مقال تحليلي

أربعة سيناريوهات محتملة للحرب في أوكرانيا

دخلت الحرب في أوكرانيا أسبوعها السابع منذ قيام القوات الروسية بغزو الأراضي الأوكرانية في ٢٤ فبراير الماضي. وقد تعددت التحليلات والتوقعات بشأن مسار هذه الحرب، وكم من الوقت ستستمر ومتي تنتهي، الأمر الذي يمكن معه القول إننا أمام أربعة سيناريوهات محتملة لهذه الحرب، يمكن توضيحها كالتالي: السيناريو الأول- استمرار القتال لأشهر أخرى قادمة: يُرجح هذا السيناريو إطالة زمن الحرب عما كان متوقعًا في بدايتها، وفشل القوات الروسية في محاصرة العاصمة الأوكرانية كييف، فضلًا عن انسحابها من مدينة خاركيف ثاني أكبر المدن الأوكرانية التي تبعد عن الحدود الروسية حوالي ٢٠ كم فقط وبعد شهر واحد من الاستيلاء عليها. هذا فضلًا عن…

السفير د. علاء الحديدي
سفير مصر الأسبق بدولة روسيا الاتحادية

دخلت الحرب في أوكرانيا أسبوعها السابع منذ قيام القوات الروسية بغزو الأراضي الأوكرانية في ٢٤ فبراير الماضي. وقد تعددت التحليلات والتوقعات بشأن مسار هذه الحرب، وكم من الوقت ستستمر ومتي تنتهي، الأمر الذي يمكن معه القول إننا أمام أربعة سيناريوهات محتملة لهذه الحرب، يمكن توضيحها كالتالي:

السيناريو الأول- استمرار القتال لأشهر أخرى قادمة:

يُرجح هذا السيناريو إطالة زمن الحرب عما كان متوقعًا في بدايتها، وفشل القوات الروسية في محاصرة العاصمة الأوكرانية كييف، فضلًا عن انسحابها من مدينة خاركيف ثاني أكبر المدن الأوكرانية التي تبعد عن الحدود الروسية حوالي ٢٠ كم فقط وبعد شهر واحد من الاستيلاء عليها. هذا فضلًا عن انسحاب القوات الروسية أيضًا من حول مدينتي تشيرنيهيف وسومي في الشمال الشرقي لأوكرانيا. ورغم نجاح القوات الروسية في الجنوب من تحقيق التواصل الجغرافي بين الأراضي الروسية المتاخمة لبحر أزوف مع شبه جزيرة القرم، إلا أن هناك صمودًا لما تبقى من القوات الأوكرانية في بعض ضواحي ميناء ميرابول المتوقع سقوطها بالكامل خلال الأيام القليلة القادمة، بما يشير إلى الصعوبات التي تواجه القوات الروسية في تحقيق أهدافها بالكامل. يضاف إلى ما سبق تعثر تقدم القوات الروسية غربًا من شبه جزيرة القرم في اتجاه ميناء أوديسا، وهو ما يثير أيضًا الشكوك حول قدرة القوات الروسية على إحكام سيطرتها بالكامل على الأراضي الأوكرانية شرق نهر الدنيبر كما كان متوقعًا في بداية الحرب. وقد جاء البيان الروسي على لسان النائب الأول لرئيس هيئة الأركان للقوات الروسية “سيرجي رودسكوي”، في ٢٥ مارس الماضي، بشأن انتهاء المرحلة الأولى من العمليات العسكرية، وإعادة تمركز القوات العسكرية من شمال وشمال شرق أوكرانيا إلى منطقة الدونباس، وبما يدعم الحجج الغربية القائلة بتعثر الهجوم الروسي ونجاح القوات الأوكرانية في صده.

وتأتي هذه التطورات بعد أن كانت بعض التحليلات تشير إلى أن هدف روسيا كان في المقام الأول هو العمل على تفريغ المناطق الشرقية من أكبر عدد ممكن من السكان لتسهيل عملية اقتحام المدن الموجودة هناك، وأن القوات الروسية كانت تسير وفقًا لخطة تقوم على عدة مراحل، تبدأ بتدمير البنية التحتية والعسكرية الأوكرانية، ثم الاستيلاء بالتدريج على كافة المدن والمناطق الأوكرانية شرق نهر الدنيبر، وكذلك الشريط الساحلي في الجنوب على كل من بحر أزوف والبحر الأسود حتى إقليم، ترانسنيستريا الانفصالي في دولة مالدوفا الذي تتواجد فيه قوات روسية. وكانت هذه التحليلات تقوم على أن عامل الوقت يعمل في صالح روسيا بالنظر إلى معدل الاستنزاف للقوات الأوكرانية مقارنة بالقوات الروسية الأكثر عددًا وعدة. ولكن المرجح الآن هو استمرار القتال لفترة قادمة، تطول أو تقصر طبقًا لتطور الوضع الميداني على الأرض، ومدى قدرة موسكو على إنجاز أهدافها الحالية التي تم حصرها في (تحرير إقليم الدونباس بالكامل) كما يذهب البيان الروسي.

السيناريو الثاني- اتساع الحرب الحالية:

يقضي السيناريو الثاني باحتمال اتساع الحرب الحالية بحيث لا تقتصر على الأراضي الأوكرانية فقط، وخاصة بعد قيام بوتين برفع درجة التأهب النووي لقواته فيما عدا رسالة تحذير قوية ضد حلف الناتو من مغبة دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا. ورغم تخوف البعض من تطور القتال الحالي إلى حرب نووية، إلا أن التخوف الحقيقي هو من انفلات الأوضاع لتتسع دائرة القتال وتمتد إلى خارج الأراضي الأوكرانية لتشمل دول الجوار من أعضاء حلف الناتو وغيرها وخاصة دولة مولدوفا. وهناك عدة سيناريوهات في هذا الصدد، بدءًا من قيام إحدى الطائرات الحربية الروسية باختراق أجواء إحدى دول الجوار المنضمة للناتو بطريق الخطأ مثلما حدث مع طائرة السوخوي سو ٢٤ الروسية التي اخترقت الأجواء التركية وتم إسقاطها في ٢٤ نوفمبر ٢٠١٥. ورغم أنه قد تم احتواء هذه الحادثة، إلا أنه يخشى أن يكون رد الفعل في الحالة الأوكرانية هو القيام بعمل عسكري مضاد، وبما يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل وردود الفعل المضادة، بما يؤدي إلى اتساع دائرة القتال وجر الطرفين (روسيا والناتو) إلى حرب أكبر هذا. ويذهب سيناريو آخر إلى أن روسيا قد ترى في قيام الناتو بتقديم بعض الأسلحة الثقيلة أو المتطورة إلى أوكرانيا عملًا عدائيًا ودرجة عالية من التصعيد لا يمكن السكوت عليه ويستوجب الرد المناسب. فمن المتداول أن واشنطن عرقلت قيام بعض دول الناتو (بولندا والمجر وسلوفاكيا) بتقديم ما لديهم من طائرات حربية روسية من طراز ميج ٢١ موجودة لديهم منذ كانوا أعضاء في حلف وارسو السابق إلى أوكرانيا، وهو ما تخوفت معه واشنطن من أن يرى بوتين في مثل هذا الدعم مشاركة مباشرة من جانب الناتو في الحرب ضد روسيا، فيقوم بعمل عسكري، مما يقتضي ردًا من الناتو. خاصة وأن بوتين سبق له وأن حذر من مغبة قيام الناتو بتقديم الدعم العسكري لأوكرانيا، ملوحًا في ذلك بقدراته النووية كما سبقت الإشارة. ومن المتداول الآن أن دول الناتو تدرس كيفية تقديم مزيد من الدعم العسكري لأوكرانيا، وخاصة في ضوء نجاحاتها العسكرية الأخيرة في المناطق الشمالية المحيطة بكل من مدينتي كييف وخاركيف. ويأتي في هذا الإطار التفكير في قيام بعض الدول من الأعضاء السابقين في حلف وارسو بتقديم ما يملكونه من أسلحة روسية مثل الدبابات إلى أوكرانيا. وقد قامت سلوفاكيا بالفعل بتقديم نظام الدفاع الجوي الروسي من طراز صواريخ إس-٣٠٠ الموجود لديها إلى أوكرانيا خلال الأيام القليلة الماضية، بالتزامن مع قيام الولايات المتحدة بتعويضها بنظام صواريخ باتريوت.

السيناريو الثالث- التسوية:

يذهب السيناريو الثالث إلى احتمال التوصل إلى تسوية سياسية نتيجة لحالة من الجمود تسود جبهات القتال في أوكرانيا، وإصابة قوات البلدين بحالة من الإجهاد والإنهاك تحول دون القدرة على تحقيق أي اختراق عسكري لأي منهما. وكان بوتين قد سبق له أن حدد شروط حل الأزمة مع أوكرانيا على النحو التالي:

• تطهير البلاد من النازيين الجدد، أي تغيير النظام وصولًا إلى حكومة أكثر قبولًا لدى موسكو.

• نزع السلاح.

• التخلي عن هدف الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) والتعهد بالحياد.

• اعتراف أوكرانيا بانضمام القرم إلى روسيا.

• التفاوض مع الجمهوريتين الانفصاليتين لوغانسك ودونيتسك حول الحدود المتنازع عليها (ثلث إقليم الدونباس فقط يخضع لسيطرة الانفصاليين الذين يطالبون برسم الحدود طبقًا للحدود الإدارية لعام ٢٠١٤ وجلاء القوات الأوكرانية عن المناطق التي تسيطر عليها، أي ثلثا الإقليم)، ولكن من الملاحظ أن بوتين قد تخلى عن مطلبه الأول ولم يعد يردده منذ بدء المفاوضات بينه وبين أوكرانيا في مدينة إسطنبول بتركيا. كما أن الجانب الأوكراني قال صراحة إنه على استعداد لمناقشة موضوع حياد أوكرانيا، وهو الذي كان يرفض هذا الأمر من قبل. ورغم تشكك الغرب في مدى صدق نوايا الجانب الروسي من دخول هذه المفاوضات، وأنه يسعى فقط لكسب الوقت والمماطلة حتى يعيد تموضع قواته في أوكرانيا استعدادًا لاستئناف هجومه الواسع على شرق البلاد؛ إلا أن عدم قدرة القوات الأوكرانية في الوقت ذاته على تحقيق انتصار عسكري حاسم ودحر القوات الروسية وطردها من الأراضي والمواقع التي استولت عليها، قد يجبر الطرفان على تقديم تنازلات والنزول عن سقف مطالبهما الأولى إلى نوع من الحلول الوسط المرتبطة بكافة القضايا المعلقة للخروج من الوضع الحالي.

السيناريو الرابع- والأخير هو عزل أو تنحي الرئيس بوتين:

وذلك على غرار سابقة تنحية خروتشوف في أكتوبر من عام ١٩٦٤، بعد توجيه عدة تهم إليه كان من بينها “الإساءة إلى هيبة الاتحاد السوفيتي إبان أزمة الصواريخ الكوبية” قبلها بعامين. ويقوم هذا السيناريو على نجاح العقوبات الاقتصادية والتكنولوجية المفروضة الآن على روسيا في شل الاقتصاد الروسي وعزله دوليًا بما يؤدي إلى زيادة السخط الشعبي واندلاع المظاهرات المنددة بالرئيس الروسي، وتذمر قطاعات متزايدة من المجتمع وخاصة ما يسمى بالأوليجاركية الروسية من كبار البليونيرات. ويراهن الغرب على هذا السيناريو في المدى المتوسط، حيث يرى أن الخسائر العسكرية التي قد تتكبدها القوات الروسية في أوكرانيا يستطيع بوتين التعتيم عليها إعلاميًا بما يملكه من وسائل سيطرة وإحكام، في حين أن اختفاء السلع الأساسية وانهيار العملة والمسّ بمصالح كبار المتنفذين من الأوليجاريا وفقدان ثرواتهم في الغرب، لا يمكن التعتيم عليه. وبالتالي فإن سلاح العقوبات الاقتصادية مع ما ستتكبده القوات الروسية من خسائر بشرية في أوكرانيا قد يدفعان الجيش والأوليجاركية الروسية إلى الانقلاب على الرئيس الروسي وعزله.

وبناءً على ما سبق، لا يعني ما تقدّم أنه قد لا تكون هناك سيناريوهات أخرى، أو أن يتم الجمع بين أكثر من سيناريو. ولكن الشاهد حتى الآن أن معركة الدونباس القادمة، حيث يتم تجميع القوات الروسية لخوضها، ستحدد -إلى حد كبير- أي السيناريوهات الأربعة السابقة، أو غيرها، سيوجه مسار الأحداث خلال الفترة القادمة.

السفير د. علاء الحديدي
سفير مصر الأسبق بدولة روسيا الاتحادية