تنمية ومجتمع

فجوة قائمة: واقع التعليم العام والفني في مصر

يلعب التعليم الفني دوراً هاماً في دعم جهود التنمية، فخطط التطوير والتنمية لا يمكن أن تحقق أهدافها دون توافر الكوادر المؤهلة علمياً وفنياً في كافة التخصصات، اجتماعيا ورسميا، يجري التعامل مع التعليم الفني كمسار بديل للثانوية العامة، حيث تتم المفاضلة على أساس درجات التحصيل في الشهادة الاعدادية، ودائماً ما يحظى الثانوي العام بالدرجات الأعلى للقبول والالتحاق، وإن كان هناك تفاوت كبير من محافظة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى داخل المحافظة الواحدة، بل ومن مدرسة إلى أخرى بحسب الجنس، وهو ما يعكس التفاوتات الاجتماعية بين المحافظات المختلفة.  في محافظات القاهرة الكبرى، والمحافظات الساحلية، ومحافظات الدلتا يعد التنسيق لمرحلة ما بعد…

د. إسراء علي
باحثة ببرنامج السياسات العامة

يلعب التعليم الفني دوراً هاماً في دعم جهود التنمية، فخطط التطوير والتنمية لا يمكن أن تحقق أهدافها دون توافر الكوادر المؤهلة علمياً وفنياً في كافة التخصصات، اجتماعيا ورسميا، يجري التعامل مع التعليم الفني كمسار بديل للثانوية العامة، حيث تتم المفاضلة على أساس درجات التحصيل في الشهادة الاعدادية، ودائماً ما يحظى الثانوي العام بالدرجات الأعلى للقبول والالتحاق، وإن كان هناك تفاوت كبير من محافظة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى داخل المحافظة الواحدة، بل ومن مدرسة إلى أخرى بحسب الجنس، وهو ما يعكس التفاوتات الاجتماعية بين المحافظات المختلفة. 

في محافظات القاهرة الكبرى، والمحافظات الساحلية، ومحافظات الدلتا يعد التنسيق لمرحلة ما بعد الإعدادية أكثر تداخلاً وتعقيداً وربما يعزى ذلك لتنوع وتعدد المدارس الفنية، علاوة على ارتفاع عدد المدارس الثانوية الفنية الخاصة. فالحد الأدنى للالتحاق بالتعليم الثانوي للعام الحالي في محافظة الاسكندرية بلغ 235 درجة، و170 درجة للتعليم الصناعي من المجموع الكلي وقدره 280 درجة. أما في محافظة الجيزة فقد تفوق التنسيق لبعض المدارس الصناعية والفندقية على التنسيق للثانوي العام بواقع 235 للصناعي، و218 للثانوي العام، بينما تراوحت ما بين 165 إلى 195 للتعليم الفني الزراعي.

تميل معدلات القبول لصالح التعليم الثانوي العام في معظم محافظات الصعيد، وإن تراجع هناك الفارق بين معدلات القبول في النظامين العام والفني. فالحد الأدنى للقبول في الثانوي العام بالأقصر بلغ هذا العام 242 درجة، بينما تراوح الحد الأدنى للقبول في التعليم الفني الزراعي بين 175 درجة و 140 درجة، وتراوح الحد الأدنى ما بين 220 إلى 160 للتعليم الصناعي حسب كل مدرسة، وحسب الجنس داخل المدرسة الواحدة اذا ما كانت المدرسة مشتركة، تارة لصالح الإناث وأخرى لصالح الذكور. ففي مدرسة العديسات الصناعية المشتركة بلغ الحد الأدنى لقبول البنين160 درجة، بينما بلغ 190 درجة للبنات. هذا التفاوت في مؤشرات التنسيق، يرجع إلى أسباب مختلفة منها نسب النجاح في المرحلة الإعدادية، وعدد الفصول المخصصة لكل نوع، ونسب الكثافة لكل فصل، علاوة على التفضيلات الاجتماعية والثقافات المحلية.

فجوة لصالح الثانوي العام

عدد المدارس المخصصة للتعليم الثانوي العام والتعليم الفني هو من أهم مظاهر التمييز الغير منصف لصالح الثانوي العامة. فالبرغم من ارتفاع نسبة الطلاب ضمن القطاع الفني والتي تبلغ حوالي 55% من إجمالي الطلاب وفق كتاب الإحصاء السنوي 2021 الصادر عن وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، إلا أن عدد مدارس التعليم الفني بمختلف تخصصاته يبلغ نحو 2300 مدرسة فقط، أي ما يقرب من نصف عدد المدارس المخصصة للتعليم الثانوي العام، مما يعكس الحاجة إلى مدارس وفصول جديدة تلبي احتياجات القطاع الفني بشكل عام ولكل تخصص على حدة داخله، مع مراعاة التوزيع العادل بين الريف والحضر بشكل خاص. 

شكل (1): مقارنة بين أعداد المدارس الثانوية الفنية والعامة عام 2020 

ChartDescription automatically generated

شكل (2): مقارنة بين متوسط كثافة الفصول في الثانوية الفنية والعامة عام 2020

Chart, bar chartDescription automatically generated

شكل (3): مقارنة تطور أعداد المدارس الثانوية الفنية والعامة في الفترة من 2018-2021

A screenshot of a computerDescription automatically generated with low confidence

وعلى صعيد المدرسين توجد فجوة بين  التعليم الثانوي الفني والعام، سواء في العجز الكلي أو التخصصي لأعداد المدرسين. فالتعليم الثانوي الفني، على عكس التعليم العام، يحتاج إلى نوعين من المعلمين: الأول يختص بتدريس المواد والمناهج الدراسية العلمية، ويتم إعداد هذه الفئة من خلال نظامين للتدريب ما قبل الخدمة أحدهما تكاملي والأخر تتابعي، أما عن النظام التكاملي فيتضمن إعداد المعلمين في بعض الشعب المتخصصة داخل كليات التربية والهندسة بالمرحلة الجامعية، أما النظام التتابعي فيتضمن اتاحة برامج دراسات عليا (دبلومات مهنية متخصصة) بكليات التربية بعد انهاء المرحلة الجامعية. النوع الثاني من المعلمين هم معلمين المواد والمناهج الفنية العملية، أو ما يعرف بمعلمي الورش. يتم إعداد هذه الفئة من خلال دبلوم للدراسات التكميلية لمدة عامين لخريجي التعليم الثانوي الفني ذو الثلاث سنوات، أما خريجي التعليم الثانوي الفني ذو الخمس سنوات فيتم تعينهم مباشرة كمعلمي ورش بالمدارس الفنية حسب الحاجة، بالرغم من عدم وجود تدريب وخبرة مهنية وتربوية. الامر الذي يفرض إعادة النظر في برامج وآليات إعداد معلمي الورش قبل الخدمة.

ويوضح الشكل (4) أعداد المعلمين حسب تصنيفهم على أساس المؤهل الدراسي، ويتبين انخفاض نسبة المعلمين الحاصلين على مؤهل عالي تربوي، حيث تبلغ نسبتهم بالتعليم الثانوي العام نحو 8%، بينما تبلغ نسبتهم في التعليم الثانوي الصناعي نحو 4% ، وتنخفض نسبتهم إلى حوالي 2.5% في الثانوي التجاري، وإلى 0.75% في الثانوي الزراعي، وتصل إلى أقل معدلاتها في الثانوي الفندقي حيث تبلغ نسبتهم نحو 0.17% فقط من إجمالي عدد المعلمين في المرحلة الثانوية.

أما عن التدريب أثناء الخدمة فتتولى الاكاديمية المهنية للمعلمين هذه المهمة، لكنها تحتاج إلى مزيد من التقييم والتطوير، وخاصة الإطار العام للسياسات التدريبية للمعلمين في كافة القطاعات ومنها التعليم الفني. فمعظم برامج التدريب بالاكاديمية المهنية للمعلمين تستهدف إما برامج التدريب التحويلي والتي تختص باعداد معلمين لاكثر من تخصص، أو البرامج التدريبية التجديدية والتي ترمي إلى تمكين المعلمين من ملاحقة التطورات الفكرية كالتكنولوجيا وقضايا العولمة والمصادر التعليمية الحديثة وغيرها، والمطلوب هي التركيز على التدريب التخصصي، الذي يلبي متطلبات سوق العمل ويدعم مهارات التنمية المهنية المستمرة. 

شكل (4): تصنيف أعداد المعلمين حسب المؤهل

A picture containing graphical user interfaceDescription automatically generated

ولطالما حظيت الثانوية العامة بالنصيب الأكبر من الاهتمام الإعلامي ولا سيما عند بداية تفعيل التعليم عن بعد من خلال البث التلفيزيوني أثناء الجائحة، حيث استحوذت الثانوية العامة على جُل القنوات التعليمية وساعات البث، وعدد المواقع التعليمية الالكترونية، بينما تم بث قناة تعليمية وحيدة للتعليم الفني لأول مرة العام الماضي فقط بواقع اربعة ساعات بث يومياً. 

ختاماً فإن هذه الفجوات تساهم في تأصيل النظرة المجتمعية الدونية نحو التعليم المهني والفني، مما يمثل تحدياً يتطلب التقييم والتقويم عند تطبيق خطة اصلاح التعليم الفني، فالتغيير الثقافي يتطلب وقتاً طويلاً ليؤتي ثماره، لكن تعديل السياسات، مع إطلاق حملة إعلامية توعوية تستهدف معالجة المفاهيم السلبية عن التعليم الفني والمهني، وتقدم نماذج لقصص نجاح خريجي التعليم الفني، قد تسرع من تحقيق النتائج.

د. إسراء علي
باحثة ببرنامج السياسات العامة