الإصلاحــات الهيكلية والقضايـا المنسية

عضو الهيئة الاستشارية

حسنا فعلت الحكومة المصرية بالإعلان عن برنامجها للإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري، وذلك بعد انتهاء المرحلة الأولى من الإصلاح والتي تم تنفيذها خلال الفترة (2016-2020) معتمدة أساسا على تثبيت أوضاع الاقتصاد، آي تخفيض العجز في الموازنة العامة للدولة عن طريق إعادة النظر في سياسات الإنفاق العام، وإصلاح الخلل في الحساب الجاري لميزان المدفوعات عن طريق تعديل أسعار الصرف وإعادة بناء الاحتياطيات الدولية، وعلاج الآثار السلبية لهذه السياسة على الدخول الحقيقية للفئات الفقيرة، بتقوية شبكات الأمان الاجتماعي, ولاشك أن ما تم من إجراءات حتى الآن، لا يمثل سوى خطوة نحو تحقيق أهداف التنمية الاحتوائية وبالتالي لابد أن يتبعها سياسات موائمة لتحرير جانب…

عبد الفتاح الجبالي on Email
عبد الفتاح الجبالي
عضو الهيئة الاستشارية

حسنا فعلت الحكومة المصرية بالإعلان عن برنامجها للإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري، وذلك بعد انتهاء المرحلة الأولى من الإصلاح والتي تم تنفيذها خلال الفترة (2016-2020) معتمدة أساسا على تثبيت أوضاع الاقتصاد، آي تخفيض العجز في الموازنة العامة للدولة عن طريق إعادة النظر في سياسات الإنفاق العام، وإصلاح الخلل في الحساب الجاري لميزان المدفوعات عن طريق تعديل أسعار الصرف وإعادة بناء الاحتياطيات الدولية، وعلاج الآثار السلبية لهذه السياسة على الدخول الحقيقية للفئات الفقيرة، بتقوية شبكات الأمان الاجتماعي, ولاشك أن ما تم من إجراءات حتى الآن، لا يمثل سوى خطوة نحو تحقيق أهداف التنمية الاحتوائية وبالتالي لابد أن يتبعها سياسات موائمة لتحرير جانب العرض. أي الانتقال إلى مرحلة رفع معدلات النمو وزيادة معدلات التشغيل وهو ما يتطلب رفع الطاقة الاستثمارية وعلاج الآثار السلبية الناجمة، سواء تعلق ذلك بمستويات الفقر أو الدين العام. وهي نتائج طبيعية فى ظل طبيعة البرنامج القائم على أساس إدارة الطلب لأنها بطبيعتها سياسات قصيرة الأجل، ويكون نجاحها على حساب مستويات التشغيل والإنتاج، في حين أن الهدف النهائي من العملية الإنتاجية هو رفع معدل النمو، لكي ينعكس على مستويات معيشة ورفاهية الأفراد. وهو ما يتطلب الانتقال إلى المرحلة الثانية والأهم في الإصلاح، ونقصد بها تحديدا قضايا الإنتاج والإنتاجية من خلال التوسع المنظم والفعال في بناء القواعد الإنتاجية، ولهذا يجب العمل بمفهوم التنمية الإحتوائية الشاملة والتى ترى أن النمو وعدالة التوزيع وجهان لعملة واحدة وأن العدالة الاجتماعية تعد قوة دافعة للنمو الإقتصادى. وذلك انطلاقا من أن السياسات الملائمة للنمو الاقتصادي طويل الأجل، هي تلك التي ترتبط بتحسين توزيع العوائد الإقتصادية على كل قطاعات وفئات المجتمع. وحجر الزاوية هنا هو زيادة التشغيل ورفع الإنتاجية. إذ أن الإنطلاق بأى عملية تنموية في مصر يواجهه تحد رئيسي هو كيفية تحول المجتمع إلى مجتمع منتج؟ ويدفعنا للتساؤل عن الكيفية التى يمكن بها إحداث النقلة المطلوبة فى المجتمع وجعله أكثر كفاءة وقدرة على التعامل مع الأساليب التكنولوجية الحديثة واستيعابها داخل الإقتصاد القومى؟ وهنا يصبح التساؤل هو كيف تعامل برنامج الاصلاح الهيكلى مع كل هذه القضايا؟ وهنا نلحظ بداية أن البرنامج فى عرضه لنتائج الإصلاح لم يوحد منهجية التعامل، فتارة يعتمد على مقارنة شهر يوليو 2107 بشهر ستمبر 2019 عند الحديث عن التضخم وتارة أخرى يتحدث عن سنوات مقارنة 2013/2014 و2018/2019 عند الحديث عن معدل النمو ومرة ثالثة يقارن بين سنوات 2017/2018 و2019/2020 عند الحديث عن الفقر، ناهيك عن إقتصار الحديث عن الأجور لدى قطاعات الموازنة وليس على المستوى القومى، وهو خطأ منهجى إذ أن تقييم النتائج المترتبة على تطبيق هذه السياسة، يمكن أن يقارن مع الأوضاع التي كانت ستؤول إليه إذا ما استمر الوضع على ما كان عليه؟ أو تتم المقارنة في ضوء الأهداف المطروحة عليها، ومدى ما تحقق منها (أي قبل وبعد البرنامج) ؟ وعلى الجانب الآخر فإنه ومع تسليمنا الكامل بأهمية القطاعات الثلاثة التى أعطاها البرنامج الأولوية، إلا انها افتقدت للتفاصيل الخاصة بكل منهم فمثلا يستهدف البرنامج مجموعة من الصناعات هى الغذائية والدوائية والهندسية والغزل والنسيج، ولم يتحدث عن بعض الصناعات الهامة خاصة البتروكيماويات والأثاث ومواد البناء والتشييد. والأهم من ذلك فإذا كنا سنعتمد على الصناعات كثيفة التكنولوجيا يصبح التساؤل عن تأثير ذلك على سوق العمل فى ظل ما يتسم به من خصائص يمكن أن تؤدى إلى المزيد من البطالة وليس العكس. ويرتبط بذلك الحديث عن تمويل التنمية فى ظل اتساع الفجوة التمويلية التي تستلزم توفير التمويل اللازم لها كشرط أساسي لسد إحتياجات الإقتصاد دون الضغط على موارد النقد الأجنبي للبلاد فينتج عنه خلل غير حميد في موقف القطاع الخارجي. إذ أن معدلات النمو المستهدفة تفرض إرتفاع مقابل في الإحتياجات التمويلية للإقتصاد المصري على المدى المتوسط وهو ما يعني أهمية تدبير هذا المبلغ من مصادر غير إعتيادية حتى يتمكن الاقتصاد من مواصلة النمو والتغلب على الإختلالات الهيكلية التي يعاني منها.وهو ما يتطلب الإهتمام بتعبئة المدخرات المحلية بإعتبارها حجر الزاوية فى هذه المسألة. خاصة مع تراجع معدل الإدخار المحلى وأصبح لا يتناسب مع معدلات الإستثمار المطلوبة لرفع معدل النمو. واتسعت فجوة الموارد المحلية والتى يتم تمويلها إما عن طريق الإستثمارالأجنبى أو بالإقتراض الخارجي ولكل منهما مشكلاته وحدوده، خاصة أن الدين الخارجي قد تزايد بصورة كبيرة خلال الآونة الحالية وهى كلها أمور تشير إلى صعوبة الاستمرار فى سياسة الاقتراض الخارجى ومن ثم يجب العمل بقوة على زيادة المدخرات المحلية، وهى القضية التي لم يتناولها البرنامج على الإطلاق. لذلك فإن الإصلاح الهيكلي يجب أن يساعد في تحقيق الانطلاقة الاقتصادية، وتحول المجتمع إلى مجتمع منتج، على أن يكون البرنامج شاملا ومستداما يحقق التغييرات الهيكلية المطلوبة ويدفع معدلات التشغيل والتنمية ويسهم في تحسين نوعية الحياة للسواد الأعظم ويساعد على زيادة القدرة على توليد المزيد من فرص عمل والدخول لكل فئات المجتمع. وتدعيم القطاعات الإنتاجية وإزالة المعوقات التي تحول دون ذلك. جنبا إلي جنب مع مراعاة الفئات الاجتماعية الضعيفة ومحدودي الدخل عن طريق زيادة قدرتهم على الكسب. فضلا عن الاستمرار في محاربة الفساد بكافة أشكاله وتحقيق الإصلاح الإداري المنشود. مع تأكيد أن ذلك كله لن يتم إلا فى إطار إصلاح مؤسسى شامل يقوم على أسس الحوكمة الجيدة. ويتطلب ذلك توافر شرطين أساسيين لإنجاح البرنامج أولهما تهيئة المناخ السياسي لها بالقدوة الصالحة والقبول الشعبي والرقابة على المال العام والمتابعة ومحاربة الفساد. وثانيهما تحقيق العدالة الاجتماعية بحيث تكون هذه السياسة ذات طابع إجتماعي واضح يعمل علي تحسين الدخول ورعاية الطبقات الأقل دخلا.

ـــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ٥ مايو ٢٠٢١.

عبد الفتاح الجبالي on Email
عبد الفتاح الجبالي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب