وحدة الدراسات الاقتصادية

تعزيز الأمن المائي المصري.. تحلية مياه البحر نموذجًا

تُولِي الدولة المصرية اهتمامًا كبيرًا بتعظيم الاستفادة من الموارد المائية المتاحة وترشيد الاستهلاك من المياه لحماية الأمن المائي للدولة، خاصة في ظل تزايد استخدام المياه لأغراض الشرب والزراعة مع تزايد عدد السكان. وتتضمن خطة الدولة في هذا الشأن إنشاء محطات تحلية مياه البحر، ومحطات المياه الجوفية، وإعادة استخدام المياه المُعالَجة من خلال التوسع في إنشاء محطات معالجة الصرف الصحي، ورفع كفاءة بعض محطات المعالجة وتحويلها إلى معالجة ثلاثية بمحافظات الصعيد، وتقليل الفاقد في مياه الشرب بجميع المجالات.  ومع تعدد البدائل المتاحة لتوفير المياه، يتناول المقال دراسة البديل الخاص بتحلية مياه البحر، وتقييم مدى كفاءته في تحقيق الهدف المنشود، مع استعراض…

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تُولِي الدولة المصرية اهتمامًا كبيرًا بتعظيم الاستفادة من الموارد المائية المتاحة وترشيد الاستهلاك من المياه لحماية الأمن المائي للدولة، خاصة في ظل تزايد استخدام المياه لأغراض الشرب والزراعة مع تزايد عدد السكان. وتتضمن خطة الدولة في هذا الشأن إنشاء محطات تحلية مياه البحر، ومحطات المياه الجوفية، وإعادة استخدام المياه المُعالَجة من خلال التوسع في إنشاء محطات معالجة الصرف الصحي، ورفع كفاءة بعض محطات المعالجة وتحويلها إلى معالجة ثلاثية بمحافظات الصعيد، وتقليل الفاقد في مياه الشرب بجميع المجالات. 

ومع تعدد البدائل المتاحة لتوفير المياه، يتناول المقال دراسة البديل الخاص بتحلية مياه البحر، وتقييم مدى كفاءته في تحقيق الهدف المنشود، مع استعراض لجهود الدولة في هذا المجال.

موارد مصر المائية

تتعدد مصادر المياه في مصر وتتنوع بين المصادر التقليدية (المتمثلة في نهر النيل، والمياه الجوفية العميقة، والأمطار والسيول، وتحلية مياه البحر)، والمصادر غير التقليدية (وهي: المياه الجوفية الضحلة، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي). وعلى الرغم من تعدد مصادر المياه؛ إلا أن هناك عدة ملاحظات يتمثل أولها في الثبات النسبي لحصص موارد المياه المختلفة، كما يلاحظ أن نهر النيل يحتل النصيب الأكبر من بين الموارد المائية المتعددة؛ إذ يوفر نحو 95% من احتياجات مصر من المياه. وعلى الرغم من أهمية مياه نهر النيل كمورد رئيسي للمياه؛ إلا أنه يلاحظ أن إيراده من المياه العذبة يعد ضئيلًا مقارنة بالأنهار الرئيسية الأخرى في العالم، فلا يتجاوز نسبة 2% من حجم تدفق مياه نهر الأمازون في أمريكا الجنوبية، و15% من نهر المسيسبي في الولايات المتحدة، ويحتل المرتبة 99 في معدل إيراد المياه مقارنة بنحو 151 نهرًا رئيسيًا في العالم. وتبلغ حصة مصر من مياه النهر 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، وهي حصة ثابتة على الرغم من ارتفاع عدد السكان بصورة كبيرة؛ فوفقًا لأحدث إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فقد وصل عدد السكان في مصر إلى 102 مليون و526 ألفًا، ومن المتوقع أن يبلغ عدد السكان نحو 123 مليون عام 2032.

وعلى صعيد الاستخدامات، تحتل الزراعة النصيب الأكبر من استخدامات الموارد المائية، خاصة في ظل الزيادة السكانية والتوسع الزراعي لتلبية احتياجات المواطنين من الغذاء. وتبلغ استخدامات الزراعة نحو 61.63 مليار متر مكعب عام 2019/2020، وبذلك فإن استخدامات الزراعة وحدها تتجاوز حصة مصر من مياه النيل بما يتجاوز 6 مليارات متر مكعب سنويًا، وبذلك يتبين ضرورة تعزيز موارد مصر المائية من المصادر الأخرى بخلاف نهر النيل لتغطية الاحتياجات المتزايدة من المياه، خاصة في ظل استمرار قضايا النزاعات على المياه في الإقليم الإفريقي.

خطة الدولة لتعزيز الموارد المائية

احتلت قضية المياه أهمية خاصة في خطة الدولة في مجال الاستثمار في البنية التحتية، حيث وضعت الدولة خطة قومية لتنمية الموارد المائية (2017-2037)، وبتكلفة نحو 900 مليار جنيه، بهدف حماية الموارد المائية المتاحة والحد من استهلاك المياه الزراعية والصناعية والمنزلية إلى 80٪ من الاستهلاك الحالي، كما تلخص الخطة إجراءات واضحة للتعامل مع التحديات الحالية والمستقبلية في قطاع المياه من خلال تنفيذ برامج لتحلية المياه في المناطق الساحلية، واستخدام أساليب الري الحديث، وإعادة استخدام المياه، وحصاد المياه في مناطق أخرى غير وادي النيل. وتتضمن خطة الدولة عدة محاور تتمثل في: مشروعات محطات الخلط، ومعالجة مياه الصرف الصحي، ومحطات تحلية مياه البحر، ومشروع الري الحديث للأراضي، ومشروع تأهيل وتطوير وتبطين الترع والمساقي. وتعتمد كفاءة الاستثمار في تلك المشروعات على عدة معايير تتمثل في: التكلفة الاستثمارية، والتكلفة الجارية (للوحدة المائية)، والأثر البيئي، والأثر على الإنتاجية الزراعية، ومجال الاستخدام، ونوع الطاقة المستخدمة، ومدى صعوبة أو سهولة الصيانة. 

جهود الدولة المصرية في تحلية مياه البحر

تتضمن استراتيجية الدولة المصرية لتعزيز الأمن المائي تنفيذ 90 محطة تحلية لمياه البحر في مصر، بإجمالي طاقة إنتاجية تقدر بنحو 1.3 مليون متر مكعب، ويبلغ تكلفة إنشائها نحو 12 مليار جنيه. وقد تم الانتهاء بالفعل من 76 محطة بطاقة 850 ألف متر مكعب في محافظات شمال سيناء، وجنوب سيناء، والبحر الأحمر، ومرسى مطروح، والإسماعيلية والسويس، ومن المقرر استكمال إنشاء 14 محطة أخرى في محافظات مرسى مطروح، والبحر الأحمر، وشمال سيناء، وجنوب سيناء، وبورسعيد، والدقهلية، والسويس، والإسكندرية، وتستهدف الدولة الوصول إلى 6.4 ملايين متر مكعب في اليوم عام 2025.

ومن الجدير بالملاحظة ارتفاع تكلفة تحلية مياه البحر؛ إذ تصل إلى 15 ألف جنيه للمتر المكعب في بعض الأحيان. وعلى الرغم من ارتفاع التكلفة التي تتحملها الدولة لتحلية المياه، إلا أن التكلفة التي يتحملها المستهلك يتم تحديدها في شكل شرائح وفقًا لمجموعة عوامل من بينها: إمكانية الدفع، والترشيد والاستهلاك، وتكلفة أداء الخدمة.

وتتعدد المنافع المترتبة على إنشاء محطات تحلية المياه. فمن جهة يمكن من خلال إنشاء تلك المحطات بالمحافظات الحدودية والمدن الساحلية استغلال مياه البحر الوفيرة، وتوفير المياه بتلك المناطق دون الحاجة لنقل مياه نهر النيل لهذه المحافظات، سواء من خلال سيارات نقل المياه أو تنفيذ شبكات المياه التي تتعرض للعديد من المخاطر نتيجة طول الخطوط، وزيادة الضغط وإهدار المياه. ولهذه المحطات أهمية أخرى، إذ تعد ضمن مشروع تنمية محور قناة السويس، حيث تقع إحدى المحطات المخطط إنشاؤها في شرق بورسعيد ومحطة أخرى بالجلالة، فضلًا عن محطة بالعين السخنة التي تعد أكبر محطة تحلية مياه في العالم، حيث من المخطط أن تعمل على تنقية 164 ألف متر مكعب يوميًا لصالح المنطقة الاستثمارية والمنطقة الصناعية بشمال غرب خليج السويس. ومن جهة أخرى، فإن تركز تلك المحطات بالمحافظات الساحلية يؤدي إلى توفير المياه للقرى السياحية بما يوفر ميزة إضافية للمشروعات السياحية، خاصة بشمال وجنوب سيناء، حيث ترتفع تكلفة حفر الآبار. أما عن الاستخدامات في مجال الزراعة، فمع ارتفاع تكلفة تحلية مياه البحر لا يتم استخدام المياه المحلاة في الزراعة، إلا أنه يمكن استخدامها في الصوب الزراعية نظرًا لعدم استخدام المياه بكميات كبيرة للري في الصوب الزراعية. ومع توجه الدولة نحو التوسع العمراني وإنشاء مدن عمرانية جديدة، فمن المخطط أن يتم إنشاء محطات لتحلية المياه بالمدن العمرانية الجديدة لتلبية احتياجات تلك المناطق، ومن أمثلة ذلك محطة تحلية المياه بمدينة العلمين الجديدة بمرسى مطروح ومحطة الجلالة بمحافظة السويس.

ومن جهة أخرى، يُلاحظ ارتفاع تكلفة تحلية المياه نتيجة استيراد معظم مكوناتها مقارنة بالمشروعات الأخرى ضمن خطة الدولة لتعزيز الموارد المائية، وبصفة خاصة مشروعات معالجة مياه الصرف الصحي والصناعي. ولكن بالنظر بصورة أعم للسياسة المائية في مصر يمكن توجيه مياه الصرف المعالجة لأغراض الزراعة، وتوفير حصة الزراعة لأغراض الشرب، بالإضافة إلى تركز محطات التحلية الأعلى تكلفة نسبية للمدن الحدودية والساحلية لتوفير نفقات ومخاطر توصيل ونقل مياه النيل لتلك المحافظات، بالإضافة إلى توجيه جزء من الاستثمارات لمشروعات معالجة المياه الجوفية. ومن جهة أخرى، يمكن تشجيع تصنيع مكونات محلية لمشروعات التحلية بما يسهم في خفض تكلفتها على المدى البعيد، وبذلك يتم زيادة الموارد المائية وتخصيص كل مورد لاستخدام محدد، بما يسهم في تخفيض التكلفة الاجمالية وتقليل الفاقد والهدر، فضلًا عن تعزيز الصناعة المحلية وتقليل الواردات.

وختامًا، يتبين تزايد استخدامات المياه في مصر عن الموارد التقليدية المتاحة، خاصة مع زيادة العمران والنمو السكاني، وتركز الاعتماد على مياه نهر النيل بشكل رئيسي، وثبات نصيب مصر من مياه نهر النيل. لذلك، فقد تعددت جهود الدولة المصرية لتوفير الاحتياجات المائية وحماية الأمن المائي، فبجانب المساعي الخاصة بالحفاظ على حصة مصر من مياه النيل، اتجهت الدولة إلى تحلية مياه البحر، وترشيد استخدام مياه نهر النيل والحفاظ عليها من الهدر، بما يؤدي إلى زيادة موارد المياه وتأمين الاحتياجات المائية للدولة. وعلى الرغم من ارتفاع تكلفة إنشاء محطات تحلية المياه، إلا أن أهمية تلك المحطات تفوق تكلفتها وذلك بالنظر إلى ما توفره من مياه تُستخدم لأغراض الشرب والزراعة بالصوب الزراعية، وتوفير احتياجات القرى السياحية، فضلًا عن إمداد المياه للمجتمعات العمرانية الجديدة والمدن الحدودية والساحلية بما يجنب الدولة مخاطر توصيل المياه لتلك المناطق ويُعرضها للهدر والفقد.

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة