وحدة الدراسات الاقتصادية

التحويلات المالية للعاملين بالخارج.. قراءة في الاتجاهات والعائدات

شهد حجم التحويلات إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل ارتفاعًا كبيرًا لتصل إلى 589 مليار دولار في عام 2021 وترتفع بنسبة 7.3% مقارنة بعام 2020 وذلك وفقًا لتقديرات البنك الدولي في أحدث إصدار له بعنوان “موجز الهجرة والتنمية”. وتشير التقديرات الواردة بالتقرير إلى أنّ حجم تدفقات التحويلات إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل (باستثناء الصين) تبلغ أكثر من ثلاثة أمثال المساعدات الإنمائية الرسمية للبلدان النامية كما تزيد بأكثر من 50% عن الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة لتلك الدول، بما يعكس الأهمية التي تمثلها تلك التحويلات في مساندة الأسر في توفير ضروريات الحياة مثل الغذاء والصحة والتعليم. ومن المتوقّع أن تواصل التحويلات نموها بنسبة…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

شهد حجم التحويلات إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل ارتفاعًا كبيرًا لتصل إلى 589 مليار دولار في عام 2021 وترتفع بنسبة 7.3% مقارنة بعام 2020 وذلك وفقًا لتقديرات البنك الدولي في أحدث إصدار له بعنوان “موجز الهجرة والتنمية”. وتشير التقديرات الواردة بالتقرير إلى أنّ حجم تدفقات التحويلات إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل (باستثناء الصين) تبلغ أكثر من ثلاثة أمثال المساعدات الإنمائية الرسمية للبلدان النامية كما تزيد بأكثر من 50% عن الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة لتلك الدول، بما يعكس الأهمية التي تمثلها تلك التحويلات في مساندة الأسر في توفير ضروريات الحياة مثل الغذاء والصحة والتعليم.

ومن المتوقّع أن تواصل التحويلات نموها بنسبة 2.6% في عام 2022 تمشيًا مع تنبؤات الاقتصاد الكلي على الصعيد العالمي، بينما تمثل الموجات الجديدة للإصابة بفيروس كورونا وإعادة فرض القيود على التنقل أكبر مخاطر تقييد آفاق النمو العالمي والتوظيف والتحويلات القادمة إلى البلدان النامية، كما قد يؤدي إنهاء برامج التحفيز المالي ودعم التوظيف بالاقتصادات المتقدمة مع التعافي إلى إضعاف تدفقات التحويلات. وقد ساهمت برامج التحفيز المالي ودعم التوظيف في البلدان المتقدمة إلى تسهيل زيادة التحويلات إلى الخارج، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط وما نتج عنه من تحسّن في النشاط الاقتصادي. 

تحويلات العاملين حول العالم

سجلت التحويلات نموًا قويًا لهذا العام في أغلب مناطق العالم، فقد ارتفعت التدفقات بنسبة 21.6% في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، و9.7% في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، و8% في جنوب آسيا، و6.2% في إفريقيا جنوب الصحراء، و5.3% في أوروبا وآسيا الوسطى. بينما انخفضت في شرق آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 4% رغم استبعاد الصين.

في عام 2021، كان أكبر خمسة بلدان متلقية للتحويلات بالقيمة الحالية للدولار الأمريكي هي: الهند، والصين، والمكسيك، والفلبين، وجمهورية مصر العربية. ومن حيث النسبة من إجمالي الناتج المحلي، كان أكبر خمسة بلدان متلقية للتحويلات في عام 2021 من الاقتصادات الأصغر حجمًا: تونغا، ولبنان، وجمهورية قيرغيزيا، وطاجيكستان، وهندوراس. وقد كانت الولايات المتحدة أكبر بلد مصدر للتحويلات، تليها الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وسويسرا.

ووفقًا لقاعدة بيانات البنك الدولي لأسعار التحويلات في العالم، ظلت تكلفة إرسال 200 دولار عبر الحدود الدولية مرتفعة للغاية، حيث بلغت في المتوسط 6.4% من المبلغ المُحول في الربع الأول من عام 2021. وتزيد هذه النسبة عن ضعفي النسبة المُستهدفة في أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، وهي 3%.

وتُعد تكلفة إرسال الأموال إلى إفريقيا جنوب الصحراء بنحو (8%) لتصبح الأعلى على مستوى العالم، في حين سجلت تكلفة الإرسال في جنوب آسيا نحو (4.6%) كأدنى تكلفة عالميًا.

الاتجاهات الإقليمية للتحويلات المالية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تُشكِّل تحويلات العاملين في بلدان الشرق الأوسط منذ وقت طويل أكبر مصدر لتدفقات الموارد الخارجية وتتجاوز في بعض الأحيان تدفقات المساعدات الإنمائية الرسمية، والاستثمار الأجنبي المباشر، وتدفقات أسهم رأس المال والديون. 

ومن المتوقّع أن تنمو التحويلات إلى البلدان النامية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة تقدر بنحو 9.7% في عام 2021 لتصل إلى 62 مليار دولار، مدعومة بعودة النمو في البلدان المضيفة في الاتحاد الأوروبي -لا سيما فرنسا وإسبانيا- والزيادة في أسعار النفط العالمية التي أثرت تأثيرًا إيجابيًا على دول مجلس التعاون الخليجي. 

ويرجع الفضل في هذه الزيادة إلى التحسن القوي الذي شهدته التدفقات الوافدة إلى مصر والمغرب بنسبة تتجاوز 25% أي نحو 9.3 مليارات دولار، فقد ارتفعت حصيلة التحويلات إلى بلدان المغرب العربي (الجزائر والمغرب وتونس) بنسبة 15.2%، مدفوعة بالنمو في منطقة اليورو. لكن التدفقات انخفضت إلى العديد من بلدان المنطقة في عام 2021، ومنها الأردن (تراجع بنسبة 6.9%)، وجيبوتي (تراجع بنسبة 14.8%)، ولبنان (تراجع بنسبة 0.3%). 

ومن المتوقع أن تسجل نمو التحويلات في عام 2022 ما نسبته 3.6%، وهو من أبطأ معدلات النمو، وذلك بسبب المخاطر الناجمة عن جائحة كورونا. وعلى مستوى تكاليف التحويلات، فقد تراجع متوسط تكلفة إرسال 200 دولار إلى المنطقة لنحو 6.3% في الربع الأول من 2021 نزولًا من 7% مقارنة بعام 2020.

تحويلات العاملين في مصر

أشار التقرير إلى أن مصر تُعد من أكبر خمسة متلقين للتحويلات في العالم في عام 2021، وذلك من حيث حجم التحويلات بالدولار الأمريكي، فقد تلقت مصر نحو 33 مليار دولار خلال العام، مرتفعة بنحو 12.6 % مقارنة بالعام السابق، مستفيدة من ارتفاع أسعار وعوائد النفط في الخليج العربي، وكذلك الانتعاش في النشاط الاقتصادي في أوروبا والولايات المتحدة. ويُشير الشكل التالي إلى ذلك.

شكل: أكبر خمسة متلقين لتحويلات العاملين بالخارج لعام 2021 (القيمة بالمليار دولار)

Source: World Bank–KNOMAD staff

على صعيد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تُعد مصر -إلى حد بعيد- أكبر متلقٍ للتحويلات المالية بين الدول النامية في المنطقة (54 % من إجمالي تحويلات العاملين بالخارج للمنطقة، وحصلت على 33 مليار دولار خلال عام 2021)، لتمثل روابط أقوى من بلدان المغرب العربي مع دول مجلس التعاون الخليجي وغيرها من الدول العربية.

هذا وتمثل تحويلات العاملين بالخارج إلى مصر نحو 8.4 % من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعكس الأهمية الكبرى لتلك التحويلات كمصدر للنقد الأجنبي ورفع مستوى معيشة أسر العاملين بالخارج داخل البلاد، تزامنًا مع تراجع عائدات السياحة جراء الجائحة، كما لا تزال هناك مخاطر مرتبطة بعدم سماح بعض الدول باستقبال العمالة الوافدة غير الحاصلة على اللقاح.

شكل: أكبر خمسة متلقّين لتحويلات العاملين بالخارج في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لعام 2021 (القيمة بالمليار دولار)

Source: World Bank–KNOMAD staff

وأخيرًا، يظهر لنا مدى أهمية وقيمة تلك التحويلات للبلدان المتلقية، لذا يجب على واضعي السياسات مواصلة جهودهم للحفاظ على تدفق التحويلات عن طريق خفض تكلفة التحويلات، وزيادة إمكانية دمج المهاجرين بالنظم المالية الرسمية للبلدان لتسهيل حصولهم على الخدمات المصرفية، إلى جانب اتخاذ تدابير على صعيد السياسات للتصدي لأزمة كورونا (من حيث الحصول على اللقاحات والرعاية الصحية والإسكان والتعليم) بما يشمل المهاجرين. وقد يحتاج المهاجرون أيضًا إلى الحماية من إثقالهم بالعمل الشاق ومنحهم أجورًا متدنية من جانب أرباب العمل في أثناء الأزمة. 

وأخيرًا، لا تزال هناك مخاطر مرتفعة بشأن عودة غير متوقعة للمهاجرين والمغتربين بأعداد كبيرة، بما يشير إلى ضرورة وضع خطط لاستقبالهم وإدماجهم بالمجتمعات وتوفير عمل، وربما كانوا في حاجة إلى المساندة في توفير الرعاية الصحية، ومرافق الحجر الصحي، وغيرها من الخدمات الاجتماعية، للتخفيف من وطأة هذا الوضع على نحو فعَّال.

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية