جاءت ثورة يوليو 1952 في توقيت كان العالم يشهد تحولات سريعة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بعد انطلاق الحرب الباردة وهرع الدول الغربية إلى إقامة أحلاف لعزل الاتحاد السوفيتي، والحيل بينه وبين زيادة نفوذه بمنطقة الشرق الأوسط لخلق ممرات عبرها إلى المياه الدافئة، ولهذا كانت منطقة الشرق الأوسط واحدة من أهم ساحات الحرب الباردة في أعتى مراحلها، التي شهدت تشكل معسكري الحرب، وتنامي سياسة الاستقطاب إبان الحرب، في وقت ظهر فيه اتجاه من جانب بعض الدول ولا سيما التي تحررت عندئذ راح يدعو إلى الحياد، الذي لم يلق أي ترحيب من الولايات المتحدة الامريكية، التي رغم استعدادها لأن ترث الدور البريطاني والفرنسي في منطقة الشرق الأوسط، فقد شكلت حلفًا ثلاثيًا معهما لخلق نوع من السيطرة لهم على الشرق الأوسط، والذي قوبل بالمقاومة والرفض من جانب مصر ودول المنطقة الأخرى.
في هذه الظروف فجر الضباط الأحرار ليلة 23 يوليو 1952 ثورتهم، ونجحوا بعد ساعات قليلة من تحركهم في السيطرة على الوضع في مصر، دون مواجهات تذكر، بعد أن آثر الملك فاروق التخلي عن السلطة، دون الزج بالبلاد في حرب أهلية؛ الأمر الذي هيأ للضباط الأحرار ظروفًا للتعامل مع قضايا المجتمع المصري العالقة، والمتداخلة، في وقت واحد، فواصلوا النضال ضد قوات الاحتلال، من أجل إجبارها على الجلاء عن الأراضي المصرية، وتحقيق انتصار يشد من أزر ثورتهم، وأقدموا على تصحيح الأوضاع السياسية، بحل الأحزاب وتعليق العمل بدستور 1923، والشروع في حل المسألة الاجتماعية بإصدار قانون الإصلاح الزراعي وتفعيله، والشروع في إجراء تنمية اقتصادية لإحداث توازن بين القطاعات، بما يضع حدًا لاستمرار التبعية، استيعاب البطالة التي كان تفشيها في المجتمع يشكل تهديدًا لنظام مصر الاجتماعي.
ولما كان القطاع الزراعي من أسرع القطاعات الاقتصادية التي عول نظام ثورة يوليو على تنميته في المساهمة في حل مشكلة الفقر بالريف، فقد قرر بناء سد على نهر النيل يفوق سد أسوان في قدرته لتخزين المياه، وضبط استخدام مياه نهر النيل، بشكل يساعد على زيادة مساحة مصر المحصولية، والزراعية باستصلاح مساحات من الأراضي الزراعية، تساعد في نشر الملكيات الزراعية الصغيرة، في وقت كان نظام ثورة يوليو يواجه معضلة في تمويل مشاريع التنمية التي شرع فيها؛ حيث فوجئ ليس بتباطؤ الرأسمالية المصرية. رغم الإغراءات التي قدمت لها في الإقدام على المشاركة في تلك المشاريع فحسب بل تآمرها عليها، كما لاحظ عزوف رأس المال الأجنبي، عن العمل في مصر رغم الإغراءات التي قدمت له، حتى أن جملة رءوس الأموال الأجنبية المستثمرة بمصر في الفترة من 1953ـ 1956 لم تزد عن 6 ملايين جنيه، هذا في الوقت الذي خفضت فيه بريطانيا المبالغ المفرج عنها سنويًا لمصر من الأرصدة الإسترلينية منذ قيام الثورة، حتى تقلل من الاستفادة منها في عملية التنمية، في إطار رفض النظام العالمي إجراء تنمية بمصر، بعد أن رأى أن النظام السياسي المصري أصبح يسبب للغرب قلقًا بالغًا في منطقة الشرق الأوسط، ودول العالم الثالث بأفريقيا وآسيا، لمساندته حركات التحرر العربي والعالمي، وتمسكه بسياسة عدم الانحياز، وزاد من هذا القلق ظهور بوادر تقارب بين مصر ودول الكتلة الشرقية بعد صفقة الأسلحة التشيكية.
واستمرارًا للتضييق على نظام ثورة يوليو، وتعطيل خططه لتنمية مصر، وإظهاره بالنظام العاجز محليًا وإقليميًا، سحبت الولايات المتحدة الأمريكية (في 19 يوليو 1956) وحلفاؤها الغربيون والبنك الدولي عرضهم لتمويل مشروع السد العالي؛ الأمر الذي دفع النظام للإقدام على تأميم الشركة العامة لقناة السويس، لقناعته بأن التأميم سيتيح لمصر توجيه إيرادات قناة السويس لتمويل بناء السد العالي، كما أن التأميم يلبي رغبة المصريين في فرض سيادتهم على القناة التي حفرت بعرقهم ودمائهم، فضلًا عن أنه يؤكد استقلال الإرادة السياسية المصرية في تلك المرحلة المهمة من مراحل ثورة يوليو، ويرسخ لمكانة مصر وأهميتها الاستراتيجية.
ولأن قرار التأميم الذي اتخذ كرد فعل لامتناع الدول الغربية والبنك الدولي عن تمويل السد العالي، فقد انفرد به الرئيس عبد الناصر، قبل أن يطرحه على المقربين إليه، ولا سيما من مجلس قيادة الثورة؛ الأمر الذي دفعه إلى طمأنة مجلس قيادة الثورة، قبل خطاب التأميم بساعتين، بالتأكيد على تحمله مسئولية إصدار قرار التأميم وتبعاته، عندما ذهب إلى أنني لا “أريد لأحد منكم أن يتحمل مسئولية قرار خطير لم يعرف به إلا قبل إعلانه بوقت قصير” هذا في الوقت الذي كانت قد أعدت فيه خطة التأميم، بشكل يضمن سرعة وسلاسة السيطرة على منشآت الشركة وأصولها في منطقة القناة.
وبعد أن درس الرئيس عبد الناصر ردود الأفعال المحتملة من جانب الدول الغربية، أعلن في خطابه بمدينة الإسكندرية، في مساء 26 يوليو 1956، تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، ونقل جميع ما لها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات إلى الدولة المصرية، وأن تحل الهيئات واللجان القائمة بمصر عندئذ على إدارتها. وتعويض المساهمين، وحملة حصص التأسيس، عما يملكون من أسهم وحصص بقيمتها مقدرة بحسب سعر الإقفال السابق على تاريخ العمل بقانون التأميم في بورصة الأوراق المالية في باريس، وأن يتم دفع هذا التعويض بعد إتمام استلام الدولة لجميع أموال وممتلكات الشركة المؤممة، وبمجرد إعلان قرار التأميم تحركت المجموعات المكلفة بتنفيذ خطة التأميم، وأنهت مهمتها في السيطرة على جميع المقار الرئيسية للشركة، في أقل من ساعتين، وتنفيذ خطة التأميم التي صممها المهندس محمود يونس رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول في يومين.
وبعد قرار التأميم، انسحب معظم المرشدين والفنيين الأجانب الذين كانوا يعملون في القناة لتعطيل الملاحة وعرقلة العمل وإحراج النظام السياسي في مصر، وإظهاره بمظهر غير القادر على إدارة القناة، لكن في وقت وجيز نجح المرشدون المصريون بمعاونة بعض المرشدين من الدول الصديقة (اليونان، هولندا، إيطاليا، إسبانيا، السويد) في تسيير حركة الملاحة بانتظام في القناة، وقد حظي هذا النجاح الذي حققه المصريون في إدارة القناة بإعجاب الدول الغربية، حتى إن الرئيس إيزنهاور ذهب في مذكراته إلى “أن المسئولين والعمال المصريين لم يكونوا على كفاءة في إدارة القناة فحسب، بل إنهم سرعان ما أثبتوا أنهم يمكنهم أن يفعلوا ذلك في ظروف زيادة المرور وبمقدرة متزايدة”، وهذا النجاح مكن الخارجية المصرية من الانتصار لقضية التأميم في كل المحافل الدولية التي نوقشت فيها، وتأكيدها على أنه بدون هذا النجاح في إدارة القناة بالمرشدين المصريين وغيرهم، لكانت مسألة القناة برمتها قد عولجت دوليًا بطريقة مختلفة تمامًا عن الطريقة التي عولجت بها.
وتفاوتت ردود الأفعال الدولية لتأميم شركة قناة السويس، وجاء رد الاتحاد السوفيتي أكثر إنصافًا لمصر؛ حيث أكد على ملكية مصر للقناة، واعتبر تأميم مصر لها قانونيًا. في حين رأى وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية أن قرار التأميم الذي اتخذته مصر يهدد حرية الملاحة في القناة التي ضمنتها معاهدة القسطنطينية، واقترحوا عقد مؤتمر في منتصف أغسطس 1956 تشترك فيه الدول الموقعة على المعاهدة وغيرها من الدول المهتمة باستخدام القناة، لدراسة الإجراء الذي اتخذته مصر، ولما أدركت مصر أن المؤتمر سيعمل لإلزام مصر بقبول تدويل القناة، فقد أعلنت تمسكها باتفاقية القسطنطينية، التي تضمن حرية الملاحة في القناة، وأن شركة قناة السويس شركة مصرية ولا يمكن أن تكون غير ذلك، وأن إقامة لجنة دولية لإدارة القناة ما هو إلا استعمار جماعي، عندئذ بدا أن أزمة القناة وصلت إلى طريق مسدود. وأن هناك اتجاهًا بريطانيًا فرنسيًا لحل المسألة بالضغط على مصر عسكريًا.
ورغم مشاركة الولايات المتحدة للبريطانيين والفرنسيين شعورهم بأن عبد الناصر يشكل تهديدًا خطيرًا للغرب، وأن تصرفاته هي أكثر من مجرد استعراض للقومية؛ لأنه ينوي أن يوحد العالم العربي، وإن أمكن أن يوحد العالم الإسلامي، ثم يستخدم بترول الشرق الأوسط والقناة كأسلحة ضد الغرب، فإنها لم تجارِ بريطانيا وفرنسا فيما كانا يخططان له، من عدوان على مصر، وراحت تتحدث عن متابعتها لحركة الملاحة في القناة، وأن نجاح مصر في إدارتها، لا يعطي بريطانيا وفرنسا مبررًا لشن عدوان عليها، وأنها لن تشارك في العدوان على مصر فحسب ، بل لن تسمح به، في وقت تعالى فيه استنكار إنجلترا وفرنسا لقرار التأميم، وأعلن رئيس الوزراء البريطاني إنتوني إيدن عن عمله من أجل إنهاء حكم ناصر باعتباره عدوًا للشعب البريطاني.
ولم تتوقف ردود الأفعال على التأميم عند حد الاستنكار والتهديد، من جانب بريطانيا وفرنسا، بل وصلت إلى حد قيامهما مع إسرائيل بعدوان على مصر، في أواخر أكتوبر 1956، تفاوتت ردود الأفعال عليه، والتي من أهمها موقفا الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية، فبينما كان الجدل يحتدم بأروقة الأمم المتحدة بشأن وقف إطلاق النار، طالب الاتحاد السوفيتي لندن وباريس بوقف العمليات العسكرية فورًا، وسحب القوات المعتدية والتهديد باستخدام الأسلحة الذرية لضربها، في الوقت الذي رفض فيه الرئيس الأمريكي إيزنهاور مقابلة رئيس الوزراء البريطاني، قبل وقف إطلاق النار حتى لا تكون واشنطن شريكة في هجوم على مصر، تم إخفاء تفاصيله عنها عمدًا، لا سيما أن الولايات المتحدة أصبحت بعد الحرب العالمية الثانية تشعر بأنها الخليف المنطقي والتاريخي لبريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط، ولا يمكن السماح بعودتهما إلى المنطقة والتهديد بإعادة استعمارها، رغم موقف الولايات المتحدة الباهت من اعتداء إسرائيل على مصر وسعيها لتوصيفه خرقًا للهدنة وليس اعتداءً على مصر، هذا في الوقت الذي أدانت فيه دول عديدة العدوان، واشتعلت لندن بالمظاهرات المعارضة للحرب. وأمام هذه الضغوط أعلنت لندن وباريس، قبولهما وقف النار وسحب قواتهما من مصر، لتنتهي مغامرة عبد الناصر بانتصار سياسي كبير، بعدها يصبح زعيمًا قوميًا عربيًا رغم فداحة الخسائر المصرية في الممتلكات والأرواح.
لكن هذا لا يعني أن تلك القوى تركت مصر وشأنها، بل فرضت حصارًا اقتصاديًا عليها، بتجميد أرصدتها لدى إنجلترا وفرنسا وأمريكا وامتناع الأخيرة عن بيع قمحها لمصر، في محاولة لإثارة الشعب وتحريكه لإسقاط النظام بعد تجويعه. هذا في الوقت الذي رفضت فيه البنوك الأجنبية بالداخل، تمويل محصول القطن بإيعاز من مراكزها بالخارج؛ الأمر الذي سبب هزة عنيفة في الاقتصاد المصري، استطاعت مصر تجاوزها بفضل صلابة شعبها، وإرادة قيادتها التي لم تلن يومًا.






























