بينما يحاول الدبلوماسيون في إسلام آباد التوصل إلى اتفاق مع إيران لوقف إطلاق النار، يدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى استمرار الحرب. فبالنسبة إلى بنيامين نتنياهو، لا يمثل وقف إطلاق النار فرصة لتهدئة الأوضاع، بل حكمًا بالموت السياسي. أما الرئيس دونالد ترامب، المحاط بإدارة ذات جذور عميقة في الحركة الصهيونية، فهو أداة هدفها تدمير إيران بأي ثمن لإرضاء نتنياهو وتحقيق وهم “إسرائيل الكبرى”. وبالتالي، فشل المحادثات في باكستان حتى الآن لم يكن صدفة، بل نتيجة حسابات سياسية ترى في استمرار الصراع وسيلة للبقاء في السلطة. من هذا المنظور يلتقي الخطاب الإنجيلي مع السردية الصهيونية عند نقطة واحدة: تحويل إسرائيل إلى مركز للأحداث العالمية، وتقديم الصراعات الإقليمية، بما فيها الحرب مع إيران، كجزء من مسار تاريخي ذي بعد لاهوتي يتجاوز السياسة التقليدية.
منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، تتزايد التساؤلات داخل الولايات المتحدة وخارجها حول الدوافع الحقيقية للحرب، خصوصًا في ظل غياب تهديد إيراني مباشر للولايات المتحدة بحسب تقديرات بعض المسئولين السابقين. فقد أعلن جو كينت، المدير السابق للمركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، استقالته احتجاجًا على الحرب، وكتب في بيان نشره على منصة إكس أن إيران “لم تشكل أي تهديد وشيك لبلدنا”، مؤكدًا أنه لا يستطيع “بدافع الضمير دعم الحرب الجارية”. كما أشار في رسالته إلى أن قرار الحرب جاء نتيجة “ضغط من إسرائيل ومن جماعات الضغط المؤيدة لها داخل الولايات المتحدة”.
في المقابل، تقدم الإدارة الأمريكية تبريرات مختلفة للحرب. فقد وصف وزير الخارجية ماركو روبيو القيادة الإيرانية بأنها “رجال دين شيعة متطرفون”، وأن الولايات المتحدة وجدت نفسها مضطرة لمهاجمة إيران بعد أن قررت إسرائيل تنفيذ ضربات عسكرية، في إطار خطاب سياسي يسعى إلى تصوير الصراع باعتباره مواجهة ضرورية مع نظام معاد[1]. بدوره قال وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث: إن “أنظمة متطرفة مثل إيران، المهووسة بأوهام نبوئية إسلامية، لا يمكن أن تمتلك أسلحة نووية”. وأشار في حديثه إلى مفاهيم نهاية الزمان في الفكر الشيعي، التي تتحدث عن عودة الإمام المهدي، الإمام الثاني عشر الغائب، وعودة العدالة قبل نهاية العالم[2].
غير أن التحالف السياسي بين الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المدعوم بشبكات أيديولوجية صهيونية ومسيحية صهيونية، أسهم في دفع الصراع نحو مسار متصاعد، وبدأ الخطاب الأيديولوجي يتقدم على الحسابات الجيوسياسية التقليدية داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة. هذا البعد، يكشف عن تناقض بين الدوافع المعلنة للحرب على إيران، القائمة على خطاب الردع والأمن القومي، وبين الدوافع غير المعلنة التي تستحضر سرديات “المعركة الإلهية” أو تحقيق نبوءة نهاية الزمان التوراتية.
وانعكس الجدل حول دوافع الحرب داخل الولايات المتحدة نفسها. فخلال جلسة استماع في الكونجرس بتاريخ 4 مارس، قاطع أحد المرشحين السابقين لمجلس الشيوخ عن حزب الخضر الجلسة وهو يهتف: “لا حرب من أجل إسرائيل”، قبل أن تقوم شرطة الكابيتول بإخراجه بالقوة. وفي السياق ذاته، علق الإعلامي تاكر كارلسون بأن “من الصعب قول ذلك، لكن الولايات المتحدة لم تتخذ القرار هنا؛ بنيامين نتنياهو هو من فعل ذلك”، في إشارة إلى الاعتقاد المتزايد لدى بعض الأوساط بأن القرار الأمريكي بالحرب جاء متأثرًا بشكل كبير بالحسابات الإسرائيلية[3].
وبالتالي، تزداد التساؤلات بالنظر إلى أن قرار الحرب جاء في وقت كانت فيه محادثات دبلوماسية جارية بين الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عُمان. لذلك يطرح التقرير التالي سؤالًا أساسيًا: ما المنطق الاستراتيجي الذي دفع واشنطن إلى الانخراط في حرب مفتوحة في هذا التوقيت، رغم المخاطر الكبيرة التي تترتب عليها إقليميًا ودوليًا؟
في هذا السياق، رغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفع الإدارة الأمريكية بشدة نحو هذه الحرب، فإنه لم يكن يدفع حكومة أمريكية غير راغبة أو مترددة. كان هناك دفع مستمر منذ عقود نحو الحرب ضد إيران داخل قطاع قوي من المؤسسة السياسية الخارجية في واشنطن. وكان المثل الشائع في واشنطن أثناء التحضير للغزو الأمريكي للعراق عام 2003: “الجميع يريد الذهاب إلى بغداد، أما الرجال الحقيقيون فيريدون الذهاب إلى طهران”.[4] كما التزمت المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى مع توجهات اليمين الإسرائيلي في السياسة الخارجية. فالحرب على إيران كانت محورًا ثابتًا في خطاب بنيامين نتنياهو منذ تسعينيات القرن الماضي، ومثلت مطلبًا متكررًا في أوساط جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن.[5]
بالتوازي، كان ترامب مستعدًا منذ عقود لمهاجمة إيران. ففي عام 1987، ذكرت صحيفة التايمز أن ترامب أعلن في خطاب في نيو هامبشاير أن “الولايات المتحدة يجب أن تهاجم إيران وتسيطر على بعض حقول النفط فيها ردًا على ما وصفه بترهيب إيران لأمريكا”[6]. وفي عام 1988، قال ترامب لصحيفة الجارديان: “سأكون قاسيًا مع إيران. لقد هزموا نفسيتنا، وجعلوا منا مجموعة من الحمقى”[7]. وخلال ولايته الأولى، انسحب بشكل أحادي من الاتفاق النووي الإيراني، وانتهج سياسة “الضغط الأقصى”. في الوقت نفسه، ووفقًا للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كانت إيران ملتزمة تمامًا بشروط الاتفاق. شملت حملة الضغط نشر سفن بحرية أمريكية قرب الساحل الإيراني، وإلغاء هجوم كان مقررًا قبل “10 دقائق” فقط من تنفيذه عام 2019. في عام 2020، وكجزء من الحملة نفسها، اغتال ترامب القائد العسكري والسياسي الإيراني قاسم سليماني في العراق.
ومن هذا المنطلق، يشير التقرير إلى أن الحرب على إيران لا يمكن اعتبارها قرارًا تقليديًا في السياسة الخارجية، بل هي نتاج تفاعل خمسة محركات رئيسية، تشمل: النفوذ المالي داخل العملية السياسية، ودور لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية (الإيباك) في الدفع نحو التصعيد العسكري، وإسهام المحافظين الجدد في صياغة أجندة المواجهة مع إيران، إلى جانب تأثير الصهيونية المسيحية في تعزيز توجهات الحرب ودعمها، وأخيرًا البعد الأيديولوجي الديني الذي يضفي على الحرب طابعًا عقائديًا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.
النفوذ المالي في العملية السياسية
يلعب النفوذ المالي في العملية السياسية دورًا حاسمًا في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية، ويبرز في هذا السياق التمويل المقدم من المانحين المؤيدين لإسرائيل كأحد أبرز العوامل المؤثرة. فقد ساهم هذا التمويل في تعزيز الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، من خلال التأثير على الانتخابات، وممارسة الضغط على صناع القرار، ودفع الولايات المتحدة نحو تقديم مزيد من المساعدات العسكرية. ويعد الرئيس دونالد ترامب نفسه مثالًا بارزًا على قوة هذا التأثير.
ويعتمد الحزب الجمهوري بدرجة كبيرة على أصوات الناخبين الإنجيليين، وهو ما دفع قياداته السياسية إلى تبني مواقف أكثر دعمًا لإسرائيل. ومع مرور الوقت، تحول هذا الدعم إلى عنصر شبه ثابت في البرامج الانتخابية للحزب. وبات من المتعارف عليه في السياسة الأمريكية أن السياسي الجمهوري الذي يسعى للنجاح يحتاج إلى إظهار دعم قوي لإسرائيل. ورغم الاختلافات الحزبية، لم يعد هذا التوجه مقتصرًا على الجمهوريين فقط. فقد أصبح الدعم لإسرائيل أيضًا جزءًا راسخًا في الخطاب السياسي لدى كثير من قيادات الحزب الديمقراطي، وإن بدرجات مختلفة.
وقد حظي فوز دونالد ترامب في الانتخابات بدعم كبير من ممولين صهاينة بارزين، وفي مقدمتهم ميريام أديلسون. المليارديرة الأمريكية الإسرائيلية، وزوجها الراحل شيلدون أديلسون وهما شخصيات بارزة في دعم السياسات المؤيدة لإسرائيل، والعامل المؤثر في دعم جهود الحزب الجمهوري نحو سياسات الشرق الأوسط بشكل عام. وتعد آراؤهما السياسية أشد أشكال الصهيونية تطرفًا، حتى بالمقارنة مع التيار العام اليهودي الأمريكي أو حتى داخل الكيان الصهيوني نفسه.
فقد أقر ترامب بالفضل السياسي الكبير لعائلة أديلسون، التي تعتبر أكبر مانح فردي في الانتخابات الأمريكية الأخيرة. ومن أكبر المتبرعين للحزب الجمهوري، ومن بين أكبر داعمي ترامب منذ عام 2016. تبرعوا بمبلغ 133 مليون دولار في [8]2016، و90 مليون دولار في 2020[9]، و113 مليون دولار في [10]2024. كما أنفقوا مبالغ ضخمة على سباقات مجلسي النواب والشيوخ، مقدمين “أكثر من ثلث تمويل صندوق القيادة في الكونجرس وما يقرب من ربع تمويل صندوق قيادة الشيوخ” بين 2016 و2021. هاتان المجموعتان هما أكبر لجان العمل السياسي الفائقة (Super PACs) للحزب الجمهوري للنواب والشيوخ على التوالي. في المجمل، قدم آل أديلسون حوالي 280 مليون دولار لمجموعات جمع التبرعات لسباقات مجلسي النواب والشيوخ في تلك الفترة[11].
وعندما نقل الرئيس ترامب السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، دفع التحالف اليهودي الجمهوري -الذي يموله آل أديلسون- قيمة إعلان على صفحة كاملة في صحيفة نيويورك تايمز يصور ترامب وهو يرتدي القلنسوة اليهودية ويضع يده على حائط البراق، مع نص يقول “الرئيس ترامب.. وعد فأوفى”. وبالتالي، كان قرار ترامب نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس عام 2018 مدفوعًا برغبة في إرضاء القاعدة الإنجيلية ورضوخًا لنفوذ آل أيدلسون. كما أن انسحاب ترامب من الملف النووي الإيراني كان مدفوعًا برغبة شيلدون أديلسون الذي قال: “كان أعظم شيء فعله ترامب لإسرائيل هو انتهاك الاتفاق النووي مع إيران“[12].
وخلال خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر 2025، خص ترامب ميريام بالذكر، وقال بأنها “قد تحب إسرائيل أكثر من الولايات المتحدة”. كما ظهرت بجانبه خلال حفل إشعال شموع عيد حانوكا في البيت الأبيض في ديسمبر 2025، وأعلن ترامب أنها تعهدت بتقديم 250 مليون دولار لإعادة انتخابه مرة ثالثة في الانتخابات الأمريكية 2028 على الرغم من عدم دستورية ذلك. وقد استخدمت ميريام نفوذها الإعلامي عبر صحيفة “إسرائيل هيوم” التي أسسها زوجها لنشر ادعاءات ضد إيران. وردًا على ذلك، ندد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بها قائلًا: “كلما نشرت منبر ميريام أديلسون ادعاءً دراماتيكيًا عن إيران، يجدر التساؤل: من الذي يخدمه ذلك؟ حتى الرئيس الأمريكي نفسه أقر أين تكمن ولاءاتها الأساسية”.
وبسبب الحرب على إيران، شهد التحالف الانتخابي الذي قاد الرئيس ترامب إلى الفوز في انتخابات 2024 لبعض التصدعات قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل. مما دفع ميريام لتقديم تبرعات بقيمة 40 مليون دولار إلى لجان العمل السياسي الكبرى التابعة للحزب الجمهوري في مجلسي النواب والشيوخ، لتعزيز الموارد المالية للحزب في معركته للحفاظ على السيطرة على المجلسين. وقدمت ميريام 30 مليون دولار إلى لجنة عمل سياسي كبرى مرتبطة بقيادة الجمهوريين في مجلس الشيوخ، وهو أكبر تبرع فردي تقدمه حتى الآن إلى صندوق قيادة مجلس الشيوخ. كما قدمت 10 ملايين دولار إضافية إلى نظيرها في مجلس النواب[13].
تأثير الإيباك في الدفع نحو الحرب
لعبت جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، دورًا بارزًا ومؤثرًا في دفع السياسة الأمريكية نحو مواجهة عسكرية مع إيران. وتنفق جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل حوالي 3.8 مليون دولار سنويًا للضغط لصالح إسرائيل، كما تستخدم واشنطن حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لحماية إسرائيل من أي انتقاد أو عقوبات في الأمم المتحدة. ومن خلال حملات الضغط المنظمة في الكونجرس والبيت الأبيض، والتمويل الانتخابي الكبير، والتواصل المباشر مع صناع القرار، ساهمت هذه الجماعات في ترسيخ الرؤية التي تعتبر إيران التهديد الاستراتيجي الأول للمصالح الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط. وقد ركزت جهودها على ترويج ضرورة مواجهة البرنامج النووي الإيراني وشبكة وكلائها الإقليميين (حزب الله والحوثيين وحماس) برد حازم يصل إلى حد الضربات العسكرية؛ مما شكل جزءًا أساسيًا من الضغط السياسي الذي مهد لقرار الرئيس ترامب بتوجيه ضربات عسكرية ضد أهداف إيرانية عام 2026.[14]
وتدعم الإيباك منذ زمن طويل نهجًا متشددًا تجاه إيران، باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأول لإسرائيل. وقادت معارضة خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2015، ودعمت حملة “مواطنون من أجل إيران خالية من الأسلحة النووية” التي أنفقت ما بين 20-40 مليون دولار للضغط ضد اتفاق الرئيس الأسبق باراك أوباما. وحتى بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ، دفع الإيباك نحو فرض عقوبات جديدة، مدعية أن أي تخفيف للعقوبات يغذي طموحات إيران الإقليمية ويضعف أمن إسرائيل.
وخلال إدارة ترامب الأولى، دعمت الإيباك جهود تفكيك الاتفاق النووي وأيدت حملة “الضغط الأقصى”. وبتصوير “السلوك الخبيث” لإيران على أنه دليل على فشل الاتفاق، ساهمت الإيباك في تحول سياسي انتهى بانسحاب ترامب عام 2018 وفرض عقوبات شاملة جديدة. وعملت مع الصقور في الكونجرس على دفع تشريعات عقوبات جديدة، وتمويل مراكز بحثية ووسائل إعلام تروج لمسار الزعزعة أو تغيير النظام. وقد ساهم عداؤها المستمر تجاه طهران في تطبيع المواجهة كعقيدة سياسية؛ مما مهد الطريق للحرب القائمة اليوم.[15]
كما لعبت مراكز الأبحاث الممولة من الإيباك، دورًا محوريًا في تهيئة البيئة الفكرية والسياسية التي سبقت قرار التصنيف، عبر إنتاج سرديات تحليلية تقدم إيران بوصفها تهديدًا أمنيًا طويل الأمد. وقد برز في هذا السياق مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) وهي من أبرز مراكز التفكير المؤثرة في دوائر صنع القرار الأمريكي، المعروفة تقليديًا بمواقفها المتشددة تجاه إيران والتنظيمات المرتبطة بها.
المحافظون الجدد وصياغة أجندة الحرب على إيران
في الفترة الأولى من رئاسة ترامب في يناير 2025، أصدر مركز أبحاث تحالف فاندنبرج ورقة سياسات مكونة من 16 صفحة تحدد أجندة جديدة للسياسة الخارجية الأمريكية. وكان عنوان الوثيقة: “صفقات القرن: حل مشكلات الشرق الأوسط“. وتعد هذه الوثيقة بيانًا للمحافظين الجدد لرئاسة ترامب الثانية؛ إذ دعت إلى أن تقدم الولايات المتحدة مزيدًا من الأسلحة لإسرائيل وأن تتخذ موقفًا “مختلفًا جذريًا” تجاه إيران. كما يدعو التقرير، إدارة ترامب إلى “استخدام كل عناصر القوة الوطنية الأمريكية” لمنع إيران “أكبر تهديد للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وسبب معظم مشاكل الأمن في المنطقة” من الحصول على قنبلة نووية. ويصف إسرائيل بأنها “حليفتنا الرئيسية في المنطقة”، ويجب على واشنطن أن تزودها بكل “الأسلحة التي تحتاجها لمساعدتها على الفوز في الحرب ومنع التصعيد الأوسع”[16].
ويهدف هذا التصور إلى دفع ترامب بعيدًا عن وعوده الانتخابية السابقة القائمة على تقليل التدخلات العسكرية الخارجية. وأكد التقرير أن الأولوية القصوى للولايات المتحدة هي “ردع الطموحات النووية الإيرانية”، كما حذر من تنامي النفوذ الصيني في الشرق الأوسط، ودعا إلى اعتبار الصين الخصم الاستراتيجي الرئيسي لواشنطن. وبذلك، قدم إيران والصين باعتبارهما التحديين المركزيين في السياسة الخارجية لترامب.
وقد تمت مراجعة تقارير “تحالف فاندنبرج” على أعلى مستويات الحكومة الأمريكية خلال العام الماضي. كما شارك في إعداد خطط تنفيذية لمقترحاته عدد من كبار المسئولين، بينهم ستيفن ميلر نائب رئيس موظفي البيت الأبيض، ووزير الخارجية ماركو روبيو، وسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز، ومستشار الأمن القومي السابق أليكس وونغ، إضافة إلى إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع لشئون السياسات[17].
تأسس “تحالف فاندنبرج” عام 2021، وهو يدعو إلى سياسة خارجية تدخلية وزيادة الإنفاق الدفاعي. وفي عام 2025، نشر تقارير موسعة حول إيران وفنزويلا، تضمنت دعوات لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وتصعيد الضغوط على إيران[18]. ويعد إليوت أبرامز، أحد أبرز المحافظين الجدد، مؤسس ورئيس التحالف. وهو من أبرز الداعمين لسياسات التدخل العسكري، ويدعو إلى إنشاء أنظمة حليفة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط باعتبارها وسيلة لمكافحة الإرهاب. كما يعد من الشخصيات المركزية في الحركة الجديدة، وكان من أبرز مؤيدي غزو العراق عام 2003. وخلال فترة حكم أوباما، عمل أبرامز زميلًا بارزًا في مجلس العلاقات الخارجية، وانتقد بشدة سياسة “القيادة من الخلف”، معتبرًا أنها أضعفت النفوذ الأمريكي. كما عارض محاولات التقارب مع كوبا وإيران، واستمر في انتقاد سياسات الانفتاح حتى بعد تداعيات حرب العراق[19].
وفي عام 2019، خلال الولاية الأولى لترامب، تم تعيين أبرامز مبعوثًا خاصًا لإيران وفنزويلا؛ مما مثل عودته إلى العمل الرسمي. ويرتبط أبرامز بعلاقة وثيقة مع نتنياهو، وقد سبق أن صرّح خلال لقاء عام 2007 بأن الولايات المتحدة وإسرائيل وكوريا الجنوبية يجب أن تعمل معًا في مواجهة الصين وإيران وكوريا الشمالية باعتبارها تهديدات أمنية مشتركة. وخلال حملة ترامب الرئاسية لعام 2024، عندما تبنى خطابًا انعزاليًا مؤكدًا أنه لن يخوض حروبًا جديدة، عمل أبرامز على استقطاب عدد من الاستراتيجيين من تيار المحافظين الجدد داخل تحالف فاندنبرج، ودفع بهم للانضمام إلى فريق التخطيط لمشروع السياسات المعروف باسم “مشروع 2025” الذي أعدته مؤسسة هيريتدج المحافظة.
ورغم أن أبرامز لا يشغل منصبًا رسميًا في الإدارة الثانية لترامب، فإنه يتمتع بنفوذ مؤثر بصفته مستشارًا غير رسمي ومحللًا يقدم توجيهات فكرية لسياسات الشرق الأوسط. والأهم من ذلك أن الجيل الجديد من المحافظين الجدد الذين يشغلون مواقع مؤثرة داخل إدارة ترامب، تحت تأثيره الفكري، يمتلكون نفوذًا كبيرًا. ومن بين المقربين من ترامب الذين يصنفون ضمن هذا التيار: ستيفن ميلر، ومايكل والتز، وماركو روبيو. وفي مجلس الشيوخ يبرز أيضًا كل من تيد كروز، وليندسي غراهام، وتوم كوتون بوصفهم من الداعمين لأجندة أبرامز.
شبكة المحافظين الجدد داخل إدارة ترامب
رغم أن المحافظين الجدد كانوا في السابق قوة مؤثرة في السياسة الخارجية الأمريكية، فإن نفوذهم تراجع بعد غزو العراق عام 2003، وبدا أنهم اختفوا تقريبًا من واشنطن مع بقاء شخصيات قليلة مثل جون بولتون. إلا أنهم عادوا تدريجيًا إلى قلب السلطة في إدارة ترامب عبر تبني استراتيجية تقوم على مركزية إسرائيل في سياسة الشرق الأوسط. وقد مزج هذا الجيل الجديد من المحافظين الجدد بين شعار ترامب “أمريكا أولًا” وبين إيمانهم بسياسات التدخل العسكري؛ مما أدى إلى صياغة نهج سياسي أكثر تشددًا. وعلى خلاف المحافظين الجدد التقليديين الذين رفعوا شعار نشر الديمقراطية، يركز هذا الجيل على فرض الهيمنة وإبرام الصفقات من خلال القوة الساحقة. ومن خلال تقديم البراجماتية على القيم، نجحوا في جذب اهتمام ترامب عبر طرح هدف استراتيجي يتمثل في تحييد الخصوم بفاعلية، وعلى رأسهم الصين.
من جهة أخرى، اتبع بنيامين نتنياهو استراتيجية إضافية في إطار تحالفه مع هذا التيار، تمثلت في توجيه استثمارات ضخمة إلى شركات مرتبطة بعائلة ترامب، خاصة في قطاعات الدفاع والذكاء الاصطناعي والفضاء والتكنولوجيا الحيوية. ففي الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة حربًا مع إيران، يجني ابنا ترامب أرباحًا كبيرة من الاستثمارات في الصناعات الدفاعية. فقد استثمر إريك ترامب في شركة “إكستند” الإسرائيلية المصنعة للطائرات المسيرة والمتعاقدة مع وزارة الدفاع الأمريكية، وحقق أرباحًا كبيرة مع ازدياد أهمية الطائرات المسيّرة في الحرب. أما دونالد ترامب الابن فيعمل مستشارًا ومساهمًا في شركة “أنيوجوال ماشينز” الناشئة المتخصصة في تصنيع مكونات الطائرات المسيّرة، والتي حصلت على قرض بقيمة 620 مليون دولار من وزارة الدفاع الأمريكية لإنتاج هذه المكونات، وهو أكبر قرض يمنحه مكتب رأس المال الاستراتيجي في الوزارة[20].
كما يعد ترامب الابن شريكًا في شركة رأس المال الاستثماري “1789 كابيتال” التي تروج لما يسمى “الرأسمالية الوطنية” وتستثمر في شركات التكنولوجيا الدفاعية الناشئة. كما يعمل ترامب الابن مستشارًا لشركة “بوليماركت” المتخصصة في أسواق التنبؤ، وهي شركة مثيرة للجدل؛ حيث أثيرت شكوك حول تحقيقه أرباحًا كبيرة من خلال التنبؤ المسبق بقرارات كبرى في السياسة الخارجية والأمن القومي[21].
دور الصهيونية المسيحية في الدفع نحو الحرب مع إيران
دفعت الحركة المسيحية الصهيونية، إحدى أكبر المنظمات المؤيدة لإسرائيل في العالم، منذ زمن طويل نحو تغيير النظام في إيران؛ حيث ترى فيه عقبة رئيسية أمام نبوءة نهاية الزمان وعودة المسيح. وبفضل حلفائها داخل الدائرة المقربة من الرئيس دونالد ترامب وتسلل أفكارها إلى أوساط الجيش الأمريكي، لعبت دورًا رئيسيًا في بناء الدعم للحرب الحالية. ويعد القس جون هاجي، راعي كنيسة كورنرستون في سان أنطونيو بولاية تكساس ومؤسس منظمة “المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل” التي تضم نحو عشرة ملايين عضو، أحد أبرز الأصوات في هذه الحركة الإنجيلية التي تدعو إلى عودة اليهود إلى “الأرض المقدسة” تمهيدًا للمجيء الثاني ليسوع.
“المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل” والحركة المسيحية الصهيونية الأوسع كانا من أبرز الدافعين نحو تغيير النظام في إيران. منذ عام 2016، أنفقت المجموعة ما يقارب 2.5 مليون دولار في الضغط على الكونجرس بشأن مجموعة واسعة من القضايا المتعلقة بمعاقبة الحكومة الإيرانية وتعزيز التسلح الإسرائيلي[22]. وخلال عام 2025، أنفقت المجموعة أكثر من 679 ألف دولار في الضغط على الكونجرس بشأن العقوبات على إيران وسوريا، ومشروع قانون يعاقب المواطنين الأمريكيين الذين يقاطعون إسرائيل، وتشريعات تجارية مؤيدة لإسرائيل، وغيرها من القضايا[23]. كما استثمرت المجموعة ما بين 50 و65 مليون دولار في المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية التي يتم بناؤها في الضفة الغربية[24].
كما يتفاخر الموقع الإلكتروني للمجموعة بأنه دفع في تمرير قانون السلام من خلال القوة في القرن الحادي والعشرين. وقد ركز هذا التشريع على تعزيز الموقف الأمريكي تجاه إيران من خلال تخصيص 14.3 مليار دولار كمساعدات طارئة لإسرائيل، إلى جانب تضمينه لقانونين محوريين يستهدفان النظام الإيراني مباشرة[25]:
- قانون وقف إيواء النفط الإيراني (SHIP Act)، الذي يهدف إلى منع الدول والكيانات من تسهيل تصدير النفط الإيراني وفرض عقوبات صارمة على الجهات المتورطة في ذلك.
- قانون محاسبة ماهسا أميني لحقوق الإنسان والأمن، الذي يفرض عقوبات على المسئولين الإيرانيين المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، مع التركيز على قمع الاحتجاجات الداخلية ودعم النشاط الإرهابي الإقليمي.
بالنسبة لأتباع الحركة المسيحية الصهيونية، فإن الحرب مع إيران ليست مجرد مسألة تتعلق بـ”حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، ولكن مواجهة إيران جزء من مهمتها الأيديولوجية. فإيران تمثل رمزًا لما يعارض إسرائيل وما يجب تدميره. لذا فكرة الحركة المسيحية الصهيونية هي أنه يجب تمهيد الطريق لتكون إسرائيل قوية. من بين المبادئ التي تتبناها الحركة المسيحية الصهيونية الدعوة إلى بناء هيكل يهودي ثالث على جبل الهيكل في القدس. وتعتقد الحركة المسيحية الصهيونية أنه بمجرد بناء “الهيكل الثالث”، سيعود اليهود إلى الأرض المقدسة وسيتم ذبح بقرات حمراء؛ مما يمهد لنهاية العالم[26].
البعد الأيديولوجي
أصبحت السرديات الدينية أداة مركزية في تفسير الحرب ومنحها طابعًا وجوديًا يتجاوز الحسابات التقليدية. فقد تلقت مؤسسة الحرية الدينية العسكرية (MRFF) في 3 مارس الماضي، شكاوى من جنود أمريكيين أفادوا بأن بعض القادة العسكريين استخدموا في إحاطاتهم العسكرية مقاطع من سفر الرؤيا، وقدموا الحرب على إيران باعتبارها جزءًا من “خطة إلهية”. وذهب بعضهم إلى القول: إن الرئيس دونالد ترامب “ممسوح من المسيح” لبدء الأحداث التي تقود إلى معركة هرمجدون. وفي التراث المسيحي، يشير مفهوم هرمجدون -المشتق من اسم جبل مجدو في شمال إسرائيل- إلى المعركة النهائية التي تسبق نهاية العالم”[27]. مما دفع ثلاثين عضوًا في الكونجرس إلى حث المفتش العام في وزارة الدفاع في 6 مارس على التحقيق في هذه الادعاءات[28]، لأنها تضفي على الحرب الجارية بعدًا دينيًا مقدسًا وتحولها من نزاع سياسي إلى مواجهة ذات دلالات لاهوتية.
توظيف النبوءات والرموز الدينية لشرعنة الحرب
في إحدى الصلوات التي أقيمت داخل وزارة الحرب الأمريكية، ألقى القس بروكس بوتايجر وهو مستشار روحي مقرب من وزير الحرب الأمريكي عظة أكد فيها أن الله يسيطر على مجريات الأحداث في العالم، بما في ذلك الحروب والأسلحة المستخدمة فيها، “إذا كان الرب يسيطر حتى على سقوط العصفور، فكونوا على يقين أنه يسيطر أيضًا على كل ما يسقط في هذا العالم، بما في ذلك صواريخ توماهوك ومينيوتمان”. وقد أثار هذا الخطاب جدلًا بعد القصف الأمريكي الإسرائيلي لمدرسة في مدينة ميناب الإيرانية، وأسفرت عن مقتل أكثر من 175 طفلًا.[29]
ترتبط هذه الرؤية الدينية بتطورات لاهوتية ظهرت في القرن التاسع عشر داخل البروتستانتية الأمريكية، أبرزها اللاهوت التدبيري والصهيونية المسيحية. ويعتقد أنصار هذا التيار أن اليهود المعاصرين لا يزالون يمثلون “شعب الله المختار”، وأن دعم قيام إسرائيل واستمرارها يشكل جزءًا من تحقيق النبوءات المرتبطة بعودة المسيح. وقد انعكس هذا التصور في الخطاب السياسي لبعض المسئولين والقيادات المحافظة في الولايات المتحدة:
- التقى الرئيس ترامب مجموعة من القساوسة والقادة الإنجيليين في البيت الأبيض لإقامة صلاة من أجل الجيش الأمريكي في حربه على إيران. وقد أبرز هذا الحدث بوضوح توجه الإدارة الأمريكية نحو دمج الخطاب الديني في خطابها السياسي والعسكري.
- يتحرك وزير الحرب بيت هيجسيث وفق معتقد ديني متطرف يرى في تأسيس إسرائيل وحروبها مع الدول العربية، وإعلان القدس عاصمة للدولة الصهيونية، “معجزة” إلهية، مع التأكيد الصريح على ضرورة بناء الهيكل الثالث في القدس. وجعل البنتاجون منصة للدعاية الدينية من خلال تنظيم اجتماعات صلاة شهرية ودراسات كتابية أسبوعية[30].
- عبر السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي عن الحرب والرؤى المرتبطة بنبوءات نهاية الزمان وبفكرة “إسرائيل الكبرى” خلال مقابلة أجراها مع البودكاستر المحافظ تاكر كارلسون، في فبراير الماضي قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قال هاكابي مستشهدًا بالكتاب المقدس: إنه لن يمانع إذا سيطرت إسرائيل على أرض تمتد من نهر الفرات في العراق وسوريا إلى نهر النيل في مصر. وفقًا لسفر التكوين 15، فقد وعد بهذه الأرض لأحفاد إبراهيم، الذين يعتبرون الشعب اليهودي[31].
- وصف رئيس مجلس النواب مايك جونسون الإيرانيين بأنهم أتباع “دين مضلل”، بينما أكد السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام أن المواجهة مع إيران تمثل “حربًا دينية” في جوهرها.
- في عظة ألقاها في الأول من مارس 2026، وصف القس جون هاجي، مؤسس “منظمة المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل”، الحرب بأنها جزء من مسار نبوي إلهي، مؤكدًا أن ما يحدث يتوافق مع ما وصفه بالخطة الإلهية. وصلى ليدمر الله “أعداء صهيون وأعداء الولايات المتحدة”[32].
- أعلنت المنظمات اليهودية الرئيسية في الولايات المتحدة دعمها الكامل للحرب. أصدر مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى بيانًا أشاد فيه بتنسيق الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، معتبرًا أن قيادتهما تعكس “قوة الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والعزم المشترك على مواجهة نظام يهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي”[33].
- أكدت اللجنة اليهودية الأمريكية أن الدبلوماسية أصبحت مستحيلة بسبب عدم جدية الإيرانيين في التفاوض، بينما عبر جوناثان جرينبلات، المدير التنفيذي لرابطة مكافحة التشهير (ADL)، عن اعتقاده بأن “زوال الجمهورية الإسلامية سيجعل العالم أكثر أمانًا”[34].
- في مقابلة إعلامية عام 2025، استشهد السيناتور الجمهوري تيد كروز بعبارة شائعة بين الإنجيليين مفادها أن “من يبارك إسرائيل يُبارك”، رغم أنها ليست اقتباسًا حرفيًا من النصوص التوراتية، وهو ما يوضح مدى حضور هذا التصور اللاهوتي في الخطاب السياسي الأمريكي المعاصر.
توظيف الرموز الدينية في الخطاب السياسي الإسرائيلي
تم تصوير الرئيس ترامب بوصفه “كورش الكبير” الملك الفارسي الذي سمح لليهود بالعودة من السبي البابلي عام 539 قبل الميلاد وإعادة بناء الهيكل في القدس. وقد ظهرت في إسرائيل لافتات تحمل عبارة “كورش العظيم حي!” احتفاءً بقرارات ترامب، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان ودعمه لسياسات إسرائيل في غزة ومواجهته إيران. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد شبه ترامب بكورش عام 2018، وهو التشبيه الذي أعاد هاكابي تكراره لاحقًا[35].
من جانبه، استخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي صورًا ورموزًا دينية في 28 فبراير أثناء إعلانه بدء الحرب. فقد استحضر عيد الفوريم اليهودي، الذي صادف هذا العام يومي 2 و3 مارس، ويحيي ذكرى نجاة اليهود من مؤامرة دبرها هامان، وهو مسئول فارسي شرير في الإمبراطورية الفارسية القديمة، كان يخطط لإبادة اليهود. وقال نتنياهو في خطابه: “إخوتي وأخواتي، بعد يومين سنحتفل بعيد الفوريم. قبل 2500 عام، في بلاد فارس القديمة، نهض عدو ضدنا بالهدف نفسه: تدمير شعبنا بالكامل. لكن مردخاي اليهودي والملكة إستير، بشجاعتهما وحنكتهما، أنقذا شعبنا. في تلك الأيام من الفوريم ألقيت القرعة وسقط هامان الشرير. وحتى اليوم، في عيد الفوريم، ألقيت القرعة أيضًا، وسيأتي نهاية هذا النظام الشرير”.
كما قارن نتنياهو إيران بشعب العماليق المذكور في الكتاب المقدس، وهو تشبيه استخدمه سابقًا للإشارة إلى حركة حماس في غزة، وهو ما أثار انتقادات من الأمم المتحدة. ويصور العماليق في العهد القديم كأعداء تاريخيين للشعب اليهودي؛ حيث يرد أن الله أمر بتدميرهم بالكامل، “رجالًا ونساءً، أطفالًا ورضعًا، وبقرًا وغنمًا وجمالًا وحميرًا”[36].
مع ذلك، لا تدور هذه الحرب في جوهرها حول الدين. لكن قادة من مختلف الأطراف استخدموا الدين لتبرير أفعالهم. فمنذ عقود لم يحدث أن لجأ قادة سياسيون ينتمون إلى الديانات الثلاث الكبرى إلى نصوص وتقاليد دينية بهذه الصورة لتبرير الحروب. ويعد استخدام الولايات المتحدة وإسرائيل للخطاب الديني والنصوص المقدسة لتبرير الحرب على إيران تطورًا مقلقًا؛ لأنه يكشف عن تزايد العلاقة بين الدين والقومية السلطوية. كما أدى ذلك إلى تعميق العداء مع إيران؛ حيث استخدم سياسيون ورجال دين هناك أيضًا روايات دينية في خطابهم السياسي؛ حيث يلعب الدين دورًا دستوريًا مهمًا في بنية النظام السياسي[37].
في مقابل كل هذه الاتجاهات، اتخذت الكنيسة الكاثوليكية موقفًا مختلفًا؛ إذ أدانت الحرب ووصفتها بأنها “غير أخلاقية” و”غير عادلة”، كما نددت بالهجمات الإسرائيلية على المسيحيين في لبنان. ودعا البابا ليو، وهو أمريكي الأصل، إلى وقف الحرب، واعتبرها “فضيحة تمس البشرية جمعاء”. ومن دون أن يذكر وزير الحرب بالاسم، في إشارة إلى صلواته المؤيدة للحرب على إيران، أكد البابا أن المسيح “لا يستمع إلى صلوات أولئك الذين يشنون الحروب”. وخلال وقفة صلاة من أجل السلام في 11 أبريل، حذر البابا من “وهم القدرة المطلقة الذي أصبح أكثر تقلبًا وعدوانية”، واصفًا الموت بأنه يستعبد “أولئك الذين أداروا ظهورهم لله الحي، فحولوا أنفسهم وقوتهم إلى صنم أصم وأعمى وأبكم”[38].
ختامًا، تشير معطيات المشهد السياسي في واشنطن إلى أن إسرائيل وشبكة جماعات الضغط المؤيدة لها داخل الولايات المتحدة تمتلكان أدوات مؤثرة في توجيه النقاش السياسي المتعلق بالحرب الجارية مع إيران. وفي هذا السياق، تبدو قدرة الرئيس دونالد ترامب على الدفع نحو تسوية تفاوضية شاملة محدودة، في ظل توازنات داخلية وخارجية لا تشجع على تقديم تنازلات متبادلة. فالقيادة الإسرائيلية لا تظهر حتى الآن اهتمامًا واضحًا بوقف إطلاق النار، فضلًا عن الدخول في اتفاق قد يلبي بعض المطالب الأساسية لطهران، وعلى رأسها الحفاظ على مستوى معين من قدرات تخصيب اليورانيوم. ونتيجة لذلك، يصبح هامش المناورة أمام الإدارة الأمريكية ضيقًا عند محاولة طرح مبادرات سياسية لإنهاء التصعيد. كما تشير التجربة السياسية منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025 إلى أن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل نجحت في التأثير بشكل متكرر في مسار النقاشات المتعلقة بسياسات الشرق الأوسط داخل واشنطن. ومع ذلك، يبقى احتمال واحد يمكن أن يعيد تشكيل الحسابات السياسية، ويتمثل في حدوث أزمة اقتصادية عالمية حادة تهدد الاستقرار الاقتصادي الدولي. ففي مثل هذا السيناريو الاستثنائي، قد تجد الإدارة الأمريكية نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم أولوياتها الاستراتيجية، حتى لو تطلب ذلك تبني موقف أكثر استقلالية تجاه السياسات الإسرائيلية.
[1] America’s Holy War in Iran 03.07.2026 https://jacobin.com/2026/03/evangelical-christian-zionism-end-times-iran
[2] Is the US-Iran war a religious war? US troops were briefed of Armageddon, return of Jesus Mar 06, 2026, https://www.wionews.com/world/armageddon-rhetoric-us-israel-iran-war-biblical-prophecy-1772796972379
[3] Tucker Carlson Sparks Blowback After Accusing Chabad of Stoking Iran War for Religious Purposes Mar 6, 2026 https://www.thejewishnews.com/jewish-telegraphic-agency/tucker-carlson-sparks-blowback-after-accusing-chabad-of-stoking-iran-war-for-religious-purposes/article_4900ee6f-238b-4c03-b380-18c44247bdea.html
[4] “Real men want to go to Tehran” March 18, 2003 https://tomdispatch.com/quot-real-men-want-to-go-to-tehran-quot/
[5] The history of Netanyahu’s rhetoric on Iran’s nuclear ambitions 18 Jun 2025 https://www.aljazeera.com/gallery/2025/6/18/the-history-of-netanyahus-rhetoric-on-irans-nuclear-ambitions
[6] New Hampshire Speech Earns Praise for Trump : October 23, 1987 http://www.nytimes.com/1987/10/23/nyregion/new-hampshire-speech-earns-praise-for-trump.html
[7] Polly Toynbee meets Donald Trump: the 1988 interview https://www.theguardian.com/commentisfree/2017/jan/12/polly-toynbee-1988-interview-donald-trump
[8] Trump tell-all cites Adelson’s bankrolled Israel embassy move, Oct 07, 2022, https://responsiblestatecraft.org/2022/10/07/new-book-highlights-how-campaign-money-influences-us-foreign-policy/
[9] The Pro-Israel Donor With a $100 Million Plan to Elect Trump, June 25, 2024, https://www.nytimes.com/2024/06/25/us/politics/miriam-adelson-trump-israel.html
[10] PAC Profile: Preserve America PAC, https://www.opensecrets.org/political-action-committees-pacs/preserve-america-pac/C00878801/summary/2024
[11] Sheldon Adelson’s super PAC spending spree shaped GOP politics, 01/12/2021, https://www.politico.com/news/2021/01/12/adelson-super-pac-gop-458380
[12]‘The biggest thing you did for Israel’ was breaking Iran deal — Adelson tells Trump, December 9, 2019, https://mondoweiss.net/2019/12/the-biggest-thing-you-did-for-israel-was-breaking-iran-deal-adelson-tells-trump/
[13] Miriam Adelson’s $40 Million Boosts GOP’s Midterms War Chest April 15, 2026 https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-04-15/republican-midterms-war-chest-gets-40-million-boost-from-adelson
[14] Does Israel control the USA? https://www.counterfire.org/article/does-israel-control-the-usa/
[15] How AIPAC’s Betrayal of Its Own Cause Fueled the Iran War 2026-03-26 https://indepthnews.net/how-aipacs-betrayal-of-its-own-cause-fueled-the-iran-war/
[16] Deals of the Century: Solving the Middle East https://vandenbergcoalition.org/deals-of-the-century-solving-the-middle-east/
[17] The new class of neocons guiding Trump’s rampages 2026-04-21 https://www.hani.co.kr/arti/english_edition/e_international/1255216.html
[18] https://vandenbergcoalition.org/op-eds-media/
[19] Hawks seek revival with new group Apr 30, 2021 https://responsiblestatecraft.org/2021/04/30/hawks-seek-revival-with-new-group/
[20] Trump Sons Back New Drone Company Targeting Pentagon Sales March 9, 2026 https://www.wsj.com/politics/national-security/trump-sons-back-new-drone-company-targeting-pentagon-sales-2f74abca
[22] Registrations & Quarterly Activity https://lda.senate.gov/filings/public/filing/search/?registrant=Christians+United+For+Israel®istrant_country=®istrant_ppb_country=&client=&client_state=&client_country=&client_ppb_country=&house_id=&lobbyist=&lobbyist_covered_position=&lobbyist_conviction_disclosure=&lobbyist_conviction_date_range_from=&lobbyist_conviction_date_range_to=&report_period=&report_year=&report_dt_posted_from=&report_dt_posted_to=&report_amount_reported_min=&report_amount_reported_max=&report_filing_uuid=&report_house_doc_id=&report_issue_area_description=&affiliated_organization=&affiliated_organization_country=&foreign_entity=&foreign_entity_country=&foreign_entity_ppb_country=&foreign_entity_ownership_percentage_min=&foreign_entity_ownership_percentage_max=&search=search
[23] H.R.867 – IGO Anti-Boycott Act https://archive.ph/bgMvV#selection-13215.9-13216.0
[24] Inside the Evangelical Money Flowing Into the West Bank https://www.haaretz.com/israel-news/2018-12-09/ty-article-magazine/.premium/inside-the-evangelical-money-flowing-into-the-west-bank/0000017f-f4b0-d460-afff-fff6add90000
[25] CHRISTIANS UNITED FOR ISRAEL https://cufi.org/about/policy/policy-accomplishments/
[26]Why Israel is closer than ever to building the Third Temple 19 August 2025 https://www.middleeasteye.net/news/israel-closer-building-third-temple
[27] https://myemail.constantcontact.com/MRFF-Inundated-with-Complaints-of-Gleeful-Commanders-Telling-Troops-Iran-War-is–Part-of-God-s-Divine-Plan–to-Usher-in-Return-o.html?soid=1101766362531&aid=3OTPFAZxIrI
[28] https://huffman.house.gov/imo/media/doc/letter_to_dod_ig_in_response_to_iran_war_comments.pdf
[29] Pete Hegseth’s holy war: the militant Christian theology animating the US attack on Iran Fri 10 Apr 2026 https://www.theguardian.com/us-news/ng-interactive/2026/apr/10/pete-hegseth-christianity-iran-war-crusade
[30]Pete Hegseth’s Crusade April 7, 2026 https://www.counterpunch.org/2026/04/07/pete-hegseths-crusade/
[31] Genesis 15 https://biblehub.com/esv/genesis/15.htm
[32] As Iran war expands, some conservative Christians interpret the conflict through biblical prophecies March 12, 2026 https://theconversation.com/as-iran-war-expands-some-conservative-christians-interpret-the-conflict-through-biblical-prophecies-277488
[33] Jewish Leaders Back Decisive U.S.–Israel Action Against Iranian Regime Aggression February 28, 2026 https://conferenceofpresidents.org/press/jewish-leaders-back-decisive-u-s-israel-action-against-iranian-regime-aggression/
[34] AJC Statement on U.S.-Israel Military Action Against Iran February 28, 2026 https://www.ajc.org/news/ajc-statement-on-us-israel-military-action-against-iran
[35] Biblical Bloodlust: Huckabee, Cyrus, and the Zionist Greater Israel Fantasy Fueling the Iran War March 6, 2026 https://www.counterpunch.org/2026/03/06/biblical-bloodlust-huckabee-cyrus-and-the-zionist-greater-israel-fantasy-fueling-the-iran-war/
[36] Read Netanyahu’s full statement on Iran attacks Feb 28, 2026 https://www.pbs.org/newshour/amp/world/read-netanyahus-full-statement-on-iran-attacks
[37] God on their side: how the US, Israel and Iran are all using religion to garner support March 26, 2026 https://theconversation.com/god-on-their-side-how-the-us-israel-and-iran-are-all-using-religion-to-garner-support-279337
[38] Troubled Relations: Pope Leo XIV and President Donald Trump April 22, 2026 https://www.counterpunch.org/2026/04/22/troubled-relations-pope-leo-xiv-and-president-donald-trump/