إيلات، (لاتزال مسجلة بأنها أول عملية عسكرية بحرية تمت فيها مواجهة بين زورق ومدمرة، ليُغرق الأول الثانية بصاروخ بحرى)، ثم جاءت حرب…

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

من الضروريات على جميع المصريين معرفة حجم التأثير الذى فعلته حرب أكتوبر المجيدة ليس فقط على قضية تحرير الأرض المحتلة، وإنما كيف غيرت من المعادلة العربية الإسرائيلية، والنظام الإقليمى والدولى أيضًا. الحرب جعلت للاحتلال ثمنًا لا تستطيع إسرائيل دفعه، خاصة أن الحرب لم تُظهر «التقصير» والعورات الاستراتيجية فقط، وإنما أعادت الفحص والدراسة لكل ما سبق من صمود مصر فى مواجهة هزيمة ظن الإسرائيليون أنها سوف تكون آخر الحروب. بدأ المصريون الحرب فورًا فى رأس العش وفى تدمير المدمرة إيلات، (لاتزال مسجلة بأنها أول عملية عسكرية بحرية تمت فيها مواجهة بين زورق ومدمرة، ليُغرق الأول الثانية بصاروخ بحرى)، ثم جاءت حرب الاستنزاف. فى الذهنية الإسرائيلية لم يكن أى من ذلك علامة على رفض الهزيمة، ولا كان استعدادًا وتدريبًا يقود إلى حرب قادمة، وإنما كان محاولات للقيادة المصرية لصرف الأنظار عن واقع لا يستطيع فيه المصريون أو العرب التفوق على الإسرائيليين. كانت هذه الخريطة الذهنية التى أعطت لمصر المفاجأة الاستراتيجية، التى كشفت ليس فقط عن أكبر خدعة مخابراتية رأت فيها إسرائيل كل المشاهد، وجاءت إليها كل المعلومات، ولكنها فى النهاية لم تتخذ قرار التعبئة العامة فى اجتماع مجلس الوزراء المصغر إلا بعد الساعة التاسعة من صباح السادس من أكتوبر فى يوم الغفران، مع يقين كامل بأن الحرب سوف تنشب فى الساعة السادسة مساء.

توالت المفاجآت التكتيكية بعد ذلك، ولكن مفاجأة استراتيجية أخرى وقعت على إسرائيل والعالم عندما أعلنت الدول العربية المنتجة للنفط (أوابك) عن قيامها بتخفيض تدريجى لإنتاجها النفطى، ومقاطعة الولايات المتحدة وهولندا، وكلتاهما كانت مفرطة فى تأييد إسرائيل بالسلاح والسياسة. لم يكن سلاح المقاطعة الاقتصادية جديدًا على الصراع العربى الإسرائيلى، فقد جرى بعضه دون جدوى فى الحروب السابقة؛ ولكنه هذه المرة كان فاعلًا على أسواق الكون كله. كان الأمر جديدًا على الاقتصاد العالمى أن تكون الطاقة عقابًا وثوابًا يؤثر على قرارات الدول وتوجهاتها. لم يكن الحديث عن «سلاسل التوريد» واضطرابها شائعًا كما هو الآن؛ ومع زيادة طوابير الانتظار أمام محطات البترول، والضغوط السياسية المترتبة عليها، ارْتَجّت عواصم كثيرة ساد فيها الظن بإمكانية الوقوف غير المشروط إلى جانب إسرائيل، وبات عليها أن تعيد النظر بعد العلم بأن الاقتصاد العالمى لم يعد كما كان. بات العالم يتدافع من أجل وقف إطلاق النار.

الشخصية الدولية التى اجتذبت أضواء كثيرة أثناء الحرب وبعدها كانت وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر. الرجل كان مستوعبًا كثيرًا أن الحرب غيّرت أوضاعًا كثيرة؛ ولكنه كان يريد نهاية للحرب وقد أصبحت أطرافها على استعداد لتقبُّل منهجه الدبلوماسى. ولذا فعل كل شىء من أجل تأخير وقف إطلاق النار من خلال إجراءات سفره إلى موسكو؛ وهناك فإنه لم ينفذ تعليمات الرئيس نيكسون بخصوص وضع الأساس للتوصل إلى سلام شامل، وبدلًا من ذلك توصل فقط إلى وقف لإطلاق النار، وعندما ذهب به إلى القدس واحْتَجّت جولدا مائير لأنها لا تريد للحرب أن تنتهى إلى ما انتهت إليه، قال لها إن وقف إطلاق النار فى حرب فيتنام لم يحدث فى التو والساعة، وإنما استغرق بعض الوقت. لم تكن الإشارة تحتاج إلى لبيب لكى يفهمها، فاستمرت إسرائيل فى اختراق وقف إطلاق النار؛ وهنا قدم الرئيس السادات مفاجأته بطلب تدخل الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة لتثبيت وقف إطلاق النار. استجابت موسكو للطلب، ورفضت واشنطن، ولكن الأولى وضعت قوات لها فى وضع الاستعداد، وأرسلت سفنًا فى اتجاه بورسعيد تحمل أسلحة إما كانت نووية أو فيها مواد مشعة تكفى لكى تقرأها أدوات التجسس عند المرور من مضيقى البوسفور والدردنيل فى تركيا لكى تقرر الولايات المتحدة رفع درجة استعدادها النووى إلى أعلى درجة لها منذ أزمة الصواريخ الكوبية DefCon3. لم تكن هذه هى المرة الأولى التى يظهر فيها السلاح النووى فى ساحة صراع الشرق الأوسط، فقد سبق للرئيس خروتشوف أن هدد بضرب لندن بالأسلحة النووية أثناء العدوان الثلاثى على مصر؛ وأثناء حرب يونيو تأهبت قطع بحرية روسية وأمريكية نووية فى البحر المتوسط، ولكنها هذه المرة جعلت العالم يقف على قدميه منتظرًا إما وقف إطلاق النار وبدء عملية سلام، أو يكون هناك فناء لكوكب الأرض. لم يكن هناك بد من قبول الخيار الأول، وبدأت عجلة البحث عن السلام فى الدوران.

نقلا عن جريده المصري اليوم الأحد 24/10/2021

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

البعث