وحدة الدراسات الأفريقية

تضارب المصالح: أزمة شركاء الحكم الانتقالي في السودان

قلما تقود اتفاقات تقاسم السلطة في الحالة الإفريقية، إلى ممارسة سياسية تؤدي لاستقرار الحكم؛ نظرًا لتباين الرؤى بين شركاء الحكم الرئيسيين. وصيغة تقاسم السلطة، هي صيغة لتقاسم السلطة السياسية بين المدنيين والعسكريين، على نحوٍ يحتوي الطموحات السياسية لكافة الأطراف، ومنذ بدء المرحلة الانتقالية السودانية، أعقاب سقوط البشير، والخلاف بين شركاء الحكم الانتقالي متصدر المشهد؛ بما جعل الوصول إلى اتفاق تقاسم السلطة والثروة، الممثل في الوثيقة الدستورية ( أغسطس 2019)، أمرًا عسيرا. وعلى الرغم من ملامح الاستقرار النسبي التي غلفت المشهد، في أعقاب توقيع الوثيقة الدستورية، إلا أن التباينات ظلت ضاربة بجذورها في عمق الممارسات السياسية لشركاء الحكم، على نحوٍ ظاهر،…

شيماء البكش
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

قلما تقود اتفاقات تقاسم السلطة في الحالة الإفريقية، إلى ممارسة سياسية تؤدي لاستقرار الحكم؛ نظرًا لتباين الرؤى بين شركاء الحكم الرئيسيين. وصيغة تقاسم السلطة، هي صيغة لتقاسم السلطة السياسية بين المدنيين والعسكريين، على نحوٍ يحتوي الطموحات السياسية لكافة الأطراف، ومنذ بدء المرحلة الانتقالية السودانية، أعقاب سقوط البشير، والخلاف بين شركاء الحكم الانتقالي متصدر المشهد؛ بما جعل الوصول إلى اتفاق تقاسم السلطة والثروة، الممثل في الوثيقة الدستورية ( أغسطس 2019)، أمرًا عسيرا. وعلى الرغم من ملامح الاستقرار النسبي التي غلفت المشهد، في أعقاب توقيع الوثيقة الدستورية، إلا أن التباينات ظلت ضاربة بجذورها في عمق الممارسات السياسية لشركاء الحكم، على نحوٍ ظاهر، خاصة بعدما طفت الخلافات إلى السطح، عقب توقيع اتفاق سلام جوبا (أكتوبر 2020). 

فمنذ توقيع اتفاق السلام استنادًا إلى ما نصّت عليه الوثيقة الدستورية، وكافة القضايا الخلافية، عادت مجددًا للظهور، وأصبحت محلًا للجدل والتصعيد المتبادل بين شركاء الحكم الانتقالي؛ سواء تعّلق الخلاف بهياكل الحكم، أم بالممارسات السياسية. وهو الأمر الذي يرجعه البعض، إلى غياب الثقافة السياسية والهياكل المؤسسية والدستورية، التي تحكم قواعد الحكم في السودان، التي تعد امتدادًا لعهد البشير، وهو الأمر الذي يجعل من الوصول إلى صيغ ومؤسسات حديثة للحكم، وكذلك إرساء ثقافة سياسية جديدة، هو أمر بالغ التعقيد، وبحاجة لمزيد من إجراءات بناء الثقة بين كافة الشركاء. 

رؤى متباينة

منذ توقيع اتفاق السلام، والرؤى التي تحكم العملية السياسية السودانية، تتسم بقدر كبير من التباين بين كافة الأطراف. ينصرف هذا التباين إلى الأمور المتعلقة باستكمال هياكل الحكم الانتقالي، التي نصت عليها الوثيقة الدستورية. فعلى الرغم من سرعة تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة ” عبد الله حمدوك “، شهدت بقية هياكل الحكم، خاصة المجلس التشريعي، الذي شهد تأسيسه غيابًا للتوافق بين الأطراف. 

فرغم إقرار الوثيقة الدستورية بتشكيل المجلس خلال تسعين يومًا من توقيع الوثيقة، إلا أن الجبهة الثورية تحفّظت على تشكيل المجلس قبل توقيع اتفاق السلام، بما يضمن حصتها من المقاعد. وهو الأمر الذي تكرّر مع تعيين ولاة الولايات، التي شهدت حالة من الجدل والتأخير، لتباينات تتعلق بحصص الأطراف ورؤيتها لطبيعة التشكيل. 

وانصرف الأمر كذلك على تشكيل المفوضيات القومية، مثل مفوضية الانتخابات، وكذلك المؤسسات والقضائية؛ وقد أدى هذا الفراغ المؤسسي إلى فقدان العديد من الممارسات لمشروعيتها ومرجعيتها القانونية.  وكان ملف السياسة الخارجية من بين ملفات عديدة، شهدت تباينًا واضحًا في المواقف بين كافة المكونات. ولعل في مسألة التطبيع مع إسرائيل مثالًا واضحًا على حالة التباين تلك؛ مع إقبال بعض الأطراف على الأمر رغبة في مقايضة الولايات المتحدة للخروج من قوائم الإرهاب، وتحفظ البعض على الأمر من الأساس، وتعلل البعض الآخر بغياب المجلس التشريعي، الذي يمكنه البت في أمر الكثير من الاتفاقات والمسائل الداخلية والخارجية.

وينصرف هذا التباين على كافة القضايا، بما في ذلك مسألة تسليم البشير للجنائية الدولية، والخلاف كذلك على إدارة الملف الاقتصادي، الذي أصبح مثارًا لتبادل الاتهامات بين المكون العسكري والمدني، في كافة المناسبات التي تتصاعد فيها الخلافات للسطح. ولا يغيب عن هذا التباين، الموقف من لجنة إزالة التمكين، التي تصاعدت مؤخرًا، مع تمسك جانب من قوى الحرية والتغيير” قحت” بعمل اللجنة في مكافحة الفساد والمتورطين في تهم فساد محسوبين على النظام السابق. 

وتسبب الخلاف على عمل لجنة إزالة التمكين، في تصاعد التوتر مؤخرًا ليس فقط بين المكونين العسكري والمدني، بل انقسمت ” قحت” نفسها، لمجموعة رافضة لمواقف ” حمدوك” والجانب الآخر من الحرية والتغيير، الذين رأوا أن مواقفهم ستقود البلاد إلى مستقبل غامض، وتعمل على إقصاء العديد من الأطراف.

ويضاف بند الترتيبات الأمنية وملف السلام إلى الملفات محل الجدل وتبادل الاتهامات بين كافة الأطراف، فرغم مرور عام على توقيع اتفاق جوبا للسلام، إلا أن عملية الشروع في تنفيذ بنود ملف السلام، بما في ذلك عملية دمج الميليشيات لا تزال متعثرة. وبينما تتهم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بالتقاعس عن عملية إعادة هيكلة أجهزة الأمن، يرجع الجانب العسكري التأخير إلى أمور تتعلق بالتمويل وعدم تشكيل الحكومة للآليات الفنية والهياكل المسؤولة عن تلك العملية.

خلافات متصاعدة

ظلت الخلافات قائمة ومتصاعدة بين الطرفين، دون وجود عوامل كابحة لها، رغم الهدوء النسبي التي شهدته البلاد بعد توقيع اتفاق السلام؛ ووفقًا له تشكلت حكومة حمدوك الثانية (فبراير 2021)، وانضم أعضاء من الحركات المسلحة إلى المجلس السيادي ومجلس الوزراء، وسادت التوقعات بشأن عملية تشكيل المجلس التشريعي وتعيين الولاة؛ إلا أنها استمرت قضية جدلية على مدار العام الجاري. 

وتصاعد الخلاف بين شركاء الحكم الانتقالي داخل المكون المدني وكذلك بين المدنيين والعسكريين، إلى أن تحول الشركاء إلى فرقاء، على نحوٍ دفع حمدوك في يونيو الماضي، للإعلان عن مبادرة أطلق عليها ” الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال – الطريق إلى الأمام”، استهدفت تلك المبادرة وفقًا لما أعلن عنه حمدوك، تحصين المسار الانتقالي، وتوحيد أصحاب المصلحة في قوى الثورة والتغيير للوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة. وتضمنت بنود المبادرة إصلاح القطاع الأمني والعسكري وقضايا العدالة والسلام والاقتصاد وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو ومحاربة الفساد، بالإضافة إلى توحيد المواقف إزاء السياسة الخارجية والسيادة الوطنية والمجلس التشريعي الانتقالي. 

وأشار ” حمدوك” إلى المبادرة باعتبارها آلية للتوافق حول القضايا الخلافية، بما فيها تكوين جيش مهني موحد، والاتفاق على آلية موحدة للسياسة الخارجية، وإنهاء حالة التضارب التي تشهدها البلاد وتعدد مراكز القوى في اتخاذ القرار، وكذلك المضيّ قدمًا في برامج الثورة دون تصالح مع النظام البائد. 

وتبع تلك المبادرة، مبادرة أخرى تقودها جماعات وأحزاب داخل قوى الحرية والتغيير، وفي مقدمتهم، حركتا العدل والمساواة وحركة تحرير السودان. ففي التاسع من سبتمبر الماضي، أطلقت مبادرة ” ميثاق التوافق الوطني لوحدة قوى الحرية والتغيير”، استهدفت تلك المبادرة الإعلان عن جسم جديد لقوى الحرية والتغيير، سميت بمجموعة الميثاق الوطني، أو الحرية والتغيير (ب). واستهدف المنضمين لتلك المبادرة توسيع المشاركة في العملية الانتقالية وكذلك حلّ لجنة إزالة التمكين، ووصلت بهم المطالب إلى حلّ حكومة حمدوك وتشكيل حكومة انتقالية جديدة.

ووسط تلك الانقسامات، مثّلت محاولة الانقلاب الفاشلة في 21 سبتمبر الماضي، مؤشرًا حرجًا للدفع بكافة الطرق للوصول إلى حلّ توافقي للخروج من الأزمة السياسية، التي تزامنت مع أزمة مسار الشرق، وما تسببت فيه من ضغط على حكومة حمدوك، نظرًا للتداعيات الاقتصادية لحالة الإغلاق التي أقبلت عليها عناصر البجا في الشرق منذ بدء الاحتجاجات في 17 سبتمبر الماضي. 

ورغم تلك الأزمات، تمّسك حمدوك بعدم حلّ حكومته للبحث عن مخرج للأزمة التي اعترضت طريقه، بما أعاد البلاد مرة أخرى للاعتصامات، التي سميت باعتصامات أكتوبر. إذ خرجت مجموعة الميثاق الوطني ” الحرية والتغيير ” إلى الشارع في 16 أكتوبر الجاري، مطالبة مجلس السيادة بحلّ حكومة حمدوك، مؤكدين عدم الرضوخ لرؤية أقلية بقوى الحرية والتغيير. وردًا عليها، خرج موكب 21 أكتوبر، وهم المجموعة الأخرى في قوى الحرية والتغيير الداعمة لموقف حمدوك، والتي أطلقت شعار “مواكب الردع”، رفضًا للرضوخ لسيطرة العسكريين على المشهد.

العودة للمربع الأول

وفي وسط تلك الانقسامات الصارخة، وفشل جهود وساطة المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي “جيفري فيلتمان”، للتوفيق بين حمدوك ورئيس المجلس السيادي ” عبد الفتاح البرهان”، بعد الإعلان صباح يوم 25 أكتوبر عن التحفظ على رئيس الوزراء ومجموعة من الوزراء إلى جانب بعض عناصر المكون المدني في المجلس السيادي، يبدو أن المسار السياسي يعود للخلف. 

ذلك بعد أن أعلن رئيس مجلس السيادة ” البرهان” عن حلّ مجلسي السيادة والوزراء وإعلان حالة الطوارئ، مع إلغاء العمل ببعض بنود الوثيقة الدستورية، مع الإبقاء على العمل بالوثيقة الدستورية، وتأكيد الرغبة على مشاركة المدنيين في السير بالبلاد إلى انتخابات ديمقراطية العام المقبل.

وأعلن البرهان عن تشكيل حكومة كفاءات مستقلة، لا تنتمي لحزب أو تيار، نظرًا للانشغال بالمحاصصة على حساب أحوال المواطنين، ومن بين المواد التي أعلن “البرهان” تعليقها بالوثيقة الدستورية، تلك المتعلقة بتشكيل المجلس السيادي ومجلس الوزراء وكذلك المجلس التشريعي، الذي مثّل أحد بنود الخلاف على مدار العامين الماضيين.

وبذلك، رغم غموض مستقبل المسار السياسي بالبلاد، وما يمكن أن يتوافق عليه أطراف العملية السياسية، وكذلك الموقف الدولي مما يحدث الآن؛ يمكن فقط توصيف ما وصلت إليه البلاد الآن، أنه إن لم يكن ارتدادًا للخلف، فإنه ” تصفير للعداد”، بعد أن حدّدت الوثيقة الدستورية الفترة الانتقالية 39 شهرًا، بدءًا من توقيع الوثيقة، والتي تمّ الاتفاق على احتسابها من جديد في أعقاب توقيع اتفاق السلام، واحتساب 32 شهرًا، بدءًا من أكتوبر 2020، ومع اقتراب تسليم رئاسة السيادي للمدنيين، فإن الأمور عادت للمربع الأول من جديد، مع الاحتفاظ ببعض الترتيبات، التي إن تمسك بها الشركاء، يمكن إعادة ترتيب البيت من جديد، لإيصال البلاد إلى انتخابات ديمقراطية بشكل توافقي، وإلا بات السودان عرضة لمخاطر الحرب والعزلة الدولية مرة أخرى. 

شيماء البكش
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية